الأثنين 28 من محرم 1440 هــ  8 أكتوبر 2018 | السنة 28 العدد 10025    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:
ماجد منير
د‏.‏ أحمد زايد أستاذ الاجتماع السياسي لـ الأهرام المسائي‏:‏
نحن في حاجة إلي البحـث عن الإبداع الحقيقي في المجتمع
حوار‏:‏ علي النويشي تصوير‏:‏ حسن شوقي
8 أكتوبر 2018
قال الدكتور أحمد زايد أستاذ علم الاجتماع السياسي وعميد كلية الآداب بجامعة القاهرة الأسبق‏:‏ إن مجتمعنا في حاجة للثقة بنفسه للخروج من حالة التخلف والضياع التي طبعها بها الفكران السلفي والإخواني‏,

وإن المجتمعات تتطور بخلق القيمة المضافة وخلق الثروة وخلق روح التنافسية بين أفرادها, وهناك العديد من الظواهر المجتمعية التي تنذر بخطر وخيم علي المجتمع, مثل ظاهرة التباعد الاجتماعي التي تعتبر من أخطر الظواهر علي فكرة الدولة نتيجة تراجع الطبقة الوسطي وانقسامها, مما أدي لتفكك القيم. وطالب د. زايد بضرورة تجديد الخطاب الديني بعيدا عن سطوة الفكر الماضوي, وألا ننساق للفقاعات التي يحولها الإعلام لظواهر مثل فقاعة التحرش والتنمر, وأن الفساد هو الظاهرة الجديرة بالمواجهة.

وأضاف زايد في حواره لـــ الأهرام المسائي أنا ضد أن نلصق بالمجتمع كل هذه السمات السلبية دون الإيجابية, وهناك خطأ كبير ترتكبه النخبة, خطأ يمكن وصفه ببراءة الذمة من قبل النخبة المثقفة التي لا تفتأ تنعت المجتمع بالفساد وانهيار الأخلاق, والمجتمعات تتغير وتظهر فيها الفردية والأنانية, وعلينا أن نفهم مجتمعنا في ضوء قانون التغير الذي يلم بالمجتمعات.
وقال زايد إن التراخي في تنفيذ القانون قد يؤدي لخلق أشكال جديدة من العنف المجتمعي, وبالرغم من الادعاء بأن المجتمع أصبح أكثر عنفا فإنه أقل المجتمعات عنفا وأكثرها سماحة.

وقال أخشي علي المجتمع من تفشي ظاهرة الكومباوند في السكن لأنها تضخم من حالة التباعد المجتمعي, ودعا بضرورة الحد من تلك الظاهرة بنشر فكرة العدالة عمليا بالتركيز علي بناء مساكن للفئات الفقيرة.

< بدأنا حديثنا بسؤال, ما الذي حدث للمصريين ؟
<< لكي نجيب هذا السؤال لابد أن نشير أولا إلي أن المجتمع مر بظروف صعبة, قرونا طويلة وهو يرسف تحت نير الاستعمار, ثم وقع تحت أسر النخب التي ورثت الاستعمار, حيث تناوبت عليه نخب مختلفة أحدثت الواحدة بعد الأخري تغيرات وشروخا كبيرة في بنية المجتمع, وبعد مرحلة الانفتاح الاقتصادي كان التأثير مدمرا, في تلك المرحلة ترك فيها المجتمع وشأنه, فأهمل التعليم إهمالا كبيرا, وأهملت الصحة إهمالا كبيرا, وترك البشر لشأنهم يخرجون ويسافرون كما يشأوون, وبدأت المؤثرات تزداد علي المجتمع, وبدلا من أن يكون هناك مؤثر واحد, كانت هناك مؤثرات عديدة, وزادت الكتل البشرية وتضاعف أعداد السكان, وبقيت دون الاهتمام فلا صحة ولا تعليم, وتركت شبكة العلاقات الاجتماعية, بدون رقيب وترك الباب مفتوحا للمغامرين, لمن أراد أن يثري ولو علي حساب الآخرين, فحدثت تغيرات كبيرة تركت أثارها علي عملية التغير والتحول الاجتماعي..
وترك المجتمع بهذا الشكل أدي إلي نوع من الفراغ الذي تم ملؤه بالفكر السلفي والإخواني.
والدولة بقيت لفترة طويلة رافعة يدها عن الحياة الاجتماعية والسياسية بل والحياة الاقتصادية, مما أدي إلي أنه بدلا من أن ينطلق المجتمع, تحول لمجتمع ممنوع من الانطلاق, وأدي هذا لخلق مشكلات أخري منها مشكلة رفض الآخر والتحذير منه, فضلا عن أنه لا يوجد رأس مال اجتماعي تكون غايته عمل تشبيك اجتماعي وقدرة علي التطور وخدمة الناس, وهي خدمات غير متجذرة في المجتمع, ما نتج عن ذلك بزوغ ظواهر أخري مثل العنف, ولكن بالرغم من كل هذا يبقي العنف في مصر أقل منه في الدول الأخري, فالعنف في أمريكا وجنوب إفريقيا أعلي بكثير مما هو عليه في مصر.

