الأربعاء 16 من شعبان 1439 هــ  2 مايو 2018 | السنة 28 العدد 9866    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:
ماجد منير
مخاطر متجددة‏..‏ محاولات تغيير المنظومة التقليدية
أحمد عليبة - باحث متخصص في شئون الأمن الإقليمي
2 مايو 2018
لا يشكل زحف قوي إقليمية غير عربية أو إفريقية إلي التمركز في البحر الأحمر عنصر مفاجأة في الوقت الراهن حيث سعت مبكرا إلي التموضع فيه تدريجيا من منطلقات تتعلق بحسابات أمنها القومي في مرحلة من المراحل‏,‏ ثم تطور هذا التواجد في المرحلة الحالية في إطار إعادة حساباتها لتكون أقرب إلي محاولة فرض صياغة موازين قوي جديدة في إطار إعادة صياغة معادلات الأمن الاقليمي بشكل عام‏.‏

فتحت إسرائيل الباب لهذا الزحف بمشروع كان الهدف الواضح منه هو تغيير معادلات القوي التقليدية التاريخية الحاكمة لحوض البحر الأحمر, الذي كان ينظر له قبل نشأتها باعتباره بحيرة عربية إفريقية, لكن ظهورها شكل متغيرا جديدا علي هذه الصيغة, فرغم محدودية المساحة التي تطل منها عبر ميناء إيلات علي البحر, ولا تكاد تذكر مقارنة بالدول العربية والإفريقية, إلا أنها أصبحت ذات تأثير يتجاوز حدود هذه المساحة, وتنامي هذا الاهتمام مباشرة في أعقاب حرب أكتوبر1973 التي نبهت إسرائيل إلي ضرورة التواجد عند مدخل البحر الأحمر للحيلولة دون تكرار سيناريو إغلاق باب المندب مجددا.


وفي هذا السياق وضعت إسرائيل استراتيجية تهدف إلي إيجاد عمق إستراتيجي في البحر الأحمر يتيح لإسرائيل رصد أي نشاط عسكري, وكسر دائرة العزلة الاقتصادية المفروضة, وتأمين التحرك لمواجهة أي مهددات في باب المندب, وضمان الاتصال والأمن للخطوط البحرية العسكرية والمدنية الإسرائيلية بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط, وتطوير إسرائيل لإستراتيجية اقتصادية عسكرية تتيح لها توسيع الوجود العسكري والدبلوماسي في إفريقيا وترسيخه, لكنها طورتها طرديا بمرور الوقت وفقا لحسابات تحقق مصالح أكثر أهمية علي رأسها تجسير طريق للعلاقات المتنوعة مع الدول الإفريقية, إضافة حسابات الصراع مع إيران التي توجهت هي الأخري إلي هناك بحسابات الصراع التقليدي وتنافس المصالح أيضا.

وتحولت هذه الأهداف بمرور الوقت إلي تطبيقات عملية برزت في مسارين الأول هو إنشاء بنية تحتية أمنية إسرائيلية في البحر الأحمر, حيث تشير مصادر عديدة إلي أن إسرائيل عملت علي إقامة العديد من المراكز الأمنية في الكثير من المواقع والجزر في البحر الأحمر ومنها علي سبيل المثال, بناء مرصد لها أعلي قمة جبلية في إريتريا تعرف بقمة إمباسويرا لمراقبة حركة القوات العسكرية في جنوب البحر الأحمر. وإنشاء قواعد للتعامل من خلالها مع ما تراه من أهداف تشكل خطرا عليها علي النحو الذي زعمت به قصف السودان أكثر من مرة بزعم نقل أسلحة إلي الفصائل الفلسطينية, ويعد هذا الوجود هو امتداد لتواجد سابق في جزيرة رأس سنتينان التي استأجرتها من إثيوبيا عام1973, قبل استقلال إريتريا, وقامت بتجهيز مرفأ فخرة لاستقبال السفن الحربية, وآخر في جزيرة موسي جنوب عصب, وكذلك فإن تلك المنطقة محطة مهمة لأنشطة الموساد ومن أبرزها جمع المعلومات عن دول المنطقة. أما المسار الثاني فهو توسيع العلاقات مع دول القرن الإفريقي, حيث تشكل العلاقات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية المعلنة والسرية مع الدول الإفريقية أحد أهم مجالات العلاقات المشتركة.

القوة الإقليمية التالية هي إيران التي ظهرت إستراتيجيتها مشابهة إلي حد كبير للإستراتيجية الإسرائيلية, فلدي إيران خطة طموح تمتد إلي عام2025 لتوسيع وتعزيز تواجدها تكتيكيا من خلال الشراكة الدفاعية علي النحو الذي ساهمت به في عمليات مكافحة القرصنة, كما شاركت مع جيبوتي في ضوء ذلك في مناورة مشتركة عام2010, ثم طورت برنامجها في اتجاه التمركز الأمني علي امتداد مثلث استراتيجي من مضيق هرمز إلي البحر الأحمر إلي مضيق ملقا.

