الأحد 16 من جمادي الآخر 1439 هــ  4 مارس 2018 | السنة 28 العدد 9807    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:
ماجد منير
عمر بن الخطاب ‏..‏ فيلسوفا
د‏.‏ ناجح إبراهيم
4 مارس 2018
‏>‏ لم يكن عمر بن الخطاب مجرد حاكم عادل وفذ أقام منظومة رائعة من العدل السياسي والاجتماعي فحسب‏,‏ ولكنه كان فيلسوفا رائعا يحسن قراءة الكون ويجيد التعمق في أغوار النفس البشرية والتحدث عن سنن الله في خلقه وكونه‏.‏

> وأريد اليوم في مقالي هذا الإبحار في سفينة عمر بن الخطاب الفيلسوف الحكيم والذي تصلح كلماته أن تمثل نموذجا مشرقا للمصلح العبقري للإنسان والكون والمجتمع, فكلما طالعت حكمه ازددت قناعة أنه من أفضل من سبر أغوار النفس الإنسانية بعد الأنبياء ووقف علي مزاياها وعيوبها ألا تراه يقول: لا يعجبكم من الرجل طنطنته, ولكن من أدي الأمانة وكف عن أعراض الناس وكأنه يقدم طريقة سحرية للحكم علي الناس ويكرر ذلك المعني في قوله: لا تنظروا إلي صيام أحد ولا صلاته ولكن انظروا إلي من إذا حدث صدق, إذا أؤتمن أدي, وإذا أشفي- أي هم بالمعصية- ورع أي تركها.
> فالحكم علي الناس لا يكون بصلاتهم وبصيامهم ولا كثرة ذكرهم لله ولكن بعدة أشياء عملية دقيقة وبميزان لا يخيب, وهي صدق الحديث وأداء الأمانة والكف عن أعراض الناس والبعد عن المعصية, ويزيدها واحدة مهمة في قوله: لا تعتمد علي خلق رجل حتي تجربه عند الغضب وكأنه يقول لنا لا تحكموا علي الناس في حالة ودهم وصفائهم ولكن تأملوهم عند الخصام والخلاف والغضب,هل سيفجرون في الخصومة, هي سينسيهم الغضب أخلاقهم وحلمهم, أم سيحملهم غضبهم علي الظلم والبغي, ساعة الغضب هي الساعة المفصلية عند ابن الخطاب للحكم علي الناس فمن نجح في هذه الساعة فهو الأخ والصديق, ومن فشل.
> ويحذر ابن الخطاب من طعنة الصديق لأنها تأتيك فجأة ومن الظهر عادة فيقول: اعرف عدوك واحذر صديقك إلا الأمين.
> ويحذر من المبالغة في الحب أو البغض ويحث علي التوسط والأناة في كليهما فيقول: لا يكن حبك كلفا ولا بغضك تلفا وقد خبرت الحياة فوجدت أن الذين يغالون في الحب والهيام والإعجاب والإقبال, يبالغون أيضا في البغضاء والإدبار وقالة السوء, وإهالة التراب علي حسنات أصدقاء الأمس وخصوم اليوم, واعتبر أن الذي يحب ويكره برفق وتؤده وتعقل من الخلصاء الذين ينبغي علينا مصادقهم.
> وخبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس طويلا فخرج من ذلك بخلاصة مريرة أراها متمثلة في حياتنا حتي اليوم: اللهم إليك أشكو جلد الفاجر وعجز الثقة والغريب أن ذلك مضطرد في حياتنا إلي اليوم فتري الفاجر في همة وعزم وقوة وإدارة وإرادة وإنجاز, وقد ينهي عدة إجراءات في وقت واحد فتعجبك همته ويسؤك فساده وغياب ضميره, وتري في المقابل التقي فيه من العجز الإداري والغباء السياسي والتبلد الاجتماعي وقلة إدراكه لعصره ما فيه فتحزن علي ضياع تقواه في خضم سلبياته هذه.
> وحذر ابن الخطاب من مصادقة الأحمق فقال: إياك ومؤاخاة الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك, وكان ابن الخطاب ذكيا أريبا ورغم ذلك لا تعرف نفسه المكر أو الكيد أو التآمر ولم يخدعه ماكر أبدا وكان يضع وصفة لكل مسلم وهي لست بالخب- أي الماكر المخادع- ولا الخبو يخدعني.
> ورغم قوة عمر وشدة بأسه إلا أنه كان كثير العفو والصفح, وكانت له نظرية في العفو والصفح في غاية الروعة إذ كان يرددها دوما اللهم أقدرني علي من ظلمني لأجعل عفوي عنه شكرا لله علي مقدرتي عليه كلمات لا يحسن صياغتها إلا قلب موصول بالله ونابض بالقوة والرحمة أيضا ومحب للعفو عن الناس.
> أما عن نظرته للحكام وتقييمهم فقد وضع قاعدة رائعة في ذلك ما أظن أنه سبق إليها أشقي الولاة من شقيت به رعيته
> أما حكمته الخالدة التي سبق بها الجميع فهي متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم أماتهم أحرارا وهنا عبر بالناس كل الناس, فالحرية اكتسبوها من بطون أمهاتهم وليس من حكومتهم ولا وطنهم ولا دينهم ولا مذهبهم, فهي هبة ربانية للناس جميعا.
> السلطة, فشبه المنصب بالرضاع,والعزل منه بالفطام متأسيا بتشبيه الرسولصلي الله عليه وسلم في الحديث الشريف فقال عمر الولاية حلوة الرضاع ومرة الفطام وآه من عزل صاحب المنصب فكم يكون هذا قاسيا عليه أو مدمرا له.
سلام علي ابن الخطاب في عليين, وعلي كل النبيين والصالحين.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
الأكثر قراءة
Facebook تابعنا على