< ارتفعت حدة العنف اللفظي.. وجري في المجتمع تغير كبير في القيم.. انتشرت ألفاظ العيب في المجتمع.. ألا تري سببا لكل ذلك ؟
<< هذا تغير طبيعي في مجتمع ترك وحده طوال هذا الوقت, وهنا حدث أمران: الأول أننا لا نستطيع تقبل هذا التغير, وكأننا ننكر علي الآخر أن يعبر عن نفسه, وكأننا نرفض أن يكون للفرد نفسه القدرة علي الكلام..
الثاني: لأن التغير غير طبيعي وغير متسق فيكون فيه قدر من الانحراف, وخلل في الفهم, مثال ذلك: أنه من الطبيعي أن تتغير المجتمعات نحو الفردية ويكون للشخص الحرية في التعبير عن أفكاره, ولأن المجتمعات لم تتغير بالطريقة السليمة, فيتم فهم الحرية بشكل خاطئ, كأن أشتم أو أسب, وهذا مختلف عن فكرة تدهور القيم, فثمة أسباب هنا هي التي أدت إلي ظهور هذه اللغة المنحرفة التي نسمعها من أبنائنا في الشارع, لأن هؤلاء يعتقدون أنهم أحرار في الطريقة التي يخاطبون بها المجتمع, ولأن الحرية تمت بغير الطريقة السليمة فتقع كل التشوهات المرتبطة باللغة وبالأخلاق معا.

< كثيرا ما نسمع عن ظواهر تشغل المجتمع لفترات ليست بالقصيرة, مثل ظاهرة التحرش, أو أن يلقي شخص ما بنفسه تحت المترو, أو أن يقتل أب ابنه.. هل مجتمعنا فقد كل رشده الأخلاقي والتربوي والديني لكي يردع مثل تلك الظواهر التي أراها دخيلة علي قيمنا وأخلاقنا؟
<< أنا ضد المبالغة في تضخيم البعض لتلك الاحداث, فمن الطبيعي في مجتمع يتعدي تعداده المائة مليون أن ينتحر عدة أشخاص تحت عجلات المترو, أو أن يقتل أب ابنه, ولكن علينا أن نفرق بين الظواهر والفقاقيع..
الظواهر تتكرر بثبات, والفقاقيع تظهر بين حين وآخر بشكل طارئ, مثل فقاعة عبدة الشيطان أو فقاعة الإلحاد, وأقول إن لم تحدث مثل تلك الفقاقيع, فهو مجتمع غير طبيعي, ووجود هذه الفقاقيع يستدعي العلاج, ويضع أيدينا علي نقاط الضعف فينا, وهذه فقاقيع وليست ظواهر..

< ما رأيك في انتشار شكل آخر من أشكال العنف وهو أن يقوم الشخص نفسه مدعوما ببعض البلطجية بالقيام بعمليات عنف لإعادة الحق المسلوب, أليست تلك ظاهرة من الظواهر الدخيلة علي مجتمعنا ؟
<< من التغيرات المستحدثة في مجتمعنا وأشرنا إليها كثيرا, وهي نتيجة طبيعية لتراخي تنفيذ القانون, فبقي الإحساس بالمسئولية ضعيفا جدا, مما أدي لتفشي الكثير من الأمراض الاجتماعية, وأصبح التعدي علي حرمة الآخرين وحقوقهم أمرا يسيرا.

< تكلمت عن فكرة الاندماج بين المواطنين وإحساس المواطن بالمواطنة, بدلا من أن تبقي كل جماعة تعمل لحساب نفسها بعيدا عن مصلحة الوطن الأكبر ككل ؟
<< التغير الذي وقع في المجتمع خلال الخمسين عاما الماضية, جعل المجتمع ممزقا متفرقا, وكل جماعة متشرذمة حول ذاتها, وتعتبر أن إنجازها هو الأهم ولو كان شيئا لا يذكر, وأن إنجاز الآخرين لا شئ ولو كان هو الأفضل, فيتحول المجتمع إلي عوالم كثيرة, وكل حزب بما لديهم فرحون.

< وأين السبيل للخروج من تلك المشاكل من وجهة نظرك كعالم اجتماع سياسي خبر المجتمع أفرادا وجماعات؟
<< لما نقول أين مشكلات المجتمع المصري ؟ لا أقصد مشكلة التحرش أو التنمر, فتلك كلها فقاقيع وليست ظواهر, أنما مشكلات المجتمع المصري, تنحصر في حاجتنا للإمساك بمفاصل المجتمع المصري, تنحصر في حاجتنا للإمساك بمفاصل المجتمع المصري, وكلها في حاجة لإعادة تركيبها من جديد, من خلال دفع الناس للتحاور مع بعض, وخلق نوع من الاهتمام الحقيقي, فالمجتمعات لا تتطور بالكلام, بل تتطور بالاقتصاد وخلق القيمة المضافة وخلق الثروة, وخلق روح التنافسية بين المجتمع, يأتي بعد ذلك بناء الإنسان بالاهتمام بالتعليم والصحة والتنمية الشاملة والنزول للمجتمع ككل, من خلال ما أطلق عليه الشمول الاجتماعي, ولا يجب أن نشتغل علي المجتمع من فوق بل نشتغل عليه من تحت, والبحث عن الإبداع الحقيقي في المجتمع, الإبداع الموجود في الغيط وفي المصنع وفي الشارع والمدرسة, هناك صور لا حد لها من الإبداع نمر عليها كل يوم مرور الكرام ولا تلفت انتباهنا, وهي أصل الإبداع وأساس التقدم.

