الأحد 11 من رمضان 1439 هــ  27 مايو 2018 | السنة 28 العدد 9891    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:
ماجد منير
الثقافة الواجبة‏..‏
والمسار الصحيح‏..‏ وبناء الدولة
ماجـد مــنــير
27 مايو 2018
في تلك الأجواء الحارة الجافة‏,‏ أستشعر فضيلة الصوم والحكمة منها‏,‏ وأري في مكنونها دلالات كبيرة وعللا كثيرة علي رأسها الصبر‏..‏ نعم الصبر علي جفاف الريق وخواء المعدة ونقص اللوازم الرئيسية لإعاشة الجسد‏..‏ هذه الفضيلة التي نصبر عليها إلي أجل مسمي‏..‏ إلي وقت أن يرفع المنادي صوت الأذان لينقل للصائمين فرحة الفطر‏.‏

لم أستطع وأنا أكتب هذه السطور أن أتجاهل المقارنة والتدليل بين الصبر كعبادة, والصبر كسياسة.. فالحكمة من الفضائل كلها واحدة, وإنما جعلت السلوكيات والعبادات لتهذيب الإنسان وتدبير شئونه, وكفضيلة الصبر والصوم تأتي فضيلة التغيير.. تغيير الثقافات السائدة في مجتمعنا, لا سيما فيما يتعلق منها بالاستهلاك في بلد يحاول أن يتجاوز أخطاء الماضي, ويصلح ما أفسدته سياسات العهود السابقة من تأجيل للقرارات المصيرية والحاسمة التي كان لها, لو تم اتخاذها في وقتها حسبما تقتضيه الظروف, أن تجعل الأمر يسيرا علينا الآن.. كنا سنجني الثمار بدلا من أن نربط الحزام, ولكن هذا قدرنا; أن نبني وطننا بعرقنا وصبرنا وكفاحنا وتغيير نمط ثقافتنا ونظرتنا إلي الاستهلاك في عالم متغير وسريع أشبه بالغابة لا مكان فيها لضعيف أو متكاسل.
أقول ذلك, وأنا مهموم, كرب أسرة وكشأن كل ولي أمر أو عائل أو صاحب مسئولية في وطننا الحبيب, بما يحدث, وكيف نتجاوز المرحلة, وكيف نتعايش مع الحلول التي تطرحها الدولة ويفرضها الأمر الواقع, وكيف نتعاطي الأدوية المرة لتسلم أجسادنا ومصائرنا من الخطر, ولنعبر إلي مستقبلنا آمنين مطمئنين علي أنفسنا وأبنائنا وأحفادنا.
نظرت إلي نفسي وإلي غيري من المصريين, فوجدتنا نقع في أسر تلك الثقافة الشرسة ألا وهي ثقافة الاستهلاك, ونصر علي ألا نهرب من تبعات هذه الثقافة وهي كثيرة.. فمثلا لا نزال نشتري ما لا نحتاج إليه بالضرورة من أشياء قد تكون ثانوية ولا حاجة ملحة لها, وكذلك وفي الوقت نفسه, وعلي العكس تماما, نستمرئ أن نحصل علي السلعة بأقل من تكلفتها, وعلي الخدمة بنصف سعرها, وعلي كل ما تقدمه الدولة من خدمات بأنها حقوق مفروضة وزيادات مرفوضة!
وتساءلت, وأنا أري أحد معارفي وقد عاد محملا سيارته الدفع الرباعي بكميات كبيرة من السلع الترفيهية, ثم وجدته يشكو زيادة في فاتورة الكهرباء, وغلاء في سعر كذا وكذا من السلع, سألته عن صنف من السلع التي يحملها في سيارته, فقال إنه لا يسأل عن الأسعار وإنه فقط ينظر إلي إجمالي قيمة الفاتورة ليدفع لـالكاشير ما يطلب!
ورأيت كذلك الرجل الذي يشكو غلاء سعر تذكرة المترو ويستنكر أن يدفع7 جنيهات لخط كامل يخترق3 محافظات من المرج إلي حلوان, ولم يستطع الرجل أن يداري خجله وهو يعترف أنه يدفع للتوك توك فقط10 جنيهات يوميا علي الأقل في مسافة لا تزيد علي500 متر ولا تتجاوز5 دقائق في مدة الرحلة.
وتساءلت بمزيد من الأسي: كيف قبل صديقي الأول أن يدفع مبالغ طائلة في رحلة التسوق دون أن يسأل أو يتحري أو حتي يتذمر من سعر أي سلعة ترفيهية, وكيف شعر صديقنا الثاني أن السبعة جنيهات التي يحصلها منه مترو الأنفاق ستزيد فقره بينما التوك توك لا يشعر بوخز الضمير وهو يتقاضي أكثر من هذا الرقم في مسافة ووقت لا يذكران قياسا إلي رحلة المترو من المرج إلي حلوان!!
