الأربعاء 5 من ذو القعدة 1439 هــ  18 يوليو 2018 | السنة 28 العدد 9943    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:
ماجد منير
مشروع ياماموتو‏...‏ و الترتيبات الأمريكية الجديدة
د‏.‏ أحمد أمل
18 يوليو 2018
في سبتمبر من عام‏2017‏ تم تعيين دونالد يوكيو ياماموتو قائما بأعمال مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشئون الإفريقية وهو المنصب الأكثر تأثيرا في عملية صنع السياسة الأمريكية تجاه القارة الإفريقية‏.‏ ولم يأت اختيار ياماموتو لهذا المنصب من فراغ‏,

فقد سبق له أن شغله بصورة دائمة خلال الولاية الثانية للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بين شهري مارس وأغسطس من العام.2013 ويعد ياماموتو من أكثر الدبلوماسيين الأمريكيين خبرة في الملف الإفريقي خصوصا في منطقة القرن الإفريقي حيث سبق أن مثل بلاده دبلوماسيا في دول الإقليم الأربع.

فقد سبق له أن عمل سفيرا مؤقتا للولايات المتحدة في إريتريا بين عامي1997 و1998, قبل أن يعين سفيرا للولايات المتحدة في جيبوتي بين عامي2000 و2003 ثم سفيرا للولايات المتحدة في إثيوبيا بين عامي2006 و2009, وأخيرا قائما بأعمال رئيس البعثة الدبلوماسية الأمريكية في الصومال عام.2016
هذه الخبرة الميدانية الطويلة في شئون القرن الإفريقي أهلت ياماموتو لأن يتولي تصميم المشروع الأمريكي الجديد في القرن الإفريقي بعد توليه مهام مساعد وزير الخارجية للشؤون الإفريقية. ويأتي مشروع ياماموتو في القرن الإفريقي تجسيدا لتوجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إفريقيا والتي أعلن عنها بوضوح منذ فوزه في الانتخابات نهاية عام.2016 فقد شهدت مخصصات وزارة الخارجية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لإفريقيا انخفاضا كبيرا في ميزانية ترامب الأولي قدر بنحو30%, كما لم تعتمد أي مخصصات للمؤسسة الأمريكية للتنمية الإفريقية والتي تنفذ العديد من مشروعات التنمية في المناطق الأكثر احتياجا في إفريقيا. كذلك أعلنت الولايات المتحدة تغيير النهج المتبع في دعم عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام والتي تسهم الولايات المتحدة بنحو ثلث ميزانيتها من خلال تقييم كل عملية علي حدة الأمر الذي يفتح الباب أمام تراجع كبير في عمليات حفظ السلام في إفريقيا التي تستقبل النصيب الأكبر من هذه العمليات عالميا.
فالولايات المتحدة تتبني مؤخرا في إفريقيا استراتيجية منخفضة التكلفة تقوم علي ضغط الإنفاق للحد الأدني, مع فتح الباب أمام أي فرص لتعظيم العائد الاقتصادي بالأساس من أي اشتباك أمريكي مع الملفات الإفريقية. هذا التوجه الجديد وضع القرن الإفريقي علي رأس قائمة الأولويات الأمريكية لعدد من الأسباب أهمها استحواذه علي نصيب كبير من الإنفاق الأمريكي خصوصا في إطار مكافحة الإرهاب, وامتلاكه العديد من الفرص الاقتصادية الكبيرة غير المستغلة وعلي رأسها الثروات النفطية المكتشفة حديثا في الصومال ومن قبلها إثيوبيا, وكذلك أهميته الاستراتيجية لاتصاله بالشرق الأوسط. كل هذه الأسباب دفعت الولايات المتحدة منذ أواسط عام2017 لإقرار ترتيبات جديدة في القرن الإفريقي أقامها دونالد ياماموتو علي عدد من الأسس تمثلت في:
تحقيق الاستقرار الإقليمي:
