الثلاثاء 4 من ذو القعدة 1439 هــ  17 يوليو 2018 | السنة 28 العدد 9942    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:
ماجد منير
من الحياة بضاعــة حنفـي
علي حافظ
17 يوليو 2018
شمس متعبة تسرع الخطو نحو مخبئها‏,‏ ونهار يلفظ لحظاته الأخيرة‏,‏ وحنفي يقترب من دكان بقال في حارة ضيقة‏,‏ يحدوه أمل يائس في أن يبيع للرجل بعض بضاعته حتي يحقق المستهدف الذي وضعته له الشركة‏,‏ فهذا اليوم القائظ‏,‏ شديد الحرارة‏,‏ الدبق‏,‏ يعانده منذ الصباح‏,‏ لا بيع ولا راحة‏,‏ دار علي كل زبائنه لعلهم يشترون‏,‏ لكن البضاعة راكدة علي أرفف دكاكينهم الصغيرة‏,‏ والأدراج خاوية من النقود‏,‏ يستقبلونه في ملل واضح‏>

وقد بدا الضجر علي ملامحهم الخشنة, وألقي النوم بظلاله علي جفونهم المتعبة, يحاولون الابتسام, يدعونه لتناول كوب من الشاي, يشرب قليلا من الماء, يعاود سؤالهم إن كانوا يريدون شيئا, يتلقي الإجابة نفسها: لا نريد, وحتي إن أردنا لا نملك المال, يبتسم في إعياء, ربما في المساء, يقول أحدهم, قد تطرقنا نسمة هواء فيخرج الناس من جحورهم, وعندها ربما نبيع له شيئا, وربما تجد في الأدراج الخاوية بعض العملات المعدنية, أو النقود الورقية المتهرئة.
تتقاطع في رأس حنفي الأفكار وتتصارع الأسئلة, أفكار مرهقة رغم سذاجتها, وأسئلة بلا إجابات رغم بساطتها, عمل يرهقه بلا عائد مجز, وأسرة صغيرة تعتمد عليه ولا يملك لها إلا القليل, قليل من الطعام, قليل من الملابس, قليل من الأمان, وكثير من الحب والعطف, لم يجد عملا, وهو الحاصل علي مؤهل دراسي متوسط, إلا مندوبا للمبيعات, براتب لا يكفي إلا الضرورات, يدور منذ شروق الشمس وحتي غروبها, مع سائق وسيارة ومنتجات الشركة, يدور علي المحال في شوارع حلوان وأزقتها, يبيع للشركة منتجاتها و حددت له مبلغا من المال لا بد أن يبيع به كحد أدني كل يوم حتي يحصل علي راتبه كاملا, وفي ظل هذه الظروف الصعبة, ومع إجازات المدارس والمصايف, تقل حركة البيع, ويصبح تحقيق الهدف نوعا من المستحيل.
لا يكل حنفي ولا يمل, لا يملك رفاهية الراحة أو التكاسل, أسرته تنتظره ليلبي احتياجاتها, وهو لن يخذلها حتي لو كان الثمن عمره الذي يتسرب من بين يديه, وأكثر ما يقلقه, ليس الحاجات اليومية من طعام وشراب, لكن ما يقلقه هو السكن, الشقة التي يقيم فيها بالإيجار الجديد, لا يهمه أنه يدفع ثلث دخله تقريبا إيجارا لشقة ضيقة, في بيت صغير, في شارع ترابي يتوسط منطقة عشوائية, لكن الذي يهمه أكثر, ويذهب النوم من عينيه أن صاحب الشقة الذي يبتزه, ويهدده بالطرد رغبة منه في رفع القيمة الإيجارية.
يفكر حنفي في مسكن من شقق الإسكان الاجتماعي, الوزارة تعلن كل يوم عن شقق تطرحها لمتوسطي الدخل, يفكر حنفي أنه يستحق مسكنا يليق به, يسأل فيعرف أن الشروط تنطبق عليه, لكن المبلغ المطلوب كبير بالنسبة إليه, أحد عشر ألف جنيه لتقديم أوراقه, وينتظر بعدها شهورا, حتي إذا أسعده الحظ ونال شقة فإن عليه أن يدفع نحو خمسة وعشرين ألفا أخري, ثم إيجارا, أو قسطا شهريا, يتعدي نصف راتبه, فمن أين له هذا المال؟ وكيف يوفر هذه المبالغ, وهو الذي يعيش وأسرته علي الكفاف؟ وهل هذه الشقق لمحدودي الدخل والكادحين أم للأثرياء الذي يملكون المقدمات ويستطيعون دفع الأقساط المتزايدة؟
ما يريده حنفي لا يتعدي شقة صغيرة, تحقق له ولأسرته الأمان والاستقرار, في أي مكان, وبأي مساحة, حتي من تلك المخصصة للحالات القاسية والحرجة, فهل يجد حنفي قلبا رحيما من المسئولين؟ وهو يرفع مناشدته للدكتور مصطفي مدبولي, رئيس مجلس الوزراء, وزير الإسكان, وللمسئولين في إسكان محافظة القاهرة, أن يوفروا له ولأسرته الصغيرة شقة من تلك المخصصة لذوي الحالات الحرجة.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
Facebook تابعنا على