الأحد 25 من رمضان 1439 هــ  10 يونيو 2018 | السنة 28 العدد 9905    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:
ماجد منير
ثقافة العمل‏..‏
الورقة الرابحة في بناء الدولة
ماجـــــــد مــــنـــير
10 يونيو 2018
ما زال الشعب يبوح بأسراره‏,‏ وما زال في داخله الكثير من إمكانات ومؤهلات تناسب طبيعة المرحلة وقوة التحدي‏,‏ وما زلت لم يصبني يأس اليائسين وإحباط المحبطين ممن يصدرون لنا الصورة القاتمة والوجه الغائم‏,‏ أو الذي يريدونه غائما‏,‏ من الشخصية المصرية تحت شعار‏:‏ ليس في الإمكان أبدع مما كان‏.‏

الحقيقة أن الشخصية المصرية كنز ثمين, لديها من المفاجآت الكثير, لا ينقصها سوي أن نتكاتف جميعا لننقب عن الجيد فيها, ونستخرج القيم الحميدة التي كان العالم يعرفنا بها, منذ أجدادنا العظام الذين صنعوا الحضارة, وكتبوا سيرتهم بحروف من نور في تاريخ الأرض.
أقول ذلك, وأنا أواصل كتابة سلسلة مقالات عن الثقافة الواجبة ودورها في بناء الدولة, التي بدأتها منذ أسابيع; بهدف إزاحة الستار عن قيم ومؤهلات الشخصية المصرية, التي من الممكن, إذا أعيد استغلالها واستنهاضها, أن تزيد من سرعتنا نحو المستقبل الذي نبتغيه جميعا لأحفاد بناة الأهرام وصناع الحضارة.
وعلي ذكر صناعة الحضارة, تكشف لنا جدران المعابد والبرديات الفرعونية, وكل مآثر هذه الحضارة العظيمة, عن المعاول وأدوات الصناعة والأيادي الشقيانة والزارع في أرضه, والبناء علي السقالات, والصياد في البرية.. إلي غير ذلك من أنشطة وتفاصيل الحياة اليومية للمصري القديم, وهي مشاهد لو دققت النظر فيها ستجدها جميعا تقوم علي مبدأ واحد, وقيمة مشتركة بين جميع مظاهر حياة المصري القديم التي سطرها في جدران المعابد والمقابر, هذه القيمة هي العمل, وهي في نظري من أولي الثقافات الواجبة التي تحتاج إلي إعادة اكتشاف وترسيخ وتوعية ثم محاسبة لمن لا يدرك قيمتها في هذه الحقبة المهمة من عمر وطننا.
والمتأمل لحال ثقافة العمل ومدي فعاليتها في المجتمع المصري, سيجد أنها تعاني كغيرها من الثقافات; كالاستهلاك والتخزين واحترام الرموز والحفاظ علي المقدرات وغيرها, فهذه الثقافة في مهدها تعاني كثيرا وعلي مستويات مختلفة في مجتمعنا.
فهناك المستوي الأول من حيث الرغبة, أصلا, في العمل واللجوء إلي الأمور السهلة, التي لا تتطلب جهدا من صاحبها, ويؤسفني كثيرا أن أري ذلك في شباب في عمر الزهور, ما زالوا يقضون أوقاتهم علي المقاهي, وفي التسكع في الطرقات; ليمر اليوم دون أن يكون الشاب قد أنجز شيئا.
ولك أن تتخيل أن تلك الفئة النابضة بالحياة تعاني من هذه الثقافة المغلوطة; ثقافة إضاعة الوقت والعزوف عن العمل والتكاسل وانتظار الوظيفة الميري, وتعليق كل الأحلام والطموحات في رقبة الدولة!! وفي حديث دار بيني وبين أحد القامات الوطنية المشهود لها بحب هذا البلد والتفاني من أجله, قال لي بكل أسف: المصانع تشكو البطالة, والشباب يشكون نقص الوظائف, والمقاهي تشكو التكدس, وبصراحة شديدة لم أستطع الرد علي الرجل, خاصة بعد أن حكي لي تجربته في العمل, وكيف كان يعمل بلا هوادة وهو في ريعان شبابه حتي لا يرهق أسرته ميسورة الحال, وحتي يتعلم قيمة العمل التي كبرت معه وصارت جوهر شخصيته وطريقه إلي النجاح الذي حققه ويشيد به الجميع الآن.
