السبت 27 من رمضان 1437 هــ  2 يوليو 2016 | السنة 26 العدد 9197    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: أحمد السيد النجار
رئيس التحرير:
عـلاء ثابت
هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف
الدكتور مصطفي جودة :“جعلونى قارئا”
2 يوليو 2016
الساكن في الريف معدوم اللذات‏;‏ لأنه دائما في إنقباض وطر وجري وكر وفر وحبس وضرب ولعن وسب وهوان وشجار وشيل تراب وحفر آبار‏,‏ وخروج للعونة علي جهة السخرة‏,‏ وتعب شديد بلا أجرة‏,‏ وإذا كان ذو فضل ضاع فضله‏,‏ أو ذو عقل ذهب عقله‏,‏ أو ذو مال أغروا عليه الحكام‏,‏ أو تجارة نهبوه في الظلام‏,‏ فالحق عندهم مضاع والباطل عندهم مذاع وحكم الله ليس له اندفاع

هذه سطور من كتاب هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف لمؤلفه الشيخ يوسف محمد خضر الشربيني الذي كتبه في القرن السابع عشر الميلادي كما تؤكد كل المصادر.الطبعة الأولي للكتاب صادرة عن مطبعة بولاق سنة1274 وسنة1282 وكلاهما تقع في259 صفحة. الكتاب أعيد نشره سنة1963, دار النهضة العربية, إعداد محمد البقلي تحت عنوان: قريتنا المصرية قبل الثورة: هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف. في هذه الطبعة تم حذف ما رآه محمد البقلي غير لائق من الألفاظ الماجنة التي يحويها الكتاب في طبعاته السابقة.

الكتاب تسجيل لعصر الإنحطاط الذي مرت به مصر تحت نير الإحتلال العثماني حيث قل ظهور العلماء والمفكرين والأدباء, وإنحطت اللغة العربية نتيجة استخدام اللغة التركية كونها الغالبة علي أمرها وكونها اللغة الرسمية للبلاد. الكتاب يصف حال الفلاحين في تلك الفترة التي كانت ترزح فيها مصر تحت وطأة الإحتلال العثماني لها, تلك الحال التي أثقلت كاهلهم وجعلت حياتهم جحيما مقيما. الكتاب وكأنه فيلم تسجيلي من القرن السابع عشر عن وصف حياة الفلاح المصريفي ذلك الزمن شاملا أكله وملبسه وعمله في حقله وعلاقته بالحكومة من خلال تحصيل الضرائب وغير ذلك. وربما يكون القصد من كتابته نقد ظلم المماليك إبان تبعية مصر للدولة العثمانية, وأن المؤلف كان يكتب شيئا ويقصد شيئا آخريهدف من ورائه الي مقاومة المحتل.الكتاب مهم كونه تبيانا لحالة التخلف التي كانت تجثم علي مصركلها وخصوصا الريف المصري.
ونتيجة ذلك لم يستثني الفلاحون من تلك المصيبة, فإضمحت حياتهم أكثر وأصابهم إهمال الدولة أكثر مما أثر علي حياتهم التي تصورها القصيدة بسخرية لاذعة وبحرية بالغة خادشة للحياء بوصفنا الحالي, ولو أن الكتاب قدم للنشر في زمننا الحالي لتمت مصادرته ومنعه. الكتاب مكتوب بالعامية, وبالتالي فهو يحوي بعض الكلمات المندثرة, ويرصد جوانب الحياه البسيطة في القرية المصرية في ذلك الوقت ويسجله وثيقة هامة مسجلة للحياه الإجتماعية ووصف لعادات لتلك الفئات المطحونة.
لم يكتف المؤلف بوصف حال الفلاحين في قصيدته, ولكنه شرحها, وكتب في مقدمة ذلك: إن مما مر علي من نظم شعر الأرياف, الموصوف بكثافة اللفظ بلا خلاف, قصيد أبي شادوف, فوجدته قصيدا ياله من قصيد, كأنه عمل من حديد, أو رص من قحوف الجريد, فالتمس مني من لا تسعني مخالفته, ولا يمكنني إلا طاعته, أن أضع عليه شرحا يحل ألفاظه السخيمة, ويبين معانيه الذميمة, وأن أتحفه بشرح لغات الأرياف, وذكر فقهائهم الجهال وفقرائهم الأجلاف. فياله من شرح لو وضع علي الجبل لتدكدك, ولو نقش علي عمود الصواري لتحرك. وهو شرح عديم النظير في الكثافة, لكونه في معني أوصاف الريافة, وليس له شبيه في الثقالة, لكونه في وصف ذوي الرذالة.