< في كتاباتك تركز كثيرا علي ثقافة الاستهلاك وكيف أن كل شخص في المجتمع يخطف من الأخر, وكل يضع يده في جيب التاني, ما الذي أوصلنا لهذه الحالة من وجهة نظرك ؟
<< هناك نظرية في علم الاجتماع اسمها نظرية الخير المحدود, وهي وتخلق لدي البعض إحساسا أو حالة بأن ما يملكه الأخر هو ملكي, ولهذا تنتشر ظواهر الجشع والطمع, ولكن لو كان المواطن متعلما ومثقفا بشكل جيد, سيكون شخصا طبيعيا, فلن يكون جشعا..
وثقافة الاستهلاك ثقافة يحتاج العالم كله, حولت المجتمعات الفقيرة إلي مجتمعات مستهلكة, مثل القرية المصرية, والعولمة حولت البشر إلي مستهلكين, فالسلع تأتي رخيصة بأقل من تصنيعها محليا, ما يدفع الفلاح لأن يبيع المواشي ويعمل بيته من السيراميك, ويفتح بدلا من تربية المواشي دكانا علي جانب البيت, فالاستهلاك ظاهرة عالمية تجتاح الكل بلا استثناء, وهي من الظواهر الخطيرة جدا علي المستويين العالمي والمحلي

< هناك حالة من عدم الثقة تجتاح المجتمع, فلا الموظف يثق في مديره, والعكس كذلك, وحتي علي مستوي الانجاز هناك تشكيك في الطريقة التي تتم بها المشروعات الكبري, ماذا حدث للمجتمع حتي وصل به الحال لهذا الوضع السئ؟
<< نحن في حاجة لأن ننظر لأنفسنا مختلفة, نظرتنا لأنفسنا نظرة سيئة جدا, نحن في حاجة لأن نثق في أنفسنا أكثر, وفي حاجة لأن ننظر لأنفسنا نظرة نحترم فيها أنفسنا بعيدا عن النظرة التي زرعها فينا دعاة الدين والطريقة التي مارسها علينا السلفية والإخوان في الخطاب الديني, وقهرنا بالخطاب الماضوي الذي اجتاح مجتمعنا, ليس هذا هو المجتمع المصري, مجتمعنا مختلف, مجتمع استمر حيا لمدة سبعة ألاف سنة يبني ويهندس ويصنع الخير لعالم, فكيف أصبح بتلك الصورة المخيفة ؟

< ظواهر عديدة تجتاح المجتمع, ليس فقط علي مستوي تأكل الطبقة الوسطي وانقسامها, بل علي مستوي شكل السكن الذي أصبح يميز طبقة عن أخري, فانتشرت مساكن الكومبويند حيث تعيش فئات في عزلة عن غيرها من المجتمع, ما هو تفسيرك لمثل تلك الظواهر, وما هو إثرها علي التماسك الاجتماعي ؟
مثل هذه الأوضاع التي أراها جديدة يزيد من حالات التباعد لدي طبقات المجتمع, الطبقة الوسطي نفسها تنقسم علي نفسها, فئة تذهب للسكن في الكومبويند, وأخري تعجز عن المقاومة فتسقط وتلحق بالطبقة الفقيرة أو المحرومة, وبهذا الانقسام أصبح هناك تباعد فيزيقي, فتضع تلك الفئة نفسها بعيدا عن الطبقات الأخري وكأنها خائفة من الفئات الأخري, وتخلق لنفسها نوعا من التمايز والتميز عن المجتمعات المنحطة كما يصفها البعض, ولست مع الدفع لدعم هذا الاتجاه, لكن الاتجاه السائد حاليا من خلال سوق العقارات يذهب نحو هذه السياسة, إعلانات العقارات ليست إلا للأثرياء, ولا توجد مساكن رخيصة للطبقات الفقيرة, وهذا التمايز البغيض يؤدي إلي التباعد, والتباعد يؤدي إلي جفوة وغضب وعنف قد يقذف بالجميع الي الجحيم, ولا بد من عدالة مجتمعية تؤدي إلي تشابه بين الفقراء والأغنياء, وتكون هناك عدالة اجتماعية تخلق الشعور بالعدل, والعدالة لا تعني المساواة المحضة, بل حالة من التشابه الاجتماعي من خلال توفير الخدمات اللازمة للفقير والغني معا.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
Facebook تابعنا على