وفي المستوي الثاني من معاناة ثقافة العمل في مجتمعنا, تقبع تلك الفئة التي تصر علي أن تعامل الوطن بسياسة الدراع.. هذه هي الحقيقة, هؤلاء هم الذين يصرون علي سرعة السلحفاة في إنجاز بعض المهام الموكلة إليهم, وتسويف البعض الآخر إلي الوقت الذي تكون فيه أمزجتهم رائقة لينجزوا تلك الأعمال, وبين البطء في التنفيذ وحالة المزاج, تتأخر الأعمال وتتعطل المصالح, وينزف الوطن طاقات مهدرة يدفع لها مئات الملايين كل شهر دون جدوي, ويدفع المواطن أيضا من وقته وطاقته الكثير والكثير.. وفي زاوية من المشهد المأساوي تقف هذه الفئة من الموظفين والعاملين المعطلين, لا يكفون عن المطالبة بزيادات في الأجور والعلاوات والحوافز, دون أن يسألوا أنفسهم: ماذا قدموا من جهد يجلب الغطاء المالي لهذه الطلبات التي لا تنتهي؟!
إن أزمتنا الحقيقية اليوم, وعقبتنا التي لا مفر من تجاوزها, هي تغيير ثقافة العمل ونظرتنا إليه, وأن نفيق من هذه الغفلة التي طالت وتعلقنا بها, ولا أدري إلي متي سنظل متعلقين بأذيال الماضي وخطاياه؟! لقد تعلمنا أن من لا يعطي لا يأخذ, وأن الأرض التي يهملها صاحبها لا تعطي ثمارا ولا محصولا, وأن البناء لا يعلو إلا إذا كانت هناك أياد تشقي ليل نهار من أجل رفعة هذا البناء.
وثمة مستوي ثالث من الحالة المتردية التي تبدو عليها ثقافة العمل في بلادنا, ألا وهي آفة محلك سر.. وهو جد أمر مؤسف ومحزن, ذلك أن الموظف يتعامل مع جهة العمل باعتبارها باب رزق يجني منها الراتب والحافز والعلاوة والمنحة فقط, دون أن يسعي إلي تطوير مستواه واللحاق بالتطورات السريعة التي تطرأ كل دقيقة, مما أفقده روح الإبداع في عمله وغابت عنه قيمة الانتماء, وتراجع دوره ومستواه إلي أدني حد وصل إلي عدم إجادة البعض للإملاء! فهل هذا شيء معقول في وطن يسابق الزمن ليبني نفسه بعرق أبنائه وسواعدهم!!
قبل أربع سنوات انطلقت مصر إلي رحاب أوسع من الطموحات, وقطعت أشواطا كبيرة علي الطريق إلي مستقبلها الذي يليق بها, وتغلبت علي صعاب وتحديات كبيرة داخليا وخارجيا.. حالفنا النجاح كثيرا, ووقف أمامنا الأعداء كثيرا.. لكننا مضينا لا نعبأ إلا بمصلحة وطننا, وانطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي بادئا بنفسه, ضاربا المثل للجميع, رافعا شعار: العمل هو الورقة الرابحة لمصر في سباق المستقبل.. أقر رب البيت هذا المبدأ وطبقه دون أن يعفي نفسه منه وبقي علي الجميع أن يسير علي النهج عمليا لا نظريا, وواقعا لا افتراضا.. ففي مواقع العمل والانتاج فوجئ أصحاب الأيادي الشقيانة بالرئيس في أول النهار, وفي حر الشمس وتحت المطر, يؤازرهم ويشد علي أيديهم, ويتحدث إليهم ويغرس فيهم قيمة العمل وعوائد ما يقدمونه لهذا الوطن الذي يستحق منا كل التضحيات والعمل الدءوب دونما كلل أو ملل.
وفي مواقع الإدارة العليا أيضا, كان هناك من يبعثون إلينا برسائل مباشرة وغير مباشرة عن قيمة العمل.. هذه الرسائل كانت مشفوعة بالتحديات والعمل الصامت والعزيمة الصامدة.. رجال ونساء اقتربوا من الرئيس وقرأوا نهجه في العمل, وساروا علي خطاه في القتال من أجل مصر وشعبها.
