الثلاثاء 18 من ذو القعدة 1439 هــ  31 يوليو 2018 | السنة 28 العدد 9956    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:
ماجد منير
ظـــفر عــيــل
31 يوليو 2018
ولو حتي ظفر عيل‏,‏ كانت هذه أمنية محمد وزوجته‏,‏ فقد تعبا من الدوران علي الأطباء‏,‏ وزيارة المستشفيات‏,‏ وخضعا لجميع أنواع الأشعة‏,‏ وأجريا كل التحاليل الطبية‏,‏ وأنفقا كل قرش استطاع محمد توفيره من عمله الشاق والمضني في المحارة‏,‏ حتي إنهما كانا يوفران من طعامهما القليل‏,‏ فلا شيء أصعب من عدم الخلفة في مجتمع صعيدي يتفاخر أهله بكثرة العيال‏,‏ حتي ولو كانوا مجرد نسخ مكررة باهتة من الأهل البائسين‏.‏

ذات مساء صيفي, حيث يسكن الهواء, فتضيق الأنفاس, ويسيل العرق اللزج علي الأجساد المنهكة, ولا تشم إلا رائحة الجبل الذي يجثم علي قري سوهاج, ومحمد عائد من عمله المرهق, في جيبه جنيهات قليلة, وقلبه فارغ إلا من لوعة ورغبة متأججة, يجر قدميه المتشنجتين, وعدة الشغل تتأرجح في يده الخدرة التي لا يكاد يشعر بها, وقد احتوتها شيكارة أسمنت ورقية فارغة, يلتقط أنفاسه فيشق الهواء الساخن المخلوط برمل ناعم حلقه الجاف, وما أن دخل إلي بيته, الأقرب إلي كوخ من عصر ما قبل الحضارات, حتي وجد زوجته, وقد استنار وجهها الأسمر ذي الملامح الدقيقة, وعلي شفتيها الذابلتين ابتسامة خجلي طالما غابت عنها حتي نسيها وكان يظن أنها لم تبتسم يوما, توقف محمد في باحة الدار, ينتظر كلمة وقد أدرك أن أمرا جليلا قد حدث, فقالت زوجته في صوت واهن مختلج: ربك أراد.

مضت شهور الحمل التسعة, كأنها تسع سنوات, حتي جاءت اللحظة التي يتحقق فيها الحلم, ويولد الأمل متمثلا في طفل ذكر يحمل اسم الأب, يفتح البيت بعد عمر طويل, ينجب الأحفاد والحفيدات حتي يصبحوا قبيلة كاملة تحمل اسم محمد وتخلده, لكن اللحظة كانت يوما, طويلا والولادة كانت عسرة, الآلام تجتاح الأم المنتظرة, والمولود كأنه يرفض الخروج إلي الدنيا, كأنه يعرف ما ينتظره من آلام وأمراض وتعب, والطبيب في المستشفي العام ينتظر وينتظر ثم يجري جراحة قيصرية, ليخرج الطفل قسرا من رحم أمه, طفل يعاني صعوبة في التنفس, غير قادر علي التأقلم مع بيئته الجديدة, ويحتاج إلي حضانة بشكل عاجل وفوري. يأتي الطفل إلي الدنيا ومعه مشكلات لا تحصي, وتضيع فرحة محمد بمولوده الذي انتظره عشر سنوات كاملة, لم يصطحبه معه إلي البيت كما كان يخطط, لم تلبسه أمه ملابسه التي حاكتها بنفسها من ملابس الأب القديمة, لم ترضعه من ثديها أو تضمه بين ذراعيها وتهدهده, لم تضعه في الغربال يوم سبوعه, ولم تدق له الهون, أو تنثر السبع حبات في أرجاء البيت حتي تكون حياته خصبة ومثمرة, بل بقي الطفل في الحضانة شهرا وبضع شهر.
لم يكن الوليد طبيعيا, ما إن مضت شهور حتي بدأت تظهر عليه أعراض المرض, رأسه يتضخم وجسده يزداد نحولا, كثير النوم قليل الانتباه, عيناه مغمضتان معظم الوقت, يصرخ ألما حتي يتعب, عضلاته مرتخية كأنه قطعة قماش بالية, تلاحظ الأم ذلك فتبدأ رحلة جديدة من الدوران علي المستشفيات, وزيارة عيادات الأطباء ومراكز الأشعة ومعامل التحاليل, لتكون الفاجعة أن الطفل مصاب باستسقاء الدماغ, يتراكم السائل الدماغي في جمجمته الهشة فتتضخم الرأس, ويضغط علي المخ فيؤخر نموه وتتلف أنسجته, وينتج عنه تشنجات عصبية ونوبات صرع وإعاقة ذهنية وتأخر في نمو الجسم والعضلات.
لا يزال القدر يختبر محمدا وقوة إيمانه وقدرته علي تحمل النكبات, فبعد تأخر الحمل سنين يأتي الطفل معاقا, مريضا في حاجة إلي متابعة طبية, وعلاجات مكلفة, وجراحة لشفط المياه من المخ, ومحمد, ابن محافظة سوهاج الأكثر فقرا بين أقاليم المحروسة, لا يملك من أمر نفسه شيئا, إلا إيمانه بالله ورضاءه بقضائه, وقليلا من المال يكتسبه من عمله مبيضا للمحارة, لا يكفي هذا الدخل إلا لإعاشته وزوجته وطفله علي الكفاف, ولا يلبي إلا الحدود الدنيا من متطلبات المعيشة, فكيف يوفر المال اللازم لعلاج طفل مريض يعاني استسقاء في الدماغ, ويحتاج إلي أدوية لا تنقطع, وإلي إجراء جراحة عاجلة لبذل الماء من الرأس؟ إلا أن يتوجه إلي ذوي القلوب الرحيمة, ممن يستطيعون مد يد العون له, ومساعدته بما يقدرون عليه, حتي يتابع علاج الطفل المريض, ويجري له الجراحة المطلوبة.
علي حافظ

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
Facebook تابعنا على