الجمعة 24 من ذو الحجة 1438 هــ  15 سبتمبر 2017 | السنة 27 العدد 9637    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:
ماجد منير
الإسلام‏..‏ دين العمل والإتقان
علي حافظ
15 سبتمبر 2017
الإسلام دين يقدر العمل ويحث عليه ويحض علي الإتقان والتفاني في العمل‏,‏ خاصة في مثل هذه الظروف التي تمر بها البلاد‏,‏ حيث تتربص بها القوي الإقليمية

 والدولية لسلبها مكانتها وتفتيتها وإعادة رسم خريطتها, وتتآمر مع هذه القوي بعض الجماعات والأفراد داخليا لتحقيق مصالحهم الشخصية حتي ولو كانت النتيجة هدم الدولة, من هنا تأتي أهمية استلهام قيمة العمل والجد التي يحث عليها الإسلام, ويدعو إليها, حيث لا يكتمل الدين إلا بالعمل الصالح المفيد, فالمولي عز وجل دائما يقرن الإيمان بالعمل, والمسلم القوي المنتج خير وأحب إلي الله من المسلم الضعيف العالة علي غيره.
ويقول عبدالله القاضي, الباحث الشرعي: إن للإسلام أسلوبه الخاص في مواجهة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية, وذلك بإعلائه من قيمة العمل في شتي سبل الكسب المباحة باعتباره قوام الحياة يا أيها الإنسان إنك كادح إلي ربك كدحا فملاقيه, الإنشقاق:6] وقد كفل الإسلام للإنسان حقه في العمل في أي ميدان يشاؤه ولم يقيده إلا في نطاق تضاربه مع أهدافه, أو تعارضه مع مصلحة الجماعة, سواء أكان العمل يدويا أم ذهنيا, ولذلك اعتبر الإسلام العمل نوعا من الجهاد في سبيل الله يقول( صلي الله عليه وسلم): إن كان خرج يسعي علي ولده صغارا فهو في سبيل الله, وإن كان خرج يسعي علي أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل اله, وإن كان يسعي علي نفسه يعفها فهو في سبيل الله وقال أيضا من أمسي كالا من عمل يديه أمسي مغفورا له ولم يقصر الإسلام دعوته إلي العمل علي وقت الحاجة فحسب, بل دعا إليه كل ذي قدرة ولو كان ملكا, وقد ثبت في الحديث أن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن نبي الله داوود كان يأكل من كسب يده, وداوود عليه السلام كان ملكا قال تعالي: وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون, الأنبياء:80] والنصوص والأدلة في ذلك السياق كثيرة. ومواجهة مشكلة الفقر في الإسلام تقوم علي عدة أسس منها: تمكين كل قادر علي العمل أن يعمل, وهذا واجب من واجبات الدولة, أن تتيح الفرصة لكل ذي موهبة وقدرة من الانتفاع بموهبته وقدرته, وفي المقابل يحق لها أن تتخذ ما تراه من إجراءات في سبيل تمكين الناس من أداء أعمالهم, ففي الإسلام لا يوجد مبرر لترك العمل إلا بسبب عجز من شيخوخة أو مرض أو صغر أو نحو ذلك, وحينئذ فإن الإسلام يكفل لهم حياة كريمة عن طريق عدة مصادر كالزكاة, والصدقات والكفارات, ونحو ذلك من صور التكافل الاجتماعي, لكن أن يعطينا الله عز وجل القدرة علي العمل ثم نعطل هذه القدرة تحت أي مسمي فلا شك أنه خروج عن النهج القويم وليس له سند شرعي.
