الجمعة 7 من جمادي الآخر 1439 هــ  23 فبراير 2018 | السنة 28 العدد 9798    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:
ماجد منير
الموعـظــــــــة الحـــســــــــــــنـة
تحقيق‏:‏ رجب أبو الدهب
23 فبراير 2018
دعا القرآن الكريم إلي أسلوب الموعظة الحسنة في الدعوة إلي الله لتعريف الخلق بخالقهم وبآياته وأوامره ونواهيه لما لها من وقع خاص في النفوس التي جبلت علي حب من أحسن إليها وخاف عليها‏,‏

والخطاب الديني أولي بهذا الأسلوب الراقي بل يمتاز به لأنه دين حياة وعالمي, وحتي ينجح الخطاب الديني في مخاطبة هذا العالم فلا بد أن تكون الموعظة حسنة باعتبار الإسلام نفسه رساله سلام لكل العالم وهذا العالم لن يتأثر إلا بالكلمة الطيبة التي تساوي الموعظة الحسنة التي يفهما ويستفيد منها وحول تعريف الموعظة الحسنة وشروطها وكيفيتها ولماذا اهتم الشرع بها ودعا إليها؟.
يقول الشيخ ناجي آدم ـ مدير عام الفتوي بأوقاف الجيزة ـ من المعلوم لدي العقلاء أن شريعة الإسلام تحث دائما علي كل خير وكل نافع ومفيد من خلال الموعظة الحسنة التي تكون من حكيم وعالم ودارس ذي خبرة في الحياة وقارئ للتاريخ والقصص لأن الحكمة رزق وفضل من الله لقوله تعالي يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب والموعظة الحسنة لابد أن تكون حسنة بشروطها فهي للنصيحة لا للفضيحة وهي عرض لا فرض وخير لاشر وهي نور لاظلام وهي علم لا جهل, والنصيحة دائما تكون من النفوس الأبية لدي النفس البشرية التي تقبل النصح لقوله صلي الله عليه وسلم الدين النصيحة والنصيحة الحسنة والدعوة بها أجرها عال والحسنة بعشر أمثالها إلي سبعائة ضعف, وقد أوصي الله تعالي بها في قوله تعالي ومن أحسن قولا ممن دعا إلي الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين والعمل الصالح هو الذي يرفع الخير ويرفع الانسان إلي الإنسانية الحقيقية والعمل الصالح وتكون الموعظة الحسنة للجميع ومن أهل الاختصاص كل في مجاله والقرآن الكريم بين ذلك في الآية المشهورة ادع إلي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن وقوله تعالي ولوكنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ولعل كتب السير والتاريخ تبين ذلك لمن أراد أن يأخذ الثمار والأزهار وقد دعا إليها تبارك وتعالي لأن الموعظة الحسنة هي من فطرة الله التي فطر الناس عليها وهي أن نأخذ بأيدي الناس إلي الخير وإلي الأحسن لقوله صلي الله عليه وسلم إن المنبت اي المتشدد في دعواه لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقي وما يدور علي الساحة من أحداث خير شاهد لمن أحسن القراءة للأحداث.
ويضيف الدكتورعادل المراغي ـ من علماء وزارة الأوقاف ـ الموعظة الحسنة في لطف العبارة ورقة الإشارة ولين الكلام والابتسامة الرقيقة والنصيحة حيث تتضمن النصح والارشاد والخوف علي الشخص كما يخاف الرسل والأنبياء علي أقوامهم, وعبر القرآن بذلك علي ألسنتهم علي لسان نوح عليه السلام في قوله تعالي إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم وتكون النصيحة لجميع البشر لقوله تعالي حينما كلف كليمه موسي وأخاه هارون عليهما السلام بأن يذهبا إلي فرعون ويقولا له قولا لينا أي موعظة حسنة لقوله تعالي ادع إلي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة فسبيل الله تعالي يشمل كل مخالف علي وجه الأرض فيدعوه لهذا السبيل سواء كان من أهل كتاب أم لاديني. ويري المراغي أن من شروط الموعظة الحسنة أن يكون الداعي لها عالما بما يدعو إليه رقيقا بالمدعو لقول القائل لطف حديثك فإن النفوس مريضة ومن الكلام محنن ومجنن فكم هادئا بالعنف ثار, وثائر باللطف روضة الكلام اللين.. ولذلك دعا القرآن الكريم إلي الموعظة الحسنة لأنها أوقع في قلوب الخلق والنفوس جبلت علي حب من أحسن إليها وخاف عليها والخطاب الديني يمتاز بهذا الأسلوب بخلاف الجماعة السلفية المعاصرة حيث يمتازون بتقديم الغلظة.
ويناشد المراغي الدعاة بضرورة التحلي بالابتسام في وجه المدعو حتي تنجح دعواة تأسيا بسيد الخلق صلي الله عليه وسلم فقد كان يبتسم في وجه الناس رغم الهموم التي يتحملها. ويؤكد الدكتور علوي أمين ـ أستاذ الفقه بجامعة الازهر ـ أن الموعظة الحسنة هي الإسلام وهي الحياة, فإذا أردت أن تسوس أمة فعليك أن تكون موعظتك حسنة وألا تجادل إلا بالتي هي أحسن لأن الإسلام نفسه رسالة سلام لكل العالم وهذا العالم لن تقدر عليه إلا بالكلمة الطيبة التي تساوي الموعظة الحسنة وشرطها أن يكون الواعظ عالما بما يقول, وأن تكون لأناس يفهمونها ويستفيدون منها ويقدرونها ويعملون بها وإذا كانت الموعظة علي غير هدي وفي غير موقعها فإنها ستودي للعكس وتكون ذات ضرر أبلغ لقائلها وسامعها.
