الأربعاء 2 من ربيع الثاني 1439 هــ  20 ديسمبر 2017 | السنة 27 العدد 9733    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:
ماجد منير
كلفة النزاعات وإعادة الإعمار فى الشرق الأوسط
حرر الملف‏:‏ أحمد عليبة‏-‏ أحمد البحيري - حسين سليمان
20 ديسمبر 2017
ألقي الاقتتال الأهلي والتدخلات الخارجية في عدد من البلدان العربية علي مدار السنوات الماضية‏,‏ بظلاله علي الأوضاع الإنسانية والاقتصادية في بلدان الصراع‏,‏ وأحدث دمارا أعاد بنيتها التحتية وإنتاجها عقودا للوراء‏,

كما أفرز الصراع في سنواته جيلا من الأطفال والشباب الحاصلين علي قدر ضئيل من التعليم والرعاية الصحية, بسبب النزوح وإغلاق المدارس والمستشفيات, بما سيكون له من تداعيات طويلة المدي علي رأس المال البشري وقوة العمل المستقبلية في هذه البلدان. وينصب الاهتمام ببلدان الصراع هنا علي سوريا, ليبيا, واليمن, بسبب ظروف الاقتتال بها بين أطراف قد تصل مستقبلا لحل سياسي داخلي مشترك يحقق الاستقرار بينها, علي عكس وضع العراق المصنف كحرب علي تنظيم إرهابي لا يمكن التوصل لتسويات معه.
بسبب استمرار الصراعات المسلحة إلي الآن, علي الرغم من تراجع حدتها في عدد من بلدان النزاع, يصبح تقدير الكلفة الحقيقية لسنوات الصراع مهمة صعبة حاليا, وهو ما لن يكتمل سوي بعد انتهاء الحروب تماما وبدء التسويات السياسية, بما يمكن الجهات المختلفة من رصد الدمار ونتائج الاقتتال, المادية والبشرية, علي الأرض. وفي أعقاب ذلك, ستتاح التقديرات حول كلفة إعادة الإعمار في المناطق المتضررة, وكذلك آليات ومصادر تمويل برامج الإعمار المقترحة حينئذ.
سوريا
خلف النزاع السوري الذي بدأ في مارس2011 كلفة بشرية هي من الأسوأ في الشرق الأوسط في العقود الأخيرة, فقد تسبب الصراع في مقتل ما بين310 إلي470 ألف شخصا, وإصابة1.1 مليونا آخرين. كما أدت الحرب إلي نزوح أكثر من11.5 مليون سوري من منازلهم, سواء إلي داخل سوريا أو كلاجئين إلي بلدان خارجية, وهو نصف عدد سكان سوريا تقريبا في عام.2010 ونتيجة لذلك, فقد خرج2.8 مليون طفل سوري من مدارسهم, أي نصف عدد الأطفال السوريين في سن المدرسة, وبالتالي تشير التقديرات إلي خسارة الاقتصاد السوري ما بين10.5 و16.5 مليار دولار من رأس المال البشري نتيجة تراجع عدد سنوات تعليم الأطفال.
كما تسبب النزاع السوري كذلك في دمار شديد للأصول المادية والبنية التحتية للقطاعات الاقتصادية المختلفة, وذلك بصورة أساسية في6 مدن هي الأكثر تأثرا بالحرب, وهي حلب, درعا, حماة, حمص, إدلب, واللاذقية. وقد بلغت الكلفة الإجمالية للدمار المادي المباشر للحرب في هذه المدن68 مليار دولار منذ2011 حتي.2016 ونتيجة للدمار في رأس المال المادي والبشري, تراجع الناتج المحلي السوري بـ16% سنويا من2011 وحتي2015, وبـ4% في عام.2016 وهو ما يعني خسارة تراكمية في الناتج تساوي3 أضعاف إجمالي الناتج السوري في2010 قبل بداية الصراع. وقد تزامن هذا مع خسارة3 ملايين شخصا لوظائفهم, وهو ما رفع من معدل البطالة إلي66% من إجمالي القوة العاملة السورية, كما أدي ذلك طوال فترة النزاع إلي وقوع85.2% من السوريين تحت خط الفقر بسبب نقص الاحتياجات الأساسية من الغذاء, مياه الشرب, الرعاية الصحية, والمسكن.