إنها الثقافة السائدة لدينا.. فمنذ كنا صغارا ونحن نعلم أو علمونا- أن كل ما هو حكومي مجاني أو نحصل عليه بسعر زهيد, سلعة كانت أو خدمة, ولأننا وقتها لم نكن كما نحن اليوم لا من حيث الكثافة السكانية ولا الظروف العالمية ولا خطر الإرهاب الذي يستنزف تكلفة طائلة في مواجهته ليبقي الوطن آمنا وتنام أعيننا مطمئنة, ولا مؤامرات ولا محاولات لإسقاط البلد كالتي نراها اليوم.. كنا نعتبر ذلك أمرا طبيعيا رغم أن هناك العديد من القرارات الحاسمة التي كانت حبيسة الأدراج لدواع سياسية وأمنية ومصالح لدوائر معينة من السلطة ورجال الأعمال.. هذه القرارات تم تأجيلها بينما كانت الأوجاع تزداد والجروح تتقيح, حتي إذا سقطت مراكز القوي وبدأت الدولة تعمل علي نضيف وتبني مشروعات للمستقبل والأجيال القادمة, اصطدمت بالحقيقة المرة.. ظهرت في أدراج البيروقراطية جروح مميتة تتطلب جراحات عاجلة, وتفاقمت المشكلات المترتبة علي تأجيل الحسم في قرارات مصيرية, حتي أصبحت كطبقات الصخور تحتاج إلي ديناميت, ودخلت الدولة في حرب مع أوكار الفساد وسدنة المصالح, وجاهدت علي جبهة أخري وحاربت إرهابين في آن واحد: إرهاب المتطرفين, وإرهاب الاقتصاد.. وبإذن الله حققت نصرا مبينا علي الجبهتين.
ولكن أين المشكلة وما الحل؟
المشكلة أيها السادة أننا أمام معضلة كبري هي ثقافتنا, والحل بالتبعية هو تغييرها وأن نتعامل مع الدولة بمنطق المظلة الحامية التي لن تريد لنا سوي الخير والتنمية والتقدم وعلي الأرض مليون شاهد ودليل.
فالمصريون الذين علموا العالم منذ فجر التاريخ أن الصبر نجاة, والعمل سلاح, والأمل فريضة, والعلم عزيمة, ليسوا أقل من غيرهم من الدول التي أنهكتها الحروب, ودمرتها نيران الكراهية حتي أصبحت ركاما, لكنها لم تستسلم ولم تركن إلي الإحباط بل نهضت من كبوتها وتحمل مواطنوها ظروفا قهرية( اللهم احفظ مصرنا منها).
من ينسي صورة الشعب الألماني المشرد في طوابير طويلة للحصول علي كسرة خبز يسد بها رمقه في وقت عم الدمار أرجاء البلاد وهي خارجة لتوها من الحرب العالمية الثانية, وكان للضرائب التي تم فرضها علي الشعب والنهضة الصناعية وزيادة الإنتاج وحزمة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة إلي جانب الدعم الخارجي, دور كبير في ولادة ألمانيا التي نراها اليوم ونطلق علي شعبها الماكينات.
وبالمثل كانت اليابان, لم تدفن رأسها في الرمال بل نهضت هي الأخري بعد أن أغلقت الباب علي انكساراتها وهمومها وعملت بجد واجتهاد حتي خرجت من رحم الأزمة.. والمواطن هو كلمة السر في التجربتين الألمانية واليابانية.. إذ إنه لا توجد حكومة أو دولة مهما بلغت قوتها يكمن أن تتقدم أو تعبر الصعاب والتحديات من دون شعب واع وطني مخلص لا يؤمن بمبدأ الضعفاء والمحبطين القائم علي احييني النهاردة وموتني بكره!!.. فمن يكفل حياة كريمة لأبنائنا في الغد إذن؟!.. أليست تلك أنانية؟.. ألم يجاهد أسلافنا في الماضي وتحملوا الصعاب من أجل أن ننعم نحن بمستقبل لم يكونوا فيه؟!
دعونا نعمل في صبر.. دعونا نغير هذه الثقافة التي أعادتنا إلي الوراء وتشدنا إلي غياهب المجهول.. دعونا نقطع الطريق علي أولئك الذين يصطادون في الماء العكر ويريدون أن يحرقوا هذا الوطن.
لا أحد ينكر أننا نعاني.. صغيرنا وكبيرنا.. فقيرنا وغنينا.. كلنا في دائرة واحدة لأننا نعيش تحت سقف وطن واحد.. لكن الفارق كبير بين من يدرك طبيعة التحديات وبين من ينكر جهود الدولة في توفير مظلة حماية للفقراء ومحدودي الدخل في ظل الظروف والإجراءات الصعبة التي فرضتها ضرورة الإصلاح الذي لا نملك رفاهية تأجيله, واستطاعت الدولة أن توسع مظلة الحماية الاجتماعية بأفكار وبرامج جديدة ومتنوعة تعكس جوهر وتفرد التجربة المصرية في تنفيذ سياسات الإصلاح.
إذن فما ينقصنا ليس كثيرا.. الأمر بسيط جدا.. وسأعود إلي حيث بدأت: تغيير الثقافة القديمة البالية وانتهاج ثقافة جديدة تقوم علي الشراكة بين المواطن والحكومة والمجتمع المدني.. شراكة تقوم علي الإدراك والحس الوطني وأننا لابد أن نتحمل لنبقي.. ونصبر لنجني.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
الأكثر قراءة
Facebook تابعنا على