ويري الدكتور علوي أن الأفضل أن تكون الموعظة لكل الناس لقولة ابدأ باهلك ثم بمن تعول ثم بمن حولك فإذا وصلت لمجتمعهم فذلك أفضل ولا تكون إلا من عالم مدرك لما يقول سواء في الطب أو الزراعة أو الهندسة لقولة تعالي فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون ولا سيما إن كان الامر يتعلق بالعقيدة والدين فيؤدي لكارثة. وينصح الدعاة باتباع دعوة الرسول فقد كان صلي الله عليه وسلم يتحدث في خطبته بقوله مابال أقوام يفعلون كذا ولم يتعرض لأشخاص ولذلك دعت الشريعة للموعظة الحسنة لأنها هي الدين فإذا لم توجد الموعظة فلا دين.
وتوضح الدكتورة آمنة نصر ـ استاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الازهر ـ أن الموعظة الحسنة هي الكلام الجيد الذي يدخل إلي النفس وإلي العقل وبأسس منها معرفة الشخص الذي تهدي إليه لأن هناك بعض الناس ربما يأخذ الموعظة الحسنة بتهكم أو بعدم إقناع فلابد لمن يقدم الموعظة أن يكون لديه فراسة وذكاء وحسن اختيار لتلك الموعظة والشخص المراد توجيه الموعظة إليه, وللأسف جزئية الغوص في نفسية ـ المتلقي للموعظة الحسنة علي أسس نفسية لابد أن يصاحبها علم لمن يتعرض للخطاب الديني الذي يرقق القلوب ويجذب النفوس حتي يؤثر فيمن يلقي عليه النصيحة ولقد دعا الله تبارك وتعالي بضرورة الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة أي القول اللين الذي يكسر تحجر القلوب ويجذبها إليه خاصة لمن عرفوا بالعناد ويشغلوا مناصب كبيرة, ولذلك لابد للخطيب الذي يقدم الموعظة أن يكون لديه معرفة بنفوس الناس والمنهج العلمي حتي لاتنقلب دعوته إلي نوع من العناد والكراهية فاختيار المنهج العلمي واختيار الوقت المناسب والكلمات المناسبة من عوامل نجاح الموعظة سواء في المسجد او في الطريق لأي شخص بعيدا عن الاحتكاك بالفوارق الدينية حيث يتعامل معه من منطلق الانسانية ويشير الدكتور أشرف فهمي ـ مدير عام المتابعة بوزارة الأوقاف ـ إلي أن للموعظة الحسنة أهمية كبري في الدعوة إلي الله( عز وجل), ووردت الموعظة في أكثر من موضع حيث ذكر الله في القرآن الكريم ثلاثة من أساليب الدعوة إلي الله( عز وجل) في آية واحدة قال تعالي:( ادع إلي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين)
وهي: الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن, وقال ابن القيم( رحمه الله): جعل الله سبحانه مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق, فالمتسجيب القابل الذكي الذي لايعاند الحق ولا يأباه يدعي بطريق الحكمة, والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر يدعي بالموعظة الحسنة, وهي الأمر والنهي المقرون بالرغبة والرهبة والمعاند الجاحد يجادل بالتي هي أحسن.
قال تعالي( ادع إلي سبيل ربك بالحكمة الموعظة الحسنة) وقال أيضا:( وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكري للمؤمنين), فالموعظة تحذرك من الأمور المكروهة, ويرغبك في الأمور المحبوبة لله, وورد في الحديث: أن النبي( صلي الله عليه وسلم) كان يتخول أصحابه الموعظة لأنها كلمة طيبة ونصيحة, وتذكرة لمن كان له قلب, فهي الباب الآمن للمجتمع المسلم من الوقوع والانغماس في الشهوات, فعن العرباض قال: وعظنا رسول الله( صلي الله عليه وسلم) موعظة بلبغة, ذرفت منها العيون, ووجلت منها القلوب.
والموعظة من سمات المجتمع الإيماني, يقول الله تعالي( ذلك يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر), ذلكم أن الموعظة لها تأثير قوي علي النفوس, فهي تذكر الغافل, وتخاطب العقول, وتلمس شغاف القلوب, والاستجابة لها أسرع.
والموعظة تكون بالمسموع وبالمشهود أما الموعظة بالمسموع فأن ينتفع الإنسان بما يسمعه من الهدي والنصائح, من الناصحين المخلصين فيما خدم الدين والدنيا, وأما الموعظة بالمشهود فأن ينتفع الإنسان بما يراه ويشاهده في العالم من آيات الله الباهرات الدالة علي قدرته وما فيها من معجزات, وما فيها من عبر وعظات.
ومن آداب الموعظة الحسنة: اخيتار الموضوع المناسب, والمكان والزمان المناسبين, وعن تميم الداري( رضي الله عنه) أن النبي( صلي الله عليه وسلم) قال: الدين النصيحة, قلنا لمن يارسول الله ؟ قال لله, ولكتابه, ولرسوله, ولأئمة المسلمين وعامتهم فالنصح يكون لله( عز وجل), وننصح لرسول الله( صلي الله عليه وسلم), وعامة الناس ننصحهم وندلهم علي الخير ونعينهم عليه.
 

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
Facebook تابعنا على