تشكل الخسارة في رأس المال البشري أثناء النزاعات, السبب الرئيسي في بطء نتائج إعادة الإعمار بعد انتهاء الحروب. وتتطلب إعادة تأهيل القوة العاملة, وتعويض أعوام الخسارة في التعليم, التدريب, والإنتاجية, فترات طويلة تفوق أضعاف ما تتطلبه جهود إعادة إعمار الأصول المادية المدمرة في الحرب, والتي تتفاوت وفقا لإتاحة الموارد المالية اللازمة لذلك; وعادة ما ترتبط وفرة الموارد الطبيعية بإعادة إعمار سريعة للأصول المادية, حيث تتطلب قطاعات الصناعات الاستخراجية وقتا أقل للتعافي من نظيراتها الإنتاجية والخدمية, وتمول عائداتها إعادة الإعمار في القطاعات الأخري. وبالتالي, قد يمثل القطاع النفطي السوري فرصة لدفع جهود إعادة الإعمار بعد انتهاء الحرب, فقد شكل القطاع35% من إجمالي العائدات الحكومية, و50% من إجمالي الصادرات في سوريا طوال الأربعة عقود السابقة لبدء الصراع في2011, وهي وإن كانت نسب إسهام أقل من البلدان النفطية الكبري في المنطقة, إلا أنها لا تزال إسهامات مهمة للنفط في الاقتصاد السوري. ومع أخذ الدمار البشري والمادي في الحسبان, فمن المتوقع فور انتهاء الحرب, أن يحتاج الاقتصاد السوري10 أعوام لاستعادة الناتج الإجمالي الحقيقي لعام2010, وذلك إذا حقق الناتج المحلي نموا سنويا بـ5% في المتوسط. أما إذا تباطأ نمو الناتج دون ذلك, كأن ينمو في المتوسط بـ3% سنويا, فقد يعطل ذلك التعافي لناتج ما قبل الصراع10 أعوام إضافية.
اليمن
لم تكن الأوضاع الاقتصادية في اليمن إيجابية قبل الثورة في2011, ثم التدخل العسكري الخارجي في.2015 ففي عام2010, بلغ عدد السكان اليمنيين تحت خط الفقر46% من الإجمالي, بدخل يومي أقل من دولارين يوميا, في حين بلغت نسبة من يعيشون بأقل من4 دولارات يوميا85% من إجمالي السكان. وبالتالي, فاقم النزاع من تردي الوضع الاقتصادي والإنساني في اليمن, وأدي إلي كارثة إنسانية هي من الأسوأ في العالم منذ عقود.
أدت الحرب في اليمن منذ2015 إلي نزوح2.5 مليون مواطن من مساكنهم داخليا, كما جعلت من21.2 مليون مواطن, أي80% من سكان اليمن, في حاجة عاجلة للمساعدة الإنسانية, ويعاني14.4 مليون فرد منهم من نقص مزمن في احتياجاتهم الغذائية, في حين يفتقر19.3 مليون يمني إلي تسهيلات مياه الشرب أو الصرف الصحي الآمنة. وبالإضافة لتأثير النقص في الاحتياجات الأساسية علي الأطفال بصورة خاصة, فقد أدت الحرب لخروج3.4 مليون طفل من مدارسهم, أي نصف إجمالي عدد الأطفال في سن المدرسة.
كما تسببت الحرب والتدخل الخارجي في اليمن, في أضرار بالبنية التحتية والأصول المادية تقدر بشكل أولي بـ15 مليار دولار في المدن الأكثر تضررا, وعلي رأسها صنعاء, عدن, تعز, وزنجبار, وهي تقديرات مرشحة للزيادة بسبب صعوبة رصد الأضرار مع استمرار المعارك في الوقت الراهن. وقد أدي الدمار المادي وتراجع إنتاج النفط, المصدر الرئيسي للعائدات الحكومية, إلي انكماش الناتج المحلي اليمني بـ28.1% في عام2015, ثم بـ4.2% في2016, وذلك بالتزامن مع توقف35% من الشركات العاملة في قطاع الخدمات,29% من شركات قطاع التصنيع, و20% من شركات التجارة.
ومن الصعب في المرحلة الحالية, بسبب استمرار النزاع في اليمن, وصعوبة الوقوف علي الحجم الحقيقي لما تكبده الاقتصاد اليمني من خسائر طوال فترة الحرب, وبالتالي ما قد يحتاجه للتعافي, أن يتم تقدير حجم المخصصات اللازمة لإعادة الإعمار, أو الفترة اللازمة للعودة إلي مؤشرات ما قبل النزاع علي الأقل, وإن كانت متردية هي الأخري. لكن ما يمكن الجزم به هو اعتماد اليمن بالأساس في مرحلة ما بعد الصراع علي المساعدات الخارجية من البلدان المانحة من أجل إعادة الإعمار, وذلك نظرا لتواضع إنتاجها النفطي بالمقارنة ببلدان النزاع في الشرق الأوسط حاليا, حتي وإن كان القطاع قد مثل في أعوام ما قبل الحرب جزءا مهما من الاقتصاد اليمني الضعيف, حيث شكل90% من إجمالي صادرات اليمن, ومصدر نصف إيراداتها الحكومية طوال الثلاثة عقود السابقة لـ.2011
ليبيا
وفي ليبيا, أثر الاقتتال الدائر منذ2011 وحتي الآن, علي ملايين المواطنين بدرجات متفاوتة. فمن بين مواطني ليبيا البالغ عددهم6.3 مليون شخص, يحتاج2.4 مليون مواطن لمساعدة إنسانية, منهم241 ألفا من النازحين داخل ليبيا, وذلك بخلاف125 ألفا آخرين لجأوا إلي بلدان الجوار, وإلي أوروبا علي وجه الخصوص. كما يعاني أكثر من مليون طفل ليبي من نقص حاد في التغذية, وذلك بالإضافة لمعاناة أكثر من نصف السكان في ليبيا حاليا من نقص في تسهيلات مياه الشرب والصرف الصحي الأساسية.