وأعلم أن كل شرح لا بد له من إسم يناسبه, وعلم عليه يقاربه, وقد سميت هذا الشرح هز القحوف بشرح قصيد أبي شادوف, وأطلب من القريحة الفاسدة والفكرة الكاسدة, الإعانة علي كلام أعرفه من بنات الأفكار يحاكي كلام إبن سودون, فقد يلتذ السامع بكلام فيه الضحك والخلاعة, ولا يميل الي قول فيه البلاغة والبراعة, لأن النفوس الآن متشوقة الي شيء يسليها من الهموم, ويزيل عنها وارد الغموم.
هذه هي المقولة الأساسية في الكتاب. إنه كتاب عن حياة ثقيلة وخالية من مباهج الحياة, وأنها تعج بالهموم والغموم. القاريء يدرك أن منبع ذلك قسوة العثمانين والمماليك علي الفلاحين وسلبهم من خلال تلك القسوة كل مباهج الحياه ومعانيها. إنه أسلوب ساخر يقاوم ذلك الكابوس الجاثم بالفكاهة الساخرة من النفس.
لم يكن بمقدوره مهاجمة العثمانيين والمماليك, وإلا كان حتفه مضمونا.إنه بطريقته الساخرة ووصفه الدقيق, يلقح كلام, كما نقول نحن المصريين علي المحتل, وأننا نواجه بالنكته اللاذعة كنوع من المقاومة, وأن هذه النكته هي تسجيل تاريخي دقيق وحقيقي لتاريخ ما حدث. إنه يسخر من الشعب, ولكنه يهاجم الوالي وقسوته من خلال ذلك. إنه قول متشابه: يقول شيئا ويقصد شيئا آخر.إنه يفعل ذلك من خلال معاناة الفلاحين مع الذين يقومون بجمع الضرائب, والذين يمثلون الدولة وسلطانها بطريقة قاسية وغير إنسانية, وهم: الصراف الذي يقبض الأموال, والملتزم, والكاشف الذي كانت تنحصر مهمته في الإشراف علي جسور النيل وصيانتها والإشراف علي جمع الضرائب والأموال في كشوفياتهم وإرسالها الي الخزينة العامة بالقاهرة. وكذلك الإشراف علي الأمن وحماية القري من البدو.
الكتاب وكأنه موسوعة عن الريف في القرن السابع عشر مكون من جزأين: الجزء الأول الذي أسماه المؤلف في القحوف يتضمن مقدمة طويلة تصف أحوال أهل الريف وعلمهم الذي يشبه ماء النخال, وفقراءهم الأجلاف, وأحوال الأوباش منهم, والأطراف وأخلاقهم الرذيلة وذوائبهم الهبيلة وحياتهم وطباعهم وأخلاقهم وأسمائهم وملابسهم وأشعارهم ونسائهم المزعجات وما لهم من الدواهي والبليات وفقهائهم والتريقة علي أهل الريفوتصويرهم علي أنهم جهلة وأجلاف وبؤساء نتيجة معاشرتهم للبهائم وحمل الطين والسماد وملازمة المحراث والجرافة والدوران حول الزرع والجرن, والجهل بكل شيء عدا ما يخص الزراعة وما يتصل بها من الساقية والليف والحزام والنبوت, مما أورث الفلاح غلظة في الذوق والطبع. فأفراحه وأعراسه ليست إلا صراخا وصياحا, ووروده عند الأسحار ليس إلا التفكير في الغنم والأبقار.
وقد أطال في كل باب من هذه الأبواب وذكر الشواهد والقصص والأمثال بإسهاب. كان وكأنه مصور بارع للحياه الإجتماعية في القرية المصرية, فهو يصور لنا بدقة الفيلم التسجيلي الحديث وكاميرته, الفلاحين علي أنهم سذج, وكيف يستغلون إذا ما دخلوا القاهرة, وكيف ينظرون الي مبانيها وحياتها ومرافقها نظرة البلهاء, وكيف يفسرون ذلك تفسيرا مضحكا. ثم يقارن بين حياة المدن وحياة الريف, وعلم المدن وعلم الريف, وذوق المدن وذوق الريف في المأكل والمشرب والملبس. من ذلك أن شخصا منهم رأي في القاهرة سمك البساريا فظنه الكنافة التي يتحدث الناس عنها.
يعرض الشربيني في هذا الجزء طرفا من من خطبهم التي يلقيها أحد المشايخ يوم الجمعة, مصورا بذلك قمة الإنحطاط: إعلموا يا أهل بلدنا أن عندكم قمح كثير, وتبن وشعير, وانتم في خير من رب العالمين, فأنتم تفيقوا لزرع الوسية, وإلا صبحكم الكاشف بداهية وبلية, وغدا تسرحوا للعونة والسخر, وفيقوا للغنم والأبقار, وأفحتوا أبياركم, وفيقوا لدوركم وجداركم, وأكرموا الخطار, بالعدس والبيسار, تنجو من عذاب النار.
