الجمعة 5 من ربيع الأول 1439 هــ  24 نوفمبر 2017 | السنة 27 العدد 9707    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:
ماجد منير
النبي‏..‏ القدوة
محمد ربيع غزالة
24 نوفمبر 2017
أيام قليلة تفصلنا عن بزوغ قمر مولده‏..‏ وذكري ميلاده التي أعقبتها بعثته ليكون بشيرا ونذيرا للبشرية جمعاء‏..‏ أضاء لهم النور‏..‏ أعادهم للحياة بعد أن كانوا يعيشون بها أمواتا جهلاء بخالقهم‏..

زرع فيهم الحب والسلام والمودة والرحمة لذا وصفه المولي عز وجل في كتابه وماأرسلناك إلا رحمة للعالمين لذا أجمع عدد كبير من علماء الدين أنه لابد من الاقتداء بسنة المصطفي في ذكري مولده بالعمل علي نشر ثقافة السلام ومواجهة الإرهاب والتطرف وإرساء قيم العمل والمحبة للنهوض بالأمة وأن هذا طالب به الرئيس السيسي في خطاباته حيث إنه أكد أنه من المهم تجاوز الخلافات والانقسامات قائلا مصر تفتح أبوابها لكل الشعوب العربية وتدعوها إلي إعلاء كلمة الله وتعاليم الإسلام السمحة التي تدعو للاقتداء بالأخلاق والقيم النبيلة والتمسك بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام الداعمة لقيم العمل والاعتدال ونبذ الخلاف.
قال الدكتور محمد عبدالفضيل القوصي وزير الأوقاف الأسبق ونائب رئيس مجلس إدارة الرابطة العالمية لخريجي الأزهر أن ذكري مولد النبي صلي الله عليه وسلم تستدعي أنه يجب علي كل مسلم أن يقتدي بالنبي صلي الله عليه وسلم في كل ما جاء به من عند الله من الأقوال والأفعال والأخلاق والآداب والتوحيد والإيمان والسنن والأحكام لإبراز صورة الإسلام الحضارية والإنسانية.
وأضاف القوصي أن هناك قلة أساءت للرسالة التي حملها النبي المصطفي علي عاتقه وشوهت حقيقة هذا الدين الذي يحمل معني الوسطية والاعتدال ويرفض التشدد والإرهاب خاصة أن ظاهرة الغلو والتطرف لاتعبر عن حقائق الدين الإسلامي وإنما هي نتاج لفهم خاطئ لبعض أحكام الدين الإسلامي وذلك ماحذر منه النبي صلي الله عليه وسلم أمته, حيث قال عليه السلام وإياكم والغلو في الدين, فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين.
وقال القوضي إننا الآن احتفالا بالنبي القدوة يجب علينا العمل علي نشر ثقافة السلام والبناء وتعمير الأرض وإرساء حياة انسانية للجميع وهذه هي رسالة رسول الله محمد صلي الله عليه وآله وسلم, مبينا أن القرآن الكريم تضمن في آياته تلك المعاني وأن الإسلام دين السلام وأنه نبي الرحمة قال تعالي, لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم والآخر وذكر الله كثيرا].
وذكر د. القوضي أن الإسلام ورسالة النبي لم تبح اراقة الدماء بل منعت التطرف والتشدد فالمتطرفون لم يقتدوا بسنة الرسول واستباحوا الدماء التي لاذنب لها لذا قال تعالي ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما وقال أيضا من أجل ذلك كتبنا علي بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا.
واستطرد: النبي- صلي الله عليه وسلم قال:- أمرت أن أقاتل الناس حتي يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم علي الله وفي سنن النسائي عن عبدالله بن عمرو- رضي الله عنه- عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم.
وحول تحريم قتل غير المسلم أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما.
وقال إنه للاقتداء بالنبي صلي الله عليه وسلم علينا طاعته صلي الله عليه وسلم وتنفيذ تعاليم رسالته السمحة قال تعالي, قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم] ولكي نحتفل بمولد النبي الكريم لابد من الالتزام وتطبيق كل ماجاء به والتصدي لكل الدخلاء والعمل علي نشر الوسطية والاعتدال والالتزام بأخلاقه ونفي تهمة الارهاب والتطرف والتشدد عن الدين الذي حمل رسالته ولتطبيق قوله إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. ويقول الدكتور عبدالله محيي الدين عزب أستاذ العقيدة والفلسفة ووكيل كلية أصول الدين بالقاهرة إن ميلاد النبي كان فارقا بين عهدين عهد الظلام والضلال, وعهد النور والهداية, وذلك لأن العالم كان قبل ميلاد النبي في ظلام دامس, فكان العرب يعبدون الأصنام, ويقتلون النفس التي حرم الله قتلها, ويظلم القوي فيهم الضعيف, فالمجتمع في ذلك الوقت كان يشبه الغابة وكانت الحياة الاقتصادية في جزيرة العرب قبل مولده متردية فجزيرة العرب كانت صحراء قاحلة مترامية الأطراف, ليس فيها تجارة ولا زراعة إلا ماكان في اليمن أو في الشام, وقد كانت لقريش رحلتان رحلة الشتاء والصيف.