من بين أهم أركان الترتيبات الأمريكية الجديدة في القرن الإفريقي تحقيق قدر من الاستقرار يتلاءم مع مخططات الاستغلال الاقتصادي للمنطقة. فالتدخل الأمريكي لإنهاء الصراع الإثيوبي الإريتري الذي دام لعقدين كان أحدد أسبابه الطبيعة المتجددة للصراع الذي شهد علي سبيل المثال اشتباكا بين قوات البلدين في عام2010 في بلدة زالامبيسا وفي2016 في بلدة تسورونا. وقد بدأت جهود ياماموتو في إيجاد تسوية نهائية للصراع الإثيوبي ــ الإريتري في سبتمبر من عام2017 حين نسق مع مجلس الكنائس العالمي مهمة استكشاف القواسم المشتركة بين طرفي الصراع والتي يمكن بناء التسوية عليها. كما لعب ياماموتو نفسه دورا مباشرا في الوساطة بين الجانبين اختتمه بزيارة البلدين في ابريل الماضي لوضع اللمسات النهائية علي الاتفاق الذي أعلن عنه بعد نحو شهر من الزيارة. كذلك يسهم إنهاء الصراع بين إثيوبيا وإريتريا في وقف الدعم المتبادل لحركات المعارضة الذي طالما قدمته حكومتا البلدين. فنظرا لانقسام أبناء جماعة العفر بين إثيوبيا وإريتريا قامت كل من الدولتين بدعم حركات انفصالية عفرية مسلحة في البلد الآخر الأمر الذي أسفر عن عدد من الحوادث الخطيرة كان أبرزها الهجوم علي عدد من السياح الأجانب في إقليم العفر الإثيوبي في مطلع عام.2012
تعظيم العائد عبر التحديث الاقتصادي: بعد نحو ثلاثة عقود علي سقوط الاتحاد السوفيتي لا تزال الجبهة الديموقراطية الثورية الحاكمة في إثيوبيا وكذلك الجبهة الشعبية الحاكمة في إريتريا تتبني إطار ايديولوجي مستمد من الماركسية-اللينينية. وقد انعكست هذه التوجهات علي الجانب الاقتصادي بصورة كبيرة حيث تسيطر عليه الدولة بأذرعها المختلفة مع دور لا يذكر للقطاع الخاص في البلدين. وحتي الشراكة الاقتصادية القائمة منذ سنوات بين إثيوبيا والصين والتي تجلت في تبني الجبهة الديموقراطية الثورية للنموذج الاقتصادي الصيني رسميا إنما تقوم علي الشراكة بين الشركات المملوكة للدولة في البلدين, أو بتدخل موجه من الدولة للقطاع الخاص من الجانب الصيني وحده.
هذه البنية التحتية للاقتصاد في كل من إريتريا وإثيوبيا لا يمكن معها تحقيق المصالح الأمريكية التي تقوم بالأساس علي فتح المجال لشركات القطاع الخاص الأمريكي لمزاولة نشاطها بحرية في مختلف أنحاء العالم. لهذا كان من الضروري في ظل الترتيبات الجديدة أن يتولي أبيي أحمد مهمة فتح المجال الاقتصادي أمام القطاع الخاص المحلي والعالمي وهو ما حدث بالفعل بعد نحو شهرين من وصوله للسلطة بعد أن اتخذت اللجنة التنفيذية للائتلاف الحاكم في الخامس من يونيو الماضي عددا من القرارات الاقتصادية أهمها الإعلان عن اعتزامها خصخصة العديد من شركات القطاع العام الكبري علي رأسها الخطوط الجوية الإثيوبية وشركة الاتصالات الوطنية.
تقليل التكلفة بربط القرن الإفريقي بالشرق الأوسط:
في فترات سابقة اعتمدت الولايات المتحدة سياسة تقوم علي الربط بين حلفائها في إقليمي القرن الإفريقي والبحيرات العظمي خاصة في جهود مكافحة الإرهاب الأمر الذي جسده المحور الذي جمع إثيوبيا بكينيا وأوغندا وبوروندي والذي تدخل في الصومال منذ عام.2006 هذه السابقة استفاد منها ياماموتو في تخطيطه لمستقبل القرن الافريقي لكن بربطه بالشرق الأوسط هذه المرة خاصة بعد أن أثبتت إثيوبيا في السنوات الأخيرة عجزها عن لعب الدور الأساسي كفارض للاستقرار في المنطقة مع تصاعد أزماتها الداخلية ومع عجزها عن إنهاء المشكلات الأمنية في الصومال.