ولعل أطرف ما كتبه الشربيني مصورا جهل علماء الريف: أن عالما دخل إحدي القري, فتوجه الي المسجد ليصلي صلاة الجمعة, وهناك رأي أهل القرية جميعا داخلين المسجد, وكل واحد منهم معه قفة من خوص وفيها مغرفة وخشبة وسكين من حديد وفأر ميت معلق في عنقه, فتعجب من فعلهم ومكث ينظر وإذا خطيبهم جاء في نفس صورتهم, فتقدم منه وسأله عن هذه الحال, فقال له: أنا الذي أمرت بها. فقال له: هذا أمر باطل والصلاة باطلة, وما الذي دفعك لهذا؟, قال: حديث قرأته في كتاب عندي يسمي كتاب التيه, ولفظه حدثني بختي بن تحتي عن شعبان النوري أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: لا تصح جمعة أحدكم إلا بقفة وخشبة وسكينة وفار.
عندها طلب العالم الكتاب وإذا هو كتاب التنبيه الذي قرأه الجاهل كتاب التيه, وإذا الحديث أن النبي صلي الله عليه وسلم قال لا تصح جمعة أحدكم إلا بعفة فصحفها بقفة, وسكينة صحفها بسكينة, وخشية صحفها بخشبة, ومعرفة صحفها بمغرفة, ووقار صحفها بفار. وأما سند الحديث فهو حدثني يحيي بن يحيي عن سفيان الثوري, وقد صحفه علي النحو السابق مما يدل جهله وسوء فهمه.
ودليلا علي خفة ظله, وكراهيته للثقلاء, كتب في هذا الجزء:.. مما إتفق أن ثقيل مصر قصد زيارة ثقيل الشام والمسامرة معه واللعب والإنبساط, فتوجه إليه حتي بلغ دمشق وإجتمع بثقيل الشام وسلم عليه فأخذه الي منزله ووضع بين يديه المأكل والمشرب. ثم إنه سأله عن سبب مجيئه فسكت ولم يتكلم لمدة ثلاثة أيام حتي أكل جميع ما كان عند ثقيل الشام. وبعد إنتهاء الثلاثة أيام قال له: يا أخي أخبرك عما حصل لي في الطريق وهو أني سافرت مع القافلة, فعدمنا الماء في بعض المراحل فتوجهت نحو جبل بالقرب منا فرأيت في جانبه بئرا مهجورة وفيها ماء كثير فخلعت ثيابي ونزلت فيها ولم أزل نازل نازل, وصاريكررهذه الكلمة علي ثقيل الشام وهو نازل في الأكل والشرب مدة ثلاثين يوما.
فقال له ثقيل الشام: ياهذا ما بقي عندي شيء تأكله, وآخر نزولك يا أخي ما فعلت في البئر؟. فقال له: فلما إنتهيت الي قاع البئروجدت فيه حجر طاحون فوضعته علي كتفي ولم أزل طالع طالع, وصار يكررها. فقال له ثقيل الشام: أمسك ما معك, أنت مكثت مدة ثلاثين يوما وأنت نازل في البير من غيرشيء فكيف طلوعك وأنت حامل حجر طاحونة؟, أشهد أنك قيم الثقلاء في مصر والشام وأنا من تحت يدك. إنصرف عني. فأخذ خاطره وانصرف بعد أن كتب له محضرا بذلك أنه قيم مصر والشام في الثقالة والرذالة وعدم الذوق. ويختتم ذلك الجزء بمئة وثلاث وتسعين بيتا من الشعر كلها هجوا لأهل الريف:
ولن يطيعوا الشرع إلا غصبا أو يوجعوا لأجل ذاك ضربا
وهم عبيد قابض الأموال فعندهم كالعم أو كالخال
وليس فيهم رحمة لعال لكن لأهل الشر والمظالم
فالشر والعدوان فيهم شائعوالخير والإحسان منهم ضائع
وفي الجزء الثاني يشرح لنا الشربيني القصيدة نفسها والتي نسبها الي أبي شادوف, كنموذج لفلاح ذلك العهد الذي اثقلته مظالم الحكم العثماني.
يحدثنا في مقدمة الجزء الثاني عن نسب وعائلة أبي شادوف وأسرته وخاصة أباه الذي كان يملك حمارا أعرج وعنزتين وحصة في ثور الساقية ونصف بقرة وعشر فرخات وديكا وأربع كيلات نخال من شعير. ينقلنا بعدها الي القصيدة فيشرح لنا أبياتها شرحا مفصلا.
