الخميس 10 من محرم 1440 هــ  20 سبتمبر 2018 | السنة 28 العدد 10007    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:
ماجد منير
غزة‏..‏ سياسة طحن الهواء
محمد أبوشعر‏-‏ كاتب فلسطيني
20 سبتمبر 2018
ألقت حالة التيه الفلسطينية ظلالها علي منظومة الحياة بكل مقوماتها في قطاع غزة‏,‏ فبينما يواصل فرقاء السياسة الفلسطينيون طحن الهواء لاثنين مليون فلسطيني في القطاع‏,‏ خلال أكثر من‏10‏ سنوات من مباحثات إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية التي لم تتحقق بعد‏,‏ يتواصل انسداد أفق الحياة في هذه البقعة الجغرافية شيئا فشيئا‏,‏ فلا الأوضاع السياسية الداخلية ولا الخارجية مستقرة

 أما الأوضاع الاقتصادية فقد وصلت لمستويات غير مسبوقة من الانحدار, وهو ما يبقي الأبواب مشرعة علي احتمالات نتيجتها قد تكون واحدة, خاصة التصعيد والمواجهة مع إسرائيل, وهو الخيار الذي علا صوت تلويح حركة حماس به خلال الفترة الأخيرة, دون الالتفات لصفرية الإنجاز الذي يمكن أن تحققه حرب جديدة في ظل ظروف سياسية واقتصادية بالغة السوء, وانهيار الحاضنة الشعبية في قطاع غزة.


ولعل دافع حماس في التلويح بالحرب أنها أدركت حديثا أن ليس باستطاعتها إبرام اتفاق سياسي مع إسرائيل يقي غزة من الانهيار علي جميع المستويات, وتتجاوز من خلاله خصمها السياسي الرئيس الفلسطيني محمود عباس, فمباحثات التهدئة غير المباشرة بين حماس وإسرائيل التي بشرت الحركة بها الغزيين وسوقتها علي أنها طريق لكسر الحصار الإسرائيلي أصبحت رمادا, بعد أن نجحت دبلوماسية العناد التي ينتهجها الرئيس عباس في إحباط استمرار هذه الجهود, التي يقول إنها خطوة نحو فصل قطاع غزة عن باقي الأراضي الفلسطينية.

لكن حماس ليست وحدها من لا تريد استمرار بقاء الوضع علي ما هو عليه, فقد تعالت أصوات مسئولين في السلطة الفلسطينية وحركة فتح تؤكد رفض استمرار سيطرة حماس علي قطاع غزة مع التلويح بتشديد الإجراءات ضدها والتي تستهدف تنضيب الموارد التي تستخدمها الحركة لإدامة حكمها للقطاع, منذ طردها للسلطة الفلسطينية عام2007 وسيطرتها بالكامل علي غزة. لكن الأمر المرعب أن الرغبة في تغيير الوضع القائم التي تولدت لدي كل الأطراف الفلسطينية, ليس دافعها تحقيق تقدم سياسي أو عسكري أو إستراتيجي يمكن البناء والمراكمة عليه, بل إن الدافع الحقيقي لها هو الاستغلال السلبي لانهيار منظومة الحياة لمليوني فلسطيني بكل تفاصيلها

وهو الذي تنظر إليه حماس أنه فزاعة تقلق عدم رغبة إسرائيل في شن أي حرب علي قطاع غزة خلال الفترة الحالية لانشغالها بجبهة الشمال مع حزب الله وسوريا والخطر الإيراني, ما يعني فرصة يجب استغلالها من أجل الحصول علي حزمة من المشاريع الإنسانية الدولية تضيفها حماس لسجل ما تري أنه إنجازات حققتها في غزة, إضافة إلي أنها تريد أن تستغل علاقتها الجيدة مع مصر في الفترة الحالية لإنضاج اتفاق يظهرها بمظهر المنتصر علي خصومها والحديث هنا عن السلطة الفلسطينية وإسرائيل.

أما السلطة الفلسطينية فتري في ارتفاع الغضب الشعبي من حماس في قطاع غزة بفعل الأوضاع الاقتصادية الصعبة فرصة مناسبة لتسوية ملف غزة بشكل كامل وممارسة أقسي الضغوط علي حماس, وهو ما عبر عنه الرئيس الفلسطيني خلال اجتماع المجلس المركزي الشهر الماضي, حيث تحدث صراحة بأن علي حماس أن تتحمل مسئولية قطاع غزة كاملة أو أن تترك كل شيء للسلطة الفلسطينية من أجل تحمل هذه المسئوليات.

أما إسرائيل وهي أكبر المستفيدين من بقاء الوضع علي ما هو عليه, تأمل أن يحدث تغيير من الضغوط علي حماس في قطاع غزة يفضي إلي صفقة تبادل أسري بثمن أقل كلفة مما تطلبه حماس, فضلا عن استثمارها حالة الانقسام الفلسطيني بشكل جيد لإضعاف السلطة الفلسطينية وتهميش الرئيس محمود عباس باعتباره ليس ممثلا لكل الشعب الفلسطيني, ما يعطيها هامشا مريحا للتنصل من أي اتفاقات أو التزامات مع السلطة, وإخراج كل المشاريع الإسرائيلية التهويدية في مدينة القدس المحتلة والاستيطانية في الضفة الغربية للنور وفرض الوقائع علي الأرض.

لكن ما يغلف سوداوية المشهد السياسي الفلسطيني, أوضاع اقتصادية واجتماعية بالغة الانحدار تظهرها أرقام مؤسسات دولية وفلسطينية بدءا من عدم صلاحية غزة للحياة خلال أعوام قليلة بحسب تقارير أممية, مرورا بأزمة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين أونروا التي تمس بشكل مباشر حياة الملايين من اللاجئين الفلسطينيين, وليس انتهاء بأزمة توقف أكبر مستشفيات قطاع غزة عن العمل خلال أيام بسبب أزمة الوقود وانقطاع الكهرباء لساعات طويلة, إضافة إلي أن حديث الهجرة بات مادة للنقاش في كل بيت وجلسة عامة وخاصة.

هذه الظروف التي أنتجها الانقسام الفلسطيني والاحتلال تضع غزة أمام خيار واحد هو الرضوخ لتطبيق صفقة القرن لأن حتي خيار المواجهة العسكرية مع إسرائيل الذي تلوح به حماس قد يعرقل تنفيذ بعض بنود الصفقة لكنه لن يعيقها في ظل الظروف السياسية الحالية وتشتت الجهود الفلسطينية وتباين الأولويات بين قطبي السياسة, وليس أدل علي هذا سوي حديث عضو المكتب السياسي السابق للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين جميل مجدلاوي الذي قال قبل أيام, إن فتح أو حماس لن توقعا علي صفقة القرن, ولكن إذا ما استمروا في انقسامهم لن يكون أحد بحاجة إلي توقعيهم لأن صفقة القرن ستكون قد تقررت علي أرض الواقع, ويصبح حينها رفضهم شكليا.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
Facebook تابعنا على