الخميس 3 من محرم 1440 هــ  13 سبتمبر 2018 | السنة 28 العدد 10000    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:
ماجد منير
هل انتصر الأسد؟
عزة هاشم .. باحث فى شئون الأمن الإقليمى
13 سبتمبر 2018
تتصاعد التحليلات والمؤشرات التي ترجح تحرك قريب من نظام الأسد مدعوما من روسيا وإيران للهجوم عليإدلبآخر أوكار المعارضة المسلحة في سوريا‏,‏ليطلق البعض علي معركة إدلب اسم المعركة الأخيرة‏,‏ ولعل ماتثيرههذه المعركة من إشكاليات وتعقيدات وضعت العديد من الأطراف في موضع ارتباك‏,‏ خاصة معما تتضمنه من معني صريح بأن نظام الأسد وحلفاءه خرجوا منتصرينمن الحرب وأن جميع الأطراف الخارجيةأهدرت أموالها في دعم أطراف مهزومة فهزمت معها‏,‏والحقيقة أن الفوز الضمني لنظام الأسد كان واضحا للعيانمن قبل إحكامه السيطرة علي معظم مناطق نفوذ المعارضة‏,‏

 فقد كان الاعتراف بنظام الأسدوالكف عن المطالبة برحيله أول انتصار حققه الأسد في الحرب في سورياخلالالأعوام القليلة الماضية, خاصة بعد ما أصاب باقي الأطراف من إنهاك واستنزاف عززه انسحاب الحلفاء والداعمون الذين كانوا يحافظون نسبيا علي توازن القوي خلال الأعوام الماضية,إلا أن ما صرحت بهجينيفر كافاريلا,من معهددراسات الحرب في واشنطن, بأنه لو وصل الأسد بالوضع في سوريا إلي النقطة التي يتعين علينا عندها أن نختار( نحن الغربيين) بين الدفاع عن أوطاننا وبين رحيله, أعتقد أنه من الممكن أن يخرج منتصرا في تلك المعادلة يؤدي بنا إلي محور الحسم, ليبدو أن حسم المعركة في سوريا كما هو متوقع سيكون لصالح صاحب النفس الأطول.

وبالإضافة إلي العديد من الأسئلة التي تطرح في الوقت الراهن حول مسارات المعركةالمقادمة في إدلب, والسيناريوهات التي تصاغ حول مصير المقاتلين المتمركزين في إدلب, وأيضا المخاوف التي تثور حول الأوضاع الإنسانية الكارثية التي ستخلفها المعركة, هناك تساؤل آخر لا يقل أهمية, وهو: ماذا لو أحكم الأسد سيطرته علي إدلب ونجحــكما هو متوقعــفي تحريرها من الميليشيا المسلحة والتنظيمات الإرهابية؟ فهل بالفعل يمكننا القول إن الأسد قد انتصر في معركته الأخيرة؟ وهل يصح وصف هذه المعركة بـالمعركة الأخيرة؟
الحقيقة أن الإجابة علي هذا التساؤل تفرض علينا النظر إلي ما بعد تحرير إدلب, ومحاولة رسم سيناريوهات لمسار الأوضاع في الداخل السوري, وكيفية إدارة النظام السوري لشئون البلاد عقب سنوات من الاستنزاف خلفت ليس فقط خسائر مادية ودمارا في البني التحتية وهجرة وتشرذم داخلي بين مختلف فئات المجتمع السوري الذي انقسمإلي أطراف متحاربة, وعلي الرغم من أن هذه العوامل قد تسهم بصورة كبيرة في عدماستقرار النظام السوري وتضعف من قبضته, بل وربما تدخله في دائرة مفرغة أخري ومعارك جانبية متعددة, إلا أن هناك أيضا العديد من العوامل الأخري التي قد ترجع الأوضاع إلي نقطة الصفر, وتدخل النظام مرة أخري في هذه الدائرة المفرغة, خاصة أن ما يواجهه النظام السوري ليس بمثابة تحديات يواجهها أي نظام عقب خوضه حروبا أو تعرضه لاهتزازات, وإنما يواجه تهديدات قد تعصف به فور اعتقاده أن الأمور قد استقرت وأن المعركة قد حسمت لصالحه.
ولعل تشابك وتعقد المشهد السوري الذي ساهم في كارثيته أطراف دولية وداخلية عديدة يحول دون وصوله إلي الاستقرار عقب إحكام سيطرته علي إدلب, بل ستظل أمامه رحلة طويلة أخري ممثلة في العديد من التهديدات, منها علي سبيل المثال وليس الحصر, التنظيمات والميلشيا المسلحة, والتي يتوقعمنهاإما أن تستسلم وتقوم بتسليم سلاحها للنظام وهو ما سيفعله البعض, والذين سيكونون في الغالب من مقاتليالصفوف الخلفية,وإما الفرار إلي الداخل أو أيضاالفرار إلي الخارج, وهو ما سيقوم به من يقاتلون في الصفوف الأمامية والقادة ورءوس التنظيماتالمدعومة من أطراف دولية, وفي كلتا الحالتين سيواجه النظام السوري تشكيلات مسلحة جديدة, قامت بإعادة ترتيب صفوفهافي الداخل أو الخارج وتهيأت لبدء معركة جديدة بتشكيلات جديدة وتحالفات مختلفة,وجيوب منتشرة,ومصالح أعيدتشكيلها للتماشي مع الوضع الراهن, خاصة أن إستراتيجية الأسد التي تركز بصورة رئيسية علي استعادة المناطق والمدن الرئيسية لم يعد بإمكانها التعمق في المناطق الريفية والمتطرفة التي تتمركز فيها شريحة لا يستهان بها من المعارضة المسلحة.
وفي ضوء التحدي الأهم ممثلا في الانتقال بسوريا من مرحلة الحرب إلي مرحلة إعادة الاعمار يبدو أن الطريق أمام نظام الأسد ما زال طويلا, وتبدو احتمالات صموده واردة وإن كانت غير مؤكدة, خاصة أنه يواجهه بالإضافة للتنظيمات والميلشيا المسلحة تهديدات أخري ممثلة في تحول البيئة السورية إلي بيئة حاضنة للعنف, وانسحاب معظم الأطراف الداعمة لسوريا مع صعوبة قيام إيران وروسيا بدعم يفوق طاقتهما لاستمرار النظام السوري والبدء في جهود إعادة الإعمار,والتي لا تواجه فقط تحديات من قبيل توفير الدعم المالي, وإنما يظل التحدي الأهم ممثلا في تعاطي الشعب السوري بمختلف طوائفه مع هذه النتيجة, وانصياعهم لها, وهو ما يصعب تحقيقه عقب سنوات من الاقتتال الداخلي استطاعت خلالها الميلشيا وجماعات المعارضة المسلحة خلق وجود لها داخل المجتمع السوري وتمكنت من شيطنة الأسد ونظامه علي المستويين الداخلي والخارجي, بل إن تأجج التجييش الطائفي في المجتمع السوري جعله منقسما وعصيا علي الإدارة والسيطرة من قبل نظام حكم مركزي يواجه سلسلة طويلة من الاتهامات التي تجعل انتصاره لا يعدو أن يكون مرحلة أو نقطة ارتكاز تتحرك بعدها الأمور إلي مسارات أكثر تعقيدا, خاصة في حال انتقال النظام السوريمن حالة الدفاعإلي حالة الهجوم والانتقام من المعارضين لتثبيتدعائم وجوده.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
Facebook تابعنا على