ويقول د. مهدي عبدالعزيز, أستاذ الحديث وعلومه بجامعة المدينة المنورة إن الاستهانة بالعمل من أسباب التخلف في المجتمعات الإسلامية, وغياب قيمة الإتقان كظاهرة سلوكية لدي بعض الأفراد والجماعات, وانتشار الصفات المناقضة للإتقان كالفوضي والتسيب وفقدان النظام واللامبالاة بقيمة الوقت, فديننا يدعونا إلي العمل ففي آيات كثيرة من كتاب الله نجد الأمر الإلهي بالعمل وقل اعملوا, وكذلك تحثنا الأحاديث النبوية علي العمل وإتقانه ومنها قوله صلي الله عليه وسلم: إن الله يجب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه وفي رواية: إن الله يحب من العامل إذا عمل عملا أن يحسن, وفي الحديث الذي رواه مسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها, قالت: وكان النبي صلي الله عليه وسلم إذا عمل أثبته, قال المناوي في فيض القدير: أي أحكم عمله.
وإتقان العمل في المفهوم الإسلامي ليس هدفا سلوكيا فحسب, بل هو ظاهرة حضارية تؤدي إلي الرقي الإنساني, وتقوم عليه الحضارات, ويعمر به الكون, ثم هو قبل ذلك كله هدف من أهداف الدين, ومن هنا كان تأكيد القرآن الكريم علي الارتقاء بالعمل إلي مستوي الإتقان, وليس مجرد أداء العمل, يقول تعالي: إنا جعلنا ما علي الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا, الكهف:7].
فالمطلوب أن يؤدي كل واحد منا عمله ليس كالمعتاد, ولكن أكثر إتقانا, لتعويض ما فقدته البلد خلال الفترة الماضية, وليكن شعارنا: نعم للعمل ولا للبطالة, نعم لإتقان العمل ولا للتهاون بالعمل, نعم للريادة بالعمل ولا للفوضي والبطالة.
ويقول الشيخ عبدالمنجي مدين الخطيب بالأوقاف: لا شك أن الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها مصر تحتم علينا أن نذكر بقيمة العمل وإتقانه, فالبلد الآن في حاجة للعمل الجاد المتواصل ليتخطي الظروف الاقتصادية الراهنة, وليحقق مستقبلا أفضل, فالشعوب المتقدمة هي التي قدرت قيمة العمل, وقد سمعنا عن التجربة الماليزية وغيرها, ونريد أن نري العالم التجربة المصرية, وأن تكون تجربة رائدة, نموذجا للدول التي تريد أن تنهض من عثرتها, فما أحوجنا في هذه المرحلة إلي العمل والبناء والسعي المتواصل! فالنهضة الحقيقية تبدأ من العمل والفعل وليس القول, والإسلام رفع من منزلة العمل, ونهي عن البطالة, وحذر منها, وليس أدل علي ذلك من أن الله تبارك وتعالي تحدث عن العمل ومشتقاته في القرآن أكثر من ثلاثمائة مرة, فهذا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يسأل معاذ بن جبل: أحص لي كم مرة ذكر العمل في القرآن؟ فيرد معاذ: أكثر من300 مرة يا أمير المؤمنين, فيرد عمر: أخطب بين الناس, وذكرهم أن العمل ذكر أكثر من300 مرة. وهذا يشعرنا بأهمية ومكانة العمل في الإسلام.
والنبي صلي الله عليه وسلم ـ يتباهي بكف سعد بن معاذ عندما صافحه, ووجد في كفه خشونة, وعلم أن ذلك من أثر العمل, فقال له الرسول ـ صلي الله عليه وسلم: كفان يحبهما الله تعالي.
فالإسلام يحض علي العمل, ويحث علي السعي والكسب, ولذلك قال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده, وإن نبي الله داوود ـ عليه السلام ـ كان يأكل من عمله يده. ولم يكتف الإسلام بالحض علي العمل, بل أمرنا بإتقانه, فقال صلي الله عليه وسلم: إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه.
فالعامل المتقن هو الحاذق لصنعته وحرفته, والذي يقوم بما يسند إليه من أعمال ووظائف بإحكام وإجادة تامة, وما أحوجنا في هذه الأيام إلي هذه النوعية من العمال والموظفين المخلصين المتقنين لأعمالهم, لكي تنهض مصر من كبوتها!
 

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
Facebook تابعنا على