وأضاف أن الصناعة كانت توكل إلي الخدم وإلي العجم لأن العرب كانوا يرون أن العمل في الصناعة دناءة, وكانت الصناعة محتكرة بين اليهود, وفي ذلك الوقت فشا الربا بين العرب بسبب وجود اليهود الذين كانوا يتعاملون به, ونتيجة لذلك صارت هذه الأمة في ذلك الوقت تابعة لامتبوعة, فكانت تتبع الروم أو الفرس, ومن أجل هذا كله شاءت حكمة المولي عز وجل أن يولد الحبيب لكي توجد أمة متراحمة, أمة تعيش بعدل وكرامة, أمة تنتشر بينها الرحمة والتعاون والتكافل الاجتماعي, يحمل الغني فيها الفقير, ومن أجل هذا ولد النبي وبعث, وحث كل أمته علي العمل في جميع المجالات, وألا يحتقر أحدهم أي مهنة من المهن, فأشاد بالتجارة, وأشاد بالصناعة, فهو القائل إن الله يحب المؤمن المحترف, وأشاد بالزراعة, فقال: ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة, وبإتقان العمل فهو القائل إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه, ورغب في أن يأكل الإنسان من كده وتعبه فقال: ماأكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يديه, وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده كل ذلك من أجل نهضة الأمة اقتصاديا.
وأوضح عزب أن هذا التردي الاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي الذي كان موجودا في العالم قبل ميلاده وبعثته يعد تمهيدات لميلاده حتي يكون الناس في حاجة وتشوق إلي الإمام الهادي, والدستور الذي يقيم العدل بين كل أفراد المجتمع, وبهذا شاءت حكمة الله عز وجل أن يهيئ الساحة لميلاد النبي وكأن مكة كانت علي موعد مع هذا الأمر العظيم الذي سيظل يشرق بنوره علي الكون كله إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها, إنه ميلاد النبي, الذي كان نذيرا بزوال الشرك والظلم, ونشر التوحيد والعدل بين الناس, ودعوته إلي العمل وإلي نهضة الأمة اقتصاديا.
واستطرد وكيل كلية أصول الدين القاهرة: لقد عظم الإسلام من شأن العمل مهما يكن هذا العمل.
واعتبر الإسلام العمل نوعا من أنواع الجهاد في سبيل الله, فقد رأي بعض الصحابة شابا قويا يسرع إلي عمله, فقالوا: لو كان هذا في سبيل الله, فرد عليهم النبي بقوله: لاتقولوا هذا, فإنه إن كان خرج يسعي علي أولاده صغارا فهو في سبيل الله, وإن كان خرج يسعي علي أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله, وإن كان خرج يسعي علي نفسه يعفها فهو في سبيل الله, وإن كان خرج رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان. وألمح د. عزب إلي أنه من بين السلبيات التي تجعل حضارة المجتمع في تراجع, الخيانة في العمل, وعدم الوفاء بأمانة العمل, إما عن طريق أن يسند العمل إلي غير أهله, وإما بإهدار المال العام, وكلاهما أبشع أنواع الخطر علي تقدم المجتمع وحضارته, أما إسناد العمل إلي غير أهله, فيترتب عليه خلخلة المؤسسة أو الادارة, وعدم استقرارها وثباتها, أما إهدار المال العام فإنه يتمثل في صور كثيرة من سوء استخدام صلاحيات البعض, ومن عدم مراقبة الله تعالي فيما يعمل وفيما يأخذ, قال رسول الله من استعملناه علي عمل فرزقناه رزقا, فما أخذ بعد ذلك فهو غلول, وفي رواية أخري: من استعملناه منكم علي عمل فكتمنا مخيطا فما فوقه كان غلولا يأتي به يوم القيامة. واختتم كلامه بقوله: نحن في هذا الوقت تحديدا تحتاج البلاد والعباد إلي الاقتداء بنبيهم حتي تنهض الأمة اقتصاديا كل في مجاله, وفي الختام أسأل الله العلي العظيم أن يجعلنا هداة مقتدين بنبي الرحمة صلي الله عليه وسلم وحفظ الله بلدنا مصر من كل سوء ومكروه وجعلها أمنا أمانا. بينما قال الدكتور علي الله شحاته الجمال إمام وخطيب مسجد السيدة نفيسة إن ميلاد النبي صلي الله عليه وسلم ميلاد أمة كاملة, قال تعالي, هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم] والبعث دليل علي الإحياء بعد الموت, وبميلاده اكتملت مكارم الأخلاق, فبدأ النبي ينمي أخلاق أصحابه مرة عن طريق التحفيز والمنافسة الشريفة ويبدو هذا في قوله( من أصبح منكم اليوم صائما؟, فيقول أبو بكر: أنا, ثم يقول: من تبع منكم اليوم جنازة؟, فيقول أبو بكر أنا, فيقول: من أطعم منكم اليوم مسكينا؟, فيقول أبو بكر: أنا, قال:( فمن عاد منكم اليوم مريضا؟), ثم يختم النبي كلامه ببيان فضل هذه الأعمال, وشرفها, وثوابها, وذلك بقوله( مااجتمعن في امرئ, إلا دخل الجنة), ثم قام بترسيخ الأخلاق الحميدة عن طريق المعالجة, فعالج الحماقة بالحلم وعالج الجهل بالعلم وعالج البذاءة بالذوق الرفيع, ليس هذا فحسب بل كان منهجه في معالجة الأخطاء التصويب قبل النقد والهجوم.