وبسبب مركزية الاقتصاد الليبي, واعتماده علي قطاع النفط بالأساس, فقد أدي الدمار في البنية التحتية والأصول الإنتاجية للقطاع, بجانب توقف الصادرات بشكل متكرر طوال أعوام الصراع بسبب تبادل سيطرة أطراف مختلفة علي الآبار والمصافي والموانئ, إلي تراجع الناتج الليبي إلي النصف تقريبا خلال سنوات النزاع الداخلي. فقبيل2011, كان الإنتاج السنوي للنفط في ليبيا يفوق الـ1.6 مليون برميل سنوي, وهو ما انخفض مؤخرا إلي380 ألفا فقط. ونتيجة لذلك, فقد تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلي5 آلاف دولار فقط في عام2016, بالمقارنة بـ12.4 ألف في عام.2010 وبصورة إجمالية, تقدر الخسارة التراكمية للاقتصاد الليبي نتيجة تعطل تصدير النفط أو تدمير أصول القطاع بأكثر من100 مليار دولار في الأربعة أعوام الأخيرة وحدها, وذلك بالإضافة للخسارة جراء الدمار اللاحق بالبنية التحتية والأصول المدنية الأخري. وتشير التقديرات في منتصف2016 إلي دمار أكثر من3 آلاف مبني متنوع الغرض جراء الصراع القائم في ليبيا منذ أعوام, أغلبها في مدينة بني غازي.
وقد تكون كلفة إعادة الإعمار في ليبيا, بعد انتهاء الاقتتال وتحقيق الاستقرار الداخلي, هي الأقل وطأة علي إمكانات ليبيا مقارنة ببلدان النزاع الأخري في الشرق الأوسط. وذلك بسبب تركز الخسائر الاقتصادية في صورة توقف إنتاج النفط وتصديره بالأساس, وهو ما يمكن إعادته لمستويات ما قبل الصراع فور تحقيق الاستقرار والحل السياسي, وذلك بالإضافة لقدرة العائدات النفطية الليبية علي تمويل جهود إصلاح البنية التحتية المدنية المدمرة في الأعوام السابقة, وذلك بالمقارنة بالقدرات النفطية لسوريا أو اليمن.
في الأخير; أخذ الاقتتال مؤخرا في التراجع قليلا في المنطقة, وقد يشهد عدد من بلدان النزاع نهاية الحروب وبدء التسويات السياسية في الأعوام القليلة المقبلة. ومن المتوقع أن تبدأ فور نهاية الاقتتال جهود إعادة الإعمار, لتعويض الدمار والخسائر الاقتصادية, والتي تقدر في اليمن, سوريا, وليبيا مجتمعة بـ300 مليار دولار, وأن تعتمد في قدر منها علي مساعدات وتمويل المجتمع الدولي, المادية والتقنية, بغرض تسريع الانتقال إلي مستويات الأداء الاقتصادي لما قبل الاقتتال, وهو ما قد يتطلب موارد تصل إلي ضعفين أو ثلاثة أضعاف إجمالي نواتج البلدان المذكورة في2010, وذلك كمرحلة أولي قبل السعي نحو تخطي مستويات ما قبل الاقتتال.
لكن من الضروري ألا يقتصر مفهوم إعادة الإعمار في المنطقة علي إصلاح وتطوير البنية التحتية والأصول المادية فحسب, بل يمتد كذلك إلي بناء مؤسسات وقواعد تنظيمية جديدة, سياسية, قانونية, واقتصادية, خاصة في إطار تاريخ من ضعف أو حتي غياب المؤسسات الفاعلة في البلدان المأزومة حاليا, وذلك في ظل الإرث غير الديمقراطي وحكم الفرد بها, وهو ما سيعني بناء مؤسسات من الصفر تقريبا, وليس محاولة لاستعادة وضع ما قبل الصراع.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
الأكثر قراءة
Facebook تابعنا على