الجمعة 8 من محرم 1439 هــ  29 سبتمبر 2017 | السنة 27 العدد 9651    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:
ماجد منير
هجر المساجد
تحقيق‏:‏ رجب أبو الدهب
29 سبتمبر 2017
كثر الحديث عن تجديد الخطاب الديني سواء من حيث الارتقاء بالدعاة أو الاهتمام بالمساجد وتفعيل دورها المنشود لتحقيق أهداف تجديد أو صياغة الفكر الديني والارتقاء بالأخلاق بين أبناء المجتمع ونشر الصفات الطيبة

 التي جاء بها صلوات الله وسلامه عليه من حسن المعاملة مع الناس كافة, وعدم التعدي عليهم بالقول أو الفعل باعتبار أنها من صفات المسلم لقوله صلي الله عليه وسلم المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده لكن المتأمل في حال المساجد يلاحظ عزوفا عن الذهاب إليها وهو ما قد يفسد خطة تجديد الخطاب الديني إذا لم ينتبه إليها القائمون علي المؤسسات الدينية.
حول أسباب العزوف من جانب بعض المسلمين عن بيوت الله وكيفية علاج هذه المشكلة يقول الدكتور علوي أمين أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر إن انشغال الناس بالحياة ومشكلاتها التي لا تنتهي وسوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية أبعدت الكثيرين عن بيوت الله بالإضافة لما تقوم به وسائل الإعلام من عرض الأعمال الفنية كالمسلسلات في أوقات الصلاة كما يحدث في رمضان مما يصرف الناس عن المساجد فضلا عن أن الخطاب الذي يقدم في المساجد غير صالح مما أدي لعدم إقبال الناس, علاوة علي أن من يذهب للمسجد لا يحتاج للدعوة ولكن الدعوة في الملاهي أفضل من المسجد حيث هؤلاء في حاجة للدعوة أكثر من غيرهم, وعلي المؤسسات الدينية التوجه للأندية ومراكز الشباب ومواقع التجمعات الطلابية فهؤلاء هم من يحتاجون للدعاة لتصحيح أفكارهم التي يحصلون عليها من مواقع السوشيال ميديا وبعض الدعاة المتطرفين. ويتفق الشيخ فكري إسماعيل ـ وكيل وزارة الأوقاف بالإسكندرية ـ مع الدكتور علوي أمين في أن الدنيا ألهت الناس وانتهت بإبعادهم عن المساجد ولكن لأسباب منها بعض التوجهات لدي البعض لفكر معين تؤدي إلي أن رسالة المسجد أصبحت علي غير وجهتها الصحيحة, كما أن بعض التيارات المتباينة في اتجاهاتها دفع البعض للبعد عن مثل هذه المهاترات بالإضافة إلي أن اتخاذ بعض أصحاب الفكر المعوج المساجد لنشر أفكارهم ومحاولة إلزام الناس بها أسهمت في إبعاد الناس أيضا عن المساجد, مشيرا إلي أن استغلال تعليمات الأوقاف في غير موضعها من جانب بعض العاملين في المساجد كغلقها مثلا عقب الصلوات بفترة أثر سلبا علي عملية الاقبال من جانب المصلين علما بأن الواجب يحتم عليهم عدم غلق المسجد أمام من جاء للصلاة, كما أن من أبرز أسباب الاحجام عن دخول المساجد المشاحنات والصراعات بين بعض الناس واستغلال البعض بيوت الله في إثارة مثل هذه الفتن والصراعات في ظل أسلوب الدعوة المعوج من جانب بعض الأئمة لقلة العلم.
