الأحد 13 من شعبان 1439 هــ  29 أبريل 2018 | السنة 28 العدد 9863    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:
ماجد منير
الشارع السياسي‏..‏ وضرورة ملء الفراغ
ماجـــد مـنــير
29 أبريل 2018
في الثامن من نوفمبر الماضي‏,‏ أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي دعوة للأحزاب السياسية من أجل دمجها في كيانات حزبية كبيرة تساهم في إثراء الحياة السياسية وتدفع بالتجربة الديمقراطية نحو الأمام‏,‏ ووقتها تباري الجميع إلي مباركة المبادرة التي انطلقت من رحم منتدي شباب العالم في شرم الشيخ‏,‏ تلك الفعالية التي خطفت أنظار العالم كله لتفردها وخصوصيتها‏,‏ وما شهدته من حوار غير مسبوق بين شباب العالم علي أرض أم الدنيا‏.‏

أطلق الرئيس مبادرته منذ ستة أشهر ولم نر علي الأرض ترجمة حقيقية لها, في بلد يضم في شارعه السياسي أكثر من مائة حزب104 أحزاب, لا يمثل منها تحت قبة مجلس النواب سوي5% أو أقل من هذا العدد الكبير19 حزبا فقط.

السؤال الآن: هل نمتلك رفاهية الوقت لنتعامل مع تلك المبادرة المهمة بهذه البيروقراطية, في وقت لا يحتمل إلا العمل الدءوب في جميع المجالات, وفي القلب منها بالطبع الحياة السياسية التي تعاني كل هذا الفراغ؟!

الحقيقة أنه لا الوقت يسمح بهذه الرفاهية, ولا قطار التنمية ينتظر أحدا علي رصيف التنظير والأحلام التي تبقي حبيسة الصدور, فنحن علي أعتاب مستقبل واعد, ونعيش في منطقة تمر بمتغيرات علي جميع الأصعدة, ربما لم يسجل التاريخ مثلها.

لا بد أن تدرك الأحزاب التي غابت عن عقل وذاكرة المواطن, وكذلك عن الشارع, أن التاريخ لا يحفظ أسماء الكيانات الكارتونية والتي أشك أن المواطنين يحصون منها أكثر من عشرة أسماء علي أقصي تقدير, وكذلك الأحزاب التي لا وجود لها في حياتنا الحزبية, غير شقة في إحدي العمارات تحمل لافتة عريضة باسم الحزب!!

ما هذا العبث.. هل هذه هي الحياة السياسية التي تليق بدولة كبيرة بحجم مصر يتجاوز عمرها آلاف السنين؟!

لقد أثبتت السنوات الأربع الماضية من عمر هذا الوطن, أن الدولة لن تستمر طويلا في العمل بمفردها من دون أن يتأثر المواطن, رأينا كيف تم إنجاز مشروعات ضخمة, ووضع بنية تحتية للمستقبل الذي نتمناه جميعا, ورغم أن المواطن علي يقين بما تحقق له ولأبنائه ولأحفاده في المستقبل, فإنه لم يسلم من آثار برنامج الإصلاح, ورغم ذلك فإنه صبر وتحمل لإيمانه بدولته الناهضة ورئيسه, وأن ما أنجزه في سنوات قليلة كان يتطلب نحو نصف قرن لإنجازه علي المدي البعيد, وذلك هو جوهر التجربة المصرية في الإصلاح, ومعدن الشخصية المصرية في التحمل والصبر.. ولكن أين الأحزاب.. أين رجالها وكوادرها وبرامجها؟!

في تقديري, يجب أن تتحلل الأحزاب المصرية من المفهوم الحزبي الضيق في ظل غياب ملحوظ ومحزن لها عن الشارع وعن مد يد العون للمواطن والوطن علي حد سواء, لتخرج من هذه الدائرة المظلمة إلي فضاء أوسع من الشراكة التنموية, والمشاركة المجتمعية, والعمل علي أرض صلبة ومرئية للمواطن, يستطيع من خلالها أن يلمس أن هناك برامج وسياسات فاعلة لهذه الأحزاب, لا مجرد مبان وواجهات وشخصيات تدلي بآرائها في الأحداث, دون أن تطرح حلولا لمشكلات أو تساهم في تقديم رؤي واضحة, وإستراتيجيات تعاون الدولة في استكمال مسيرة البناء والتنمية.

