الثلاثاء 21 من ذو الحجة 1438 هــ  12 سبتمبر 2017 | السنة 27 العدد 9634    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:
ماجد منير
أزمة الثقافة‏..‏ عارضة أم مزمنة؟ ‏2-1‏
أعد الملف‏:‏ عبد السلام فاروق ــ ياسين غلاب
12 سبتمبر 2017
منذ أن أصدر طه حسين كتابه مستقبل الثقافة في مصر قبل نحو‏80‏ عاما‏,‏ ولا يزال البحث عنه جاريا‏,‏ هذا علي الرغم من وجود عشرات أو مئات الأفكار الجادة والمقترحات والدراسات والخطط والإستراتيجيات الطموحة التي قدمتها مختلف الأجيال والتخصصات إلا أن المحصلة النهائية تبدو مؤلمة وصادمة‏,‏ خصوصا فيما يتعلق بقدرة هذه الثقافة علي مجابهة الأفكار الظلامية والتكفيرية‏,‏ ناهيك عن نشر ثقافة التسامح والأنوار والمدنية والتقدم‏.‏

طرحت الأهرام المسائي هذه التساؤلات علي16 كاتبا وأديبا ينتمون إلي أجيال مختلفة وتخصصات متعددة حول أزمة الثقافة وهل هي أزمة عارضة أم مزمنة؟ وما هي التحديات والمشكلات التي تعوقها عن القيام بدورها, وكيف يمكن تنميتها والاستفادة منها باعتبارها القوة الناعمة القادرة علي حسم العديد من القضايا والمشاغل الوطنية, كما كان الحال في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين من خلال تبني حلول عملية قابلة للتطبيق والتنفيذ.

المدهش أن إجابات هذه النخبة المثقفة حملت مقترحات وأفكارا. ربما تصلح كورقة عمل أو بداية طريق أو كما يقال طرف خيط لبدء حوار مجتمعي فعال وحقيقي يحل أزمة الثقافة من جذورها, ويعيد توجيه بوصلتها إلي الطريق السليم من أجل بناء حاضر قوي ومستقبل واعد.

السيد حافظ: فاروق حسني كلف لويس عوض بوضع استراتيجية.. لكن من قال إن فردا واحدا يستطيع ذلك؟
بلد الحضارة والتاريخ بلا استراتيجية ثقافية

في البداية أكد الكاتب المسرحي السيد حافظ أن مصر بلد الحضارة والتاريخ ولكنها بلا بطاقة شخصية ثقافية والمحزن أنها تعيش منذ أكثر من قرنين بلا أي إستراتيجيه ثقافية وقد كان التيار الثقافي في مصر يعج بشخصيات عربية مختلفة تتصارع نحو قيم إسلامية أو عروبية أو مقاومة للاحتلال الإنجليزي أو الفرنسي أو الإيطالي في مصر وغيرها من الأمصار العربية والإسلامية, فكانت ثقافتنا لكل العرب ثم جاءت ثورة يوليو فكان الهدف تمجيد التيار القومي العربي الناصري بغية تحقيق الوحدة لكن لم يوضع له أي إستراتيجية غير شعار, والشعارات لا تبني شعوبـا ولا تيارا ثقافيا, بالإضافة إلي وجود الأمية الأبجدية والثقافية, مما أربك المشهد والمهتمين في الحركة الثقافية.

وأضاف: بعد موت عبد الناصر خلعت الشعارات القومية من الشوارع والمباني ومن المؤسسات مما أدي إلي انتشار الفوضي بغية البحث عن هوية هل نحن عرب أم فراعنة؟.. أم هل نحن أفارقة أم بحر متوسط؟.. هل نحن مسلمون أي دولة دينية أم نحن علمانيون؟.. أسئلة لم يجب عليها لا المثقف ولا السياسي فارتبك الاثنان ثم تولي العمل الثقافي فاروق حسني الذي اهتم باحتواء المثقف وبناء القاعات والمسارح ونسي بناء الإنسان, وبناء وتطوير المثقف لأن الثقافة بناء وليست صدفة فالثقافة تراكمية وليست عشوائية أو غوغائية..