يقول الدكتور شوقي ضيف في تعليقه علي الكتاب في العدد السادس عشر من مجلة الكاتب المصري يناير1947:.. أطرف ما جاء في هذا الجزء الثاني من كتابه خطبتين صاغهما علي نسق خطبتي الجمعة, وقد بناهما علي ذكر المأكولات والدعوة لأصنافهاوألوانها الممتازة, وهو يستهل أولاهما علي هذا النمط:
الحمد لله مستحق الحمد علي التحقيق, الذي وفق بين الفرج والضيق, وأمر بالحج الي بيته العتيق, وجعل السمن البقري للعسل النحل رفيق. أحمده حمد من عنده من الجوع دسيسة, وأغاثه الله بقصعة من البسيسة, بالفطير الرقيق, فملأ منها بطنه, وأحسن بالله ظنه ونام علي راحة من الله وتوفيق. وأشكره شكر عبد تقلع عن الحوامض والمش العتيق, وأشهد أن سيدنا محمدا صلي الله عليه وسلم عبده ورسوله الناطق بالصدق والموصوف بالحق والتحقيق, اللهم صل وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي آله وأصحابه أهل الكشف والتحقيق وسلم تسليما كثيرا.
أيها الناس مالي أراكم عن الزردة بالعسل النحل غافلون, وعن الأرز المفلفل باللحم الضاني تاركون, وعن البقلاوة في الصواني معرضون, وعن الأوز السمين والدجاج المحمر لاهون, فما هذا يا إخواني إلا حال المفلسون, وأفعال الفقراء المقلون. فجدوا رحمكم الله في تحصيل الدراهم لتغتنموا المآكل النفيسة والمطاعم اللذيذة.. وإغتنموا رحمكم الله تعالي هذه الموعظة, ودعوا أكل المغلظة, كالعدس والبيسار, والمدمس والفول الحار... وعليكم بالأطعمة الفاخرة كالحم الضاني, فإنه سيد طعام الدنيا والآخرة, وعليكم بالشراب البارد, ففيه حديث وارد....
ثم ينتقل الي الخطبة الثانية فيقول: الحمد لله مزيل الأحزان, ومزين الأرز باللبن, وأشهد أن اللحم الضاني سيد الأطعمة ومصلح للبدن. وإعلموا أن القشطة لا تترك, وأن المهلبية أحسن وأبرك, فتهيأوا لأكلكم وشربكم, وإعلموا أنكم غدا بين يدي الله موقوفون, وبأعمالكم محاسبون, وعلي رب العزة تعرضون, وسيعلم الذين جاعوا أي منقلب ينقلبون. اللهم وأرض عن الأربعة الأعيان: التين والزيتون والخوخ والرمان, وأرض اللهم عن الستة الباقية من العشرة والأطعمة المفتخرة: الماوردية والمهلبية, والشعرية بالزغاليل المربية والأرز المفلفل باللحم الضاني المحشي المحمر, والكنافة المتبلة بالسمن والعسل النحل واللوز والسكر, والقطايف الغارقة في السمن والعسل, والقرع المحشي باللحم والبصل, والبقلاوة الموصوفة, وخرفان القممة المعلوفة, واليخني السمين, والقرمزية متعنا الله وإياكم بهم أجمعين...اللهم وأهلك الثلاثة الفجار: العدس والبسلة والبيسار. عباد الله من أراد خلع القبول أن تفاض عليه, فليأكل الموز بالسكر بين والديه, وتفكهوا قبل الطعام, وإقتدوا بسنة خير الأنام, ولا تتضاربوا ولا تتخابطوا وكونوا عباد الله إخوانا.
يقول أحمد أمين في العدد30 من مجلة الثقافة الصادر في الرابع والعشرين من يونيو1941: قصيد أبي شادوف هذه قصيدة عامية, لست أدري من نظمها, ولعله هو ناظمها, وموضوعها فقر الفلاح وتعاسته, فجاء الشربيني هذا وشرحها في جزء كبير هزليا وجديا استطراديا, فلا تأتي كلمة حتي يتلاعب بها, ويهزئ نحوها وصرفها واشتقاقها, وفي أثناء ذلك يذكر معلومات تاريخية طريفة.
يقول طاهر أبو فاشا في كتابه الشارح لهز القحوف والذي أصدرته الهيئة العامة للكتاب عام1987: إن هذا الكتاب يعتبر, علي علاته, وثيقة شعبية هامة في تسجيل الحياه المصرية في ظلمات العهد العثماني, ولذلك يجدر بنا أن نلقي نظرة علي الظروف التي كان هذا الكتاب إفرازا لها.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
الأكثر قراءة
Facebook تابعنا على