لقد عانت التجربة الحزبية المصرية خلال السنوات الماضية من حالة تراجع وغياب واضحين, دفعت مصر ثمنها غيابا للكوادر الحزبية والقيادات الواعدة, واشتكي الشارع السياسي من تكلس حزبي أفقد المواطن الثقة في الأحزاب, وهو أمر جد خطير دفعنا جميعا ثمنه وكاد يعصف بنا لولا الجهود الوطنية المخلصة التي قام بها مصريون كثيرون ــ خارج مظلة الأحزاب ــ للحفاظ علي شعرة معاوية بين المواطن والديمقراطية.

لقد آن الأوان أن تقف الأحزاب السياسية وقفة صادقة مع نفسها, وأن تعيد ترتيب حساباتها مع المواطن الذي اغترب كثيرا عنها وفقدها في مواقف كثيرة كان في أمس الحاجة إليها لتسانده بالوعي والمشاركة والأطروحات والرؤي, لكنه لم يجدها.

ولذلك فإن دعوة الرئيس السيسي لا تحتمل التأجيل, فالقائد الذي تحمل ما نعرفه جميعا في سبيل العبور بهذا الوطن إلي مستقبل يحفظ لمصر قوتها ولشعبها كرامته, يدرك جيدا أن الدولة القوية التي يقاتل من أجل بنائها, تحتاج إلي شعب واع, وأحزاب قوية, وحياة سياسية ثرية, تسهم بالتبعية في إثراء الديمقراطية, وخلق نموذج مصري يتفوق علي النماذج العالمية, ويكون محل احترام الجميع قدر احترامهم لمصر الكبيرة.

إن الحديث عن اندماج أحزاب صغيرة, أو توحيد رؤي وأيديولوجيات أحزاب متماثلة لا يعني بالضرورة أن نكتب لها إطارا لهذا الاندماج أو أن نفرض الوصاية عليها لتندمج بأوامر ـــ كما يردد الخبثاء ــ, ولكن ما يعنينا هو الناتج النهائي وأن نري في مصر ــ كما دعا وتمني الرئيس ــ أربعة أو خمسة أو ستة أحزاب عملاقة تتنافس فيما بينها علي طرح برامجها ورؤاها التنموية, وأن تكون هناك شراكة مع المجتمع المدني بأسره, من جمعيات واتحادات ونقابات, من أجل هدف واحد هو مصر وشعبها, وبذلك ستؤدي هذه التجربة ــ إذا ما قدر لها أن تتحرر من دائرة المصالح الحزبية الضيقة والأهواء الشخصية ــ إلي زخم كبير نستطيع جميعا أن نري أثره ونجني ثماره في الشارع السياسي الذي تصحر لسنوات طويلة وآن الأوان لنعيده إلي المواطن ونعيد الأحزاب إليه.

وفي النهاية, يبقي أمر اندماج الأحزاب وتكوين كيانات حزبية قوية, مرهونا برغبة هذه الأحزاب في الاندماج وكذلك نيتها في أن تكون علي قدر المسئولية الوطنية التي يفرضها الظرف الراهن, ولذلك فإن من يستجيب لهذه الدعوة فقد اختار أن يكون فاعلا ومؤثرا ومقاتلا ومشاركا في معركة الوطن من أجل التنمية, ومن أراد أن يبقي حبيس فكره الضيق وكيانه الكارتوني فليبق في الظل حيث أراد, ولكن ليس عليه بعد الآن أن ينصب نفسه متحدثا باسم المواطنين ومنظرا ومراقبا تحت غطاء لافتة حزبه التي لا يعرفها سوي من يمر أمامها صدفة!.

... وللحديث بقية.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
الأكثر قراءة
Facebook تابعنا على