وأوضح أنه بعد ثورة25 يناير اكتشف الشعب والمسئولون أننا بلد بلا إستراتيجية, والسؤال ألم يدرك فاروق حسني أننا دولة بلا إستراتيجية؟ بلي أدرك وكلف الدكتور لويس عوض بعمل استراتيجية ثقافية لوزارة الثقافة ولكن هل يضعها شخص واحد؟ هل تتخيل أن الدول العربية كلها ما عدا تونس بلا إستراتيجية ثقافية ثم كيف تضع إستراتيجية وأنت لا تعرف مكوناتك الثقافية وتكوين شعبك, فنحن شعب يختلف عن الشعوب الأخري, فهذا الشعب يتكون من حضارات وجنسيات, لذلك لا بد أن تعترف بصراحة وبوضوح كم عدد المسيحيين في مصر وكم عدد الشيعة وكم عدد الملحدين والبهائيين والتيارات الإسلامية؟

وأضاف أن كل هذه الأسئلة مهمة والإجابة أهم, لأننا لو اعترفنا ببعض سنضع إستراتيجية وسنبني مصر الثقافية.. إن أكبر دور النشر في مصر تطبع لأكبر كاتب في مصر300 نسخة فقط وتدعي أنها تطبع20 ألفا أو30 ألفا وهي كاذبة, وما دمت تكذب علي نفسك فلن تبني شعبا ثقافيا والحل..
أولا استخدام كل المدراس الخاصة والعامة والجامعات في محو أمية المصريين التي تزيد يوما بعد يوم. ثانيا إعادة هيكلة التعليم وتقديم أساتذة الجامعات للاختبار مرة أخري في الإملاء والنسخ والمعلومات لأننا نحتاج لأن نكون حقيقيين من المعلم حتي التلميذ. الأمر الثالث دعم الدولة للكتاب مثل الستينيات أن تطبع الدولة في كل يوم كتابا بسعر زهيد جدا خاصة كتب الأطفال والمدارس تحتاج لمثل هذه النوعية من الكتب التربوية والثقافية.

وزارة الثقافة.. إلي أين؟
قال الكاتب محمد السيد عيد وكيل وزارة الثقافة السابق إن مشكلة وزارة الثقافة الآن أنها وزارة بلا رؤية, وبلا دور. المجتمع المصري يواجه تطرفا فكريا وإرهابا مسلحا, والوزارة والمؤسسات الثقافية ليسوا هنا. والمثل الواضح علي عدم وجود رؤية هو ما يحدث في هيئة قصور الثقافة, هذه الهيئة التي تمتلك أكثر من خمسمائة وخمسين موقعا تنتشر في طول البلاد وعرضها, أغلب الوقت كانت إما بدون رئيس, أو لها رئيس لا يصلح, ويقوم بتجميد الأنشطة وتجريف القيادات, أو رئيس يتغير كل عدة شهور فيما يشبه الكراسي الموسيقية.

وأضاف أن النهوض بالوزارة لا يحتاج لمعجزة, بل يحتاج أولا لوزير صاحب رؤية, وزير معجون بالعمل الثقافي, ولديه القدرة علي الحلم بالمستقبل وهذا الوزير يحتاج إلي خطتين للعمل, خطة عاجلة لتحريك المياه الراكدة, ومواجهة التطرف الفكري, وفضح الإرهاب, وأخري طويلة المدي للعمل الثقافي ككل, فدون خطة سيظل العمل عشوائيا يتغير من مسئول لآخر طبقا للأهواء.

وأشار إلي أن البلد يحتاج أيضا لقيادات مثقفة, موهوبة, لديها القدرة علي الإدارة, ومصر لديها عناصر بشرية ممتازة. ولا مانع من تعيين بعض العناصر القيادية بأجور خاصة في المواقع ذات الأهمية ولا يخفي علينا أن التعيين في عصر الرئيس الأسبق حسني مبارك كان يتم بالواسطة, عن طريق نواب البرلمان غالبا, ولم تكن معظم العناصر لها علاقة بالثقافة. لذلك علينا تدارك هذا الخطأ بالاستعانة بقيادات قادرة علي الفعل والابتكار. بعد هذا سيسير العمل بطريقة تلقائية.

وأري أن هيئة الكتاب يجب أن تتبني المشروعات الكبري مثل: ترجمة الموسوعات الشهيرة, وتأليف الموسوعات عن الثقافة والحياة في مصر الفرعونية, والحضارة والإسلامية والعربية والجوانب المختلفة في مصر الحديثة والمعاصرة. وعلي سبيل المثال كانت الهيئة تعتزم إصدار موسوعة عن أعلام الفكر الإنساني, وأصدرت فعلا حرفي الألف والباء ثم توقفت. ألا يجدر بها أن تستكمل ما بدأته؟ ولا بأس من استخدام فائض الطاقة الطباعية للهيئة- إن وجدت- في الطباعة بالأجر للغير, لعل ذلك يخفف من عبء الاعتماد علي ميزانية الحكومة.

إنه زمن الحرب الثقافية
وقال الدكتور سيد قنديل عميد كلية الفنون الجميلة السابق إن أهم مصدر أو رافد للثقافة هو التعليم خاصة في المرحلة الابتدائية الذي لا يفعل فيه تعليم الموسيقي والفنون