هل رأيتم رئيس الوزراء السابق المهندس شريف إسماعيل منذ تولي المنصب الرفيع كيف كان شعلة نشاط لا تهدأ, كان الحمل ثقيلا علي الرجل بعد أن تولي المسئولية خلف دينامو الحكومة إبراهيم محلب, فكان لا بد أن يظهر أداء أكثر فاعلية إن لم يكن علي قدر أداء محلب.. ظل شريف إسماعيل يناضل ويقاتل حتي أصابه المرض وذهب في رحلة علاج خارج حدود الوطن, لكن عزيمته ظلت صامدة, وظل ألمه صامتا, لم يمنعه من الاطمئنان علي سير العمل داخل دهاليز الحكومة والمشروعات التي تنفذها الدولة, وعندما عاد إلي أرض الوطن, وتوقع الجميع أن يطلب إعفاءه من منصبه, بعد أن ظهرت عليه بوضوح علامات المرض شحوبا في الوجه ونحافة في الجسد, لكنه خيب كل الظنون, واستكمل عمله بكل وطنية وإخلاص; لأنه يعلم جيدا أن الوقت يمضي, ولا وقت للرفاهية عندما يكون الوطن في حاجة إلي المخلصين ليضعوه علي الطريق الصحيح ويواصل سيره إلي الأمام.. كل التحية والتقدير لأيقونة الصبر والتحمل والوطنية الصادقة.. كل الأوسمة ونياشين الوطنية للمهندس شريف إسماعيل رئيس وزراء مصر السابق في فترة عصيبة تليق بالرجال وأولي العزم.
إنها قيمة العمل التي ترفع الشأن.. إنها قيمة العمل التي تفسر لنا لماذا لم يأت الرئيس عبد الفتاح السيسي برئيس وزراء من خارج الحكومة ليخلف شريف إسماعيل, وجعلت الدكتور مصطفي مدبولي هو الأحق بالاختيار, لأن الرئيس السيسي لا يقيم أحدا بناء علي معرفة شخصية, ولا ثقة ولا توصية, وإنما يعتمد علي معيار العمل والكفاءة.. والدكتور مدبولي, لمن يعرفه ومن لا يعرفه, يعمل في صمت شديد, وحققت وزارته; الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية الجديدة, إنجازات علي الأرض, ظهرت جلية في مشروعات سكنية وخدمية لجميع شرائح المواطنين في بر مصر كلها.
إنها قيمة العمل التي لن يتم ترسيخها إلا بمكافحة الفساد والضرب علي أيدي الفاسدين والمرتشين, وفي هذا السياق تبقي في لوحة الشرف المصرية صورة الوزير محمد عرفان, رئيس هيئة الرقابة الإدارية.. هذا الرجل الذي لا يكل ولا يمل من ملاحقة الفساد أينما كان; ليهيئ الأرض لجهاز إداري بلا فيروسات ولا مسرطنات ولا مثبطات للعزيمة.. فكل التحية للوزير عرفان ورجاله.. استمروا فالمعركة طويلة لكن الصبح قريب.
لطالما تحدثت عن العمل كثقافة واجبة التغيير, وعن وعي المواطن بأبعادها كضرورة لا تحتمل التأجيل, فإنني هنا أسجل احترامي وتقديري لما تقوم به الدكتورة هالة السعيد, وزيرة التخطيط والإصلاح الإداري, من جهود ملموسة من أجل تغيير الشكل النمطي التقليدي لجهاز الدولة الإداري, وما تنتهجه من خطط لإصلاح أعطاب هذا الجهاز, وتدريب رجاله بما يحقق أقصي استفادة للدولة من حشود الموظفين المتكدسين في المكاتب.
ليس هناك أصعب من تغيير ثقافات لم تعد صالحة للاستخدام الآن.. وليس هناك أولي من ثقافة العمل لنغيرها بما يتماشي مع تحديات عصرنا وطموحات مصرنا.. ولكنه ليس من المستحيل علي شعب ملهم, ورئيس مقاتل, ووطن يحفر في الصخر أن يبني من جديد أهرامات من الإصرار والعزيمة وإرادة التغيير لكل ما يقف في طريقنا إلي مصر التي في خاطرنا.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
الأكثر قراءة
Facebook تابعنا على