وأضاف تبدو عظمة شخصيته صلي الله عليه وسلم, وهو في أعلي درجات قوته, فإذ به يقف بين الناس خطيبا فيقول: من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليقتص منه, وكذا عندما فتح مكة منتصرا بعد أن طرده أهلها منها فإذ به يقول: اليوم يوم المرحمة, وهذا يدل علي أن تراحم المؤمنين فيما بينهم نابع من رحمته صلي الله عليه وسلم, فهو الرحمة المهداة والنعمة المسداه, وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين],, لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ماعنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم] مشيرا إلي ان من الظواهر السلبية انتشار العنف في المجتمع, وانتشار هذا العنف والقسوة راجع لضعف الإيمان وهنا تبدو الصلة الوثيقة بين الإيمان والرحمة, قال صلي الله عليه وسلم: إن الرحمة لاتنزع إلا من شقي.
وأردف د. الجمال قائلا إنه من هنا استطاع النبي أن يخرج جيلا من الصحابة كانوا عنوانا للرحمة كأبي بكر الصديق, ومنهم من كان شديدا في أمر الله كعمر بن الخطاب, وعثمان رضي الله عنه ضرب به المثل في الحياء, قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: أرحم أمتي بأمتي أبو بكر, وأشدهم في أمر الله عمر, وأصدقهم حياء عثمان, وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب, وأفرضهم زيد بن ثابت, وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ, إلا أن لكل أمة أمينا, وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.
وأوضح أن النبي كان قادرا علي مواجهة وإدارة الأزمات حتي ولو كانت الظروف سيئة, فقد استطاع النبي صلي الله عليه وسلم أن يحول الخسارة إلي مكاسب ومنافع, وذلك عندما نزل قوله تعالي( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس), توقع النبي تحريمها, وعندها نصح الصحابة بقوله: إن الله تعالي يعرض بالخمر, ولعل الله سينزل فيها أمرا فمن كان عنده منها شيء فليبعه ولينتفع به. وذكر أنه لاشك أن رسول الله علم القادة والساسة الاستعداد الصحيح لمواجهة الأعداء, وعدم الاصطدام بالقوي الكبري, والدول العظمي في أحوال الضعف, وذلك عندما قال للصحابة:( اكتبوا لي من تلفظ بالاسلام من الناس), وذلك للاطلاع علي أعداد المسلمين الحقيقية, ومن يصلح للقتال, ومن لايصلح, حتي إذا تمت مواجهة مع الأعداء كان المسلمون علي أتم استعداد. وعندما تحركت قريش لمواجهة المسلمين في بدر, وكان الصحابة قد أمسكوا برجل من قريش عندها سأله النبي عن عددهم, فلم يعطه جوابا شافيا, وعلي الفور سأله النبي سؤالا آخر:( كم ينحرون؟ فقال: عشرا كل يوم ففهم النبي الله صلي الله عليه وسلم أن قريشا في حدود الألف رجل, قائلا: القوم ألف, كل جزور لمائة), وهذا توقع صحيح من النبي صلي الله عليه وسلم بناء علي معرفته بالواقع الذي يعيش فيه. وأضاف أن الإسلام, قد واجه الجريمة قبل وقوعها, وأثناء وقوعها, وبعد وقوعها, فقبل وقوعها نهانا عن اتباع خطوات الشيطان, قال تعالي( ياأيها الذين آمنوا لاتتبعوا خطوات الشيطان), وأثناء وقوعها أمرنا صلي الله عليه وسلم بتغييرها قائلا:( من رأي منكم منكرا فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه), وبعد وقوعها وضع الحدود والعقوبات اللازمة لها, وهذا يدل علي أن الإسلام قد توقع حدوث الجريمة, ومن أجل هذا وضع أمورا للحد منها.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
Facebook تابعنا على