ويقول الشيخ محمد الأزهري ـ من علماء وزارة الأوقاف ـ إن من أهم أسباب نفور الناس من المساجد تتمثل في فقد بعض الخطباء الشخصية الكاريزمية والملكة التي تستطيع أن تجذب الناس إليه, ومع هذا فإن الأمر ليس فقط فطرة يعجز الفرد عن اكتسابها إن حرم منها, فمن لم يكن يملك هذه الشخصية وهذه الموهبة يسهل عليه أن يتمثل. ويتشبه بمن يملكونها, ويتبع طريقتهم, بشرط أن يعزم علي أن يكون لنفسه شخصية مستقلة بالتدريج, وإلا عاش في جلباب من يقلده أبد الدهر وصار نسخة مشوهة منه, لا يعرفه الناس باسمه ولا بطريقته, ولكن يعرفونه دائما منسوبا لمن يقلده كما أن هناك أمورا ومهارات أخري مكتسبة لو اتصف بها الخطيب فإنها تعوض ـ نسبيا ـ النقص عنده في الموهبة كالثقافة الدينية والحياتية, وسعة الاطلاع, وسلامة اللغة, وحسن الأداء كما أن مما ينفر الناس من الخطيب أمور شكلية تتعلق بمظهره وطريقة أدائه, وهي مهمة ولا شك, إلا أن ما أريد التركيز عليه هنا هو ما يتعلق بمحتوي الخطبة كعدم التوفيق في اختيار الموضوع عندما لا ينظر إلي واقع الناس وما يهتمون به ويشغلهم, وهذا لا يعني إهمال ما يراه الداعية واجبا في الحديث عنه لحساب ما يريده الناس, ولكن يجب أن يحقق الداعية التوازن بين ما يريد أن يربي عليه مستمعيه, وبين احتياجاتهم ورغباتهم, وهذا لن يحدث إلا إذا درس الخطيب جمهوره وتعرف علي احتياجاته, وحاول الدخول بذكاء لما يريده عن طريق تلك الاحتياجات والاهتمامات, ولا شك أن نقد الأوضاع الخاطئة علي المستوي الأخلاقي أو الاجتماعي أو السياسي, هو من مهام الخطيب الرئيسة, علي أن يكون هذا النقد موضوعيا متضمنا حلولا واقعية ممكنة, وواجبات عملية يستطيع الناس الخروج بها من المسجد والقيام بها في حياتهم, أما أن يصعد الخطيب المنبر فيظل من أول الخطبة إلي آخرها يصرخ في الناس ناقدا ومعيبا ومجرحا وشاكيا, دون أن يفتح أمامهم بصيصا من الأمل أو بابا من العمل لإصلاح ما ينقده, فهذا مما يكرس اليأس في القلوب, ويزرع الضيق في الصدور, ويزيد الناس آلاما فوق آلامهم ويسهم في تنفيرهم عن المساجد, ويجب علي الدعاة توعية الناس بما يحيط بهم من فساد, ولكن بشكل يساعدهم علي أن يقوموا بأدوار إيجابية في طريق إصلاح هذا الفساد. ولكي يقوم الخطيب بهذا الدور بشكل صحيح يجب أن يكون لديه اطلاع واع علي الواقع, ورؤية استشرافية للمستقبل, وتصور واضح ومنهجي للإصلاح, يستطيع من خلالها إرشاد الناس وتوجيههم, كما أن عدم تحضير الخطبة أو عدم التحضير مطلقا, فتجد الخطيب يصعد إلي المنبر معتمدا علي ذاكرته, فيتحدث في موضوع ثم يعرج علي آخر لا صلة له بالأول, يصعد جبالا ويهبط أودية, يروي الأحاديث بالمعاني, ويذهب بالناس يمينا ويسارا, كسفينة فقدت مسارها وتتقاذفها الأمواج, فتشتت عقول الناس, وتلهث أفهامهم, ويضيع تركيزهم بين المنثورات, ويخرجون من المسجد كما دخلوا... ومن واجب الداعية أن يقدر الرسالة التي يقوم بها, ويحترم المكان الذي يتصدره, وعليه أيضا أن يحترم مستمعيه بالتحضير الجيد للخطبة من حيث موضوعها ومبناها وأدلتها وشواهدها, لتخرج الخطبة كثوب قشيب, متسقة ألوانه متكاملة أجزاؤه بعيدا عن الإطالة حيث كان من هديه صلي الله عليه وسلم تقصير الخطبة وعدم الإطالة إلا في النادر ولأسباب تستدعي ذلك, فقد روي أن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلي الله عليه وسلم لا يطيل الموعظة يوم الجمعة, إنما هن كلمات يسيرات. وروي الشيخان أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان يذكر الناس في كل خميس, فقال له رجل, يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذكرتنا كل يوم, فقال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم, وإني أتخولكم بالموعظة كما كان النبي صلي الله عليه وسلم: يقصر في خطبته أحيانا, ويطيلها أحيانا بحسب حاجة الناس, وكانت خطبته العارضة أطول من خطبته الراتبة. كما أنكر صلي الله عليه وسلم الإطالة لما روي أن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله, لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان, فما رأيت النبي صلي الله عليه وسلم في موعظة أشد غضبا من يومئذ, فقال: أيها الناس, إنكم منفرون, فمن صلي بالناس فليخفف, فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
Facebook تابعنا على