ويعد التدخل الإيراني في اليمن أحد تكتيكات التحرك الإيراني في البحر الأحمر, حيث تشن حركة أنصار الله بدافع إيراني هجمات صاروخية تبررها شكلا بأنها تستهدف تواجد التحالف العربي لإعادة الشرعية في اليمن, في حين ترسل عبر ذلك رسائل تتعلق بتهديد الحركة في البحر الأحمر, بل أعلنت إيران عن نواياها بناء موانئ لها في اليمن, وثمة إشارت عن تواجد إيران في البحر الأحمر في وقت سابق لتلك التهديدات في أرخبيل دهلك أيضا حيث تستأجر جزيرة فاطمة, وقامت بتأسيس قاعدة عسكرية في تلك الجزيرة بالقرب من ميناء عصب ودعم هذا التواجد قدراتها في تغذية الصراع في اليمن من خلال نشاط تهريب السلاح إلي الحركة الحوثية.

وسعت طهران علاقتها مع دول القرن الإفريقي والساحل الغربي للبحر الأحمر طهران إلي الوصول إلي البحر الأحمر عبر التقارب مع السودان وإريتريا وجيبوتي في وقت مبكر, ومرحليا أخذت تلك العلاقات طابعها الرسمي في إطار العلاقات الدبلوماسية وتبادل الزيارات منذ عام2006 مع أول زيارة قام بها الرئيس الجيبوتي عمر جيلة إلي إيران في2006 فيما قام الرئيس الإريتري أسياس أفورقي بزيارة إيران في2008 م, كما قام الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد بزيارة إريتريا في2008, وكذلك في سبتمبر2011 زار الرئيس الإيراني أحمدي نجاد السودان, كذلك أنشأت إيران في أغلب تلك الدول مراكز ثقافية كمدخل للقوة الناعمة لكن تم إغلاق بعضها مؤخرا بضغوط عربية في مؤشر آخر يوضح انعكاس هذا التواجد علي العلاقات العربية ــ العربية ذاتها.

القوة الثالثة هي تركيا التي رسخت لتواجد واسع في إفريقيا من خلال إقامة شبكة اقتصادية واسعة مع العديد من الدول الإفريقية وبالتالي هي تتوجه من العمق إلي الساحل, حيث كانت من أوائل الدول التي ظهرت علي الساحة في الصومال وأقامت علاقات ومشروعات رغم حالة الفوضي العارمة التي تشهدها البلاد منذ عقود, ولا يمكن إسناد هذا التواجد دون تواجد عسكري وهو ما أشارت إليه تقارير بأنه قائم بالفعل وأن تركيا أنشأت قاعدة عسكرية للتدريب في الصومال بقيمة50 مليون دولار, واستكمل هذا التواجد بالتطلع إلي القفز علي الساحل الغربي للبحر الأحمر وهو ما ظهر مع إعلان نواياها إقامة قاعدة عسكرية في جزيرة سواكن السودانية وهو ما كان مجالا لإثارة الأزمة الأخيرة بين القاهرة والخرطوم وتم احتواؤها سريعا بين البلدين ورغم ذلك ظل هاجس الوجود التركي قائما بدعوي إقامة المشروعات الاقتصادية لتنمية الجزيرة.

هذه النماذج الثلاثة للتغلغل الإقليمي لقوي غير عربية وإفريقية في البحر الأحمر تشكلت في إطار فراغ موازين القوي الطبيعية التي يفترض أن تكون حاضرة في ذلك الموقع, ولكن التوترات الإقليمية الراهنة تشكل جرس إنذار للإسراع في تجاوز هذا التحدي, ومع الإشارة إلي أن وجود إسرائيل يستتبعه وجود إيران في نفس الموقع والعكس إلا أن تواجدهما يشكل نوعا من التوازن يعكس حساباتهم الخاصة في ميزان القوي الثنائي وليس من المطلوب أن يتنامي لأنه سيظل في الأخير علي حساب المصالح العربية الإفريقية. كما أن وجود بعض القوي العربية في تلك المناطق يقتضي أن يوجه أولوياته للتركيز علي منظومة أمن البحر الأحمر قبل التركيز علي المصالح الأحادية لتلك الدول. وبالتالي هناك حاجة تقتضي بناء قدرات جديدة للتوازن مع القوي الوافدة, ورفع مستوي المصالح البينية بين الدول العربية والإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر والتي لا تزال متواضعة إلي حد كبير.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
Facebook تابعنا على