السبت 17 من رمضان 1439 هــ  2 يونيو 2018 | السنة 28 العدد 9897    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:
ماجد منير
لا تبكوا علي الدعم المحروق
ماجـــد مـنـير
2 يونيو 2018
من الإنصاف ألا نعفي الحكومة من واجبها في أن تفي بحقنا الأصيل ـــ كمواطنين ـــ في أن ترفع سقف الحماية الاجتماعية وتكفل مظلات آمنة من احتمالات استغلال تلك القرارات في مزيد من إرهاق الشعب‏,‏ وتحميله أعباء إضافية دون أن يقابلها برامج موازية تحصنه ضد أي أضرار قد تطوله‏.‏

ماذا يعني حرق الدعم في خزانات الوقود ورش المياه في الشوارع؟

لا تتعجب ـ عزيزي القارئ ـ من طرح هذا السؤال, ولا من توقيت طرحه, فهذا هو الوقت المناسب الذي يجب أن نفيق فيه ونصارح أنفسنا ـ بصوت عال ـ بما التبس علينا فهمه طوال السنوات الماضية في هذه الملفات الحرجة والشائكة.
الحقيقة أنه لا فرق بين حرق الدعم في خزانات الوقود, ورش المياه في الشوارع وإهدارها في غسل السيارات, وغيرها من السلوكيات التي لم تعد مقبولة في ظل زيادة سكانية رهيبة وتناقص واضح للموارد.. فكلا التصرفين جريمة في حق الشعوب الطامحة إلي الخروج من عنق الزجاجة يجب وقفها فورا, والبحث عن طرق ووسائل لتقنينها وتحصينها من الخطر الذي حتما يهدد الجميع في وطن يلتمس النور في عتمة أخطاء الماضي, وينقب عن المستحيل في أكوام من إرث ثقيل يكاد يقصم ظهره, من فرط الأعباء التي يتكبدها في صرف مليارات الجنيهات علي بنود وأبواب تحت مسمي الدعم ـ الذي يعلم الله وحده من يستفيد منه ومن في مصلحته أن يبقي بابا مفتوحا علي مصراعيه لإهدار مقدراتنا- في وقت يحتاج فيه المواطن إلي خدمة طبية حقيقية في مستشفي حكومي, ومقعد لائق في فصل دراسي, ومعاش يليق باستراحة محارب قضي عمره في شقاء الوظيفة وطاحونة أكل العيش.
ونحن ـ كغيرنا من دول العالم ـ نعاني الفقر المائي, ورغم ذلك ما زلنا نتعامل مع المياه بإسراف شديد كغيرها من الخدمات والسلع بمبدأ احييني النهاردة وموتني بكره كما سبق وذكرت في مقال الأسبوع الماضي, وبالمثل يبقي دعم المنتجات البترولية محل تساؤل يصل إلي حد اللغز!!.. إذ لا يزال أكثر من40% ممن يحصلون علي هذا الدعم هم من ميسوري الحال الذين لا يحتاجونه ويستطيعون الاستغناء عنه, ولذلك فإن تصحيح تسعير المنتجات البترولية أصبح ضرورة ملحة لأن هذا الدعم المحروق محسوب علي المواطن البسيط, والمليارات ـ التي تحترق في هذا الدعم الذي يرهق الموازنة ـ من الأولي أن يتم استثمارها في مستقبل المواطن الذي هو في الأساس من يستحق هذا الدعم.. فكيف يحدث ذلك؟!
لا ينكر أحد أن الدولة جعلت التعليم والصحة علي رأس أولويات الإصلاح, ولذلك ليس من المنطقي أن يكون هناك إصلاح لهذين الملفين في ظل الأرقام المبالغ فيها التي يستنزفها دعم المنتجات البترولية.. وبنظرة سريعة إلي حال المستشفيات والمدارس وما تحتاج إليه من أرقام فلكية للتطوير نجد أنه من حق المواطن أن تؤمن له الدولة مستقبله ومستقبل أولاده وأحفاده في تعليم وصحة بمعايير عالمية, ولكنهما يحتاجان إلي موازنات ضخمة للصرف علي برامج وخطط تطوير القطاعين.. هذا الصرف بالطبع سيمكث في الأرض وينفع المواطنين أكثر من المليارات التي تتبخر مع عوادم البنزين والسولار ويستفيد منها من لا يحتاجها ـ في زمرة من يحصلون علي الدعم ـ وبالمثل يمكن القياس علي ذلك في قطاعات أخري خدمية كالنقل والتشغيل, إضافة إلي النهوض بالاقتصاد من خلال الاستثمارات بكل أنواعها ومستوياتها.
إن ترشيد دعم الطاقة أو بالأحري تصحيح تسعير المنتجات البترولية من شأنه أن يضع الأمور في نصابها الصحيح, وبالتبعية يضع برنامج الإصلاح علي مساره المأمول ويحقق نتائجه المرجوة, ذلك أن إعادة توجيه تلك الأموال المحروقة إلي استثمارات آمنة ودائمة سيجلب العيشة المبتغاة والخدمات التي يحتاج إليها المصريون في مستشفيات بلا عجز في الأسرة, وفي مدارس بدون مشكلات في فرص الالتحاق, أو معوقات في تنفيذ خطة التطوير التي تتبناها الدولة لإعداد جيل متطور قادر علي اللحاق بركب التقدم السريع, والتطورات المذهلة التي تفرضها العولمة الجديدة المدعومة بتقنيات وتكنولوجيا لن تنتظر من لا يقفز فوق العقبات وإرث الزمن الفائت.
ومن الإنصاف ألا نعفي الحكومة من واجبها في أن تفي بحقنا الأصيل ـ كمواطنين ـ في أن ترفع سقف الحماية الاجتماعية وتكفل مظلات آمنة من احتمالات استغلال تلك القرارات في مزيد من إرهاق الشعب, وتحميله أعباء إضافية دون أن تقابلها برامج موازية تحصنه ضد أي أضرار قد تطوله.. صحيح أن هناك برامج اجتماعية تساعد علي حماية محدودي الدخل تجاوزت85 مليار جنيه في الموازنة السابقة, ومن المقرر أن ترتفع في الموازنة الجديدة, لكن هذا ليس المأمول من الحكومة, ولا يجب أن نكف عن مساءلتها دوما.. وهنا يطرح السؤال المهم نفسه: ماذا ستفعل الحكومة من أجل المواطن؟ ومتي ستنفذ تكليفات الرئيس عبد الفتاح السيسي بأن يكون المواطن في مأمن من تبعات قرارات الإصلاح؟
وحتي تجيب الحكومة وتقدم أطروحاتها ويقتنع بها المواطن.. لن نتوقف عن التنبيه والتنويه والتنوير والتأكيد لأبناء شعبنا الوفي أن البناء مستمر.. والعزيمة موجودة.. والمسار صحيح, وإن بدت في القرارات مرارة, فهذه هي طبيعة الدواء التي نقاومها بطبيعتنا المصرية الوطنية الصبورة الواعية.. فلا تبكوا علي الدعم المحروق, وتفاءلوا بمستقبل زاهر لأجيال جديدة لن تذكرنا بالخير إذا ما استسلمنا لليأس والإحباط, وتمسكنا بمنهج المسكنات في مواجهة الأزمات الطاحنة التي لم يكن ينفع معها إلا مشرط جراح ماهر.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
الأكثر قراءة
Facebook تابعنا على