ومع وجود أولوية أمريكية في تقليل تكلفة إدارة مصالحها في القرن الإفريقي اتجه ياماموتو للاعتماد علي شركاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط في إعادة تأهيل القرن الإفريقي. فجزء من أسباب التدخل الأمريكي لفرض الاستقرار في القرن الافريقي كان قرب الإقليم من دول الخليج ومن الممرات الملاحية الدولية.
كما تستهدف الشراكة الأمريكية الخليجية معادلة تأثير التمدد الصيني في القرن الإفريقي الذي اعتمد طويلا علي شراكته الاستراتيجية مع الجبهة الديموقراطية الثورية في إثيوبيا وعلي نشاطه الاقتصادي في مختلف دول المنطقة قبل أن يطور من مستوي وجوده ويعلن تأسيس قاعدة عسكرية في جيبوتي. وعلي الرغم من أن ياماموتو قد صرح في لقاء أجرته هيئة الإذاعة البريطانية بأن علاقة الولايات المتحدة بالصين فيما يتعلق بالقارة الإفريقية هي علاقات إيجابية, إلا أن التطور الكمي والنوعي في مؤشرات القوة الصينية في القرن الإفريقي استدعت استجابة أمريكية حاسمة. وفي ظل قيود الانفاق التي وضعها الرئيس ترامب علي النشاط الأمريكي في إفريقيا تحتم علي ياماموتو تبني مقاربة جديدة كان للشركاء الشرق أوسطيين الدور الأبرز فيها.
الدعم الغائي للديمقراطية:
علي خلاف إدارات أمريكية سابقة لا يتضمن المخطط الأمريكي القائم في القرن الإفريقي حاليا التزاما كبيرا بدعم التحول الديموقراطي. فبعد أن وجهت الاتهامات للرئيس الإريتري إسياسي أفورقي لسنوات بعرقلة التقدم الديموقراطي في بلاده, اعتمد عليه ياماموتو مؤخرا كشريك في تحقيق الاستقرار علي الرغم من بقائه في الحكم منذ1993 من دون أفق لأي تغيير سياسي. وبالمثل لم تشهد العلاقات الأمريكية بجيبوتي تغيير يذكر علي الرغم من بقاء الرئيس إسماعيل عمر جيله في الحكم منذ عام.1999
ومع ذلك أبدت الولايات المتحدة قدرة علي توظيف أدوات دعم الديموقراطية لتحقيق غايات سياسية في القرن الإفريقي. ففي ابريل الماضي أصدر مجلس النواب الأمريكي القانون رقم128 والذي حمل اسم دعم احترام حقوق الإنسان وتشحيع الحوكمة الشاملة في إثيوبيا والذي أتاح الفرصة لفرض عقوبات دولية ضد المسئولين الإثيوبيين السابقين بشأن انتهاكهم حقوق الإنسان في مواجهة المحتجين. هذا القانون جاء ليساعد آبي أحمد علي اتخاذ عدد من القرارات التي تتماشي مع الترتيبات الأمريكية الجديدة في القرن الإفريقي وفي مقدمتها السلام مع إريتريا وخصخصة الشركات المملوكة للدولة في إثيوبيا.
وفقا لهذا التصور تكتمل الرؤية الأمريكية في القرن الافريقي والتي تجمع بين انخفاض التكلفة وارتفاع فرص تحقيق العوائد في المستقبل وهو المشروع الذي وضعه دونالد ياماموتو وأتم تنفيذه قبل أن يتجه لتسوية آخر الملفات العالقة في القرن الإفريقي والمتعلق بالتحديات الأمنية والسياسية في الصومال. ويبدو أن تعقيدات الوضع في الصومال قد استدعت تغييرا في وضع ياماوتو نفسه الذي رشحه ترامب في الثاني عشر من يوليو الحالي لمنصب سفير فوق العادة للولايات المتحدة في العاصمة الصومالية مقديشيو ليشرف علي تنفيذ المرحلة الثانية من مشروعه من موقع الحدث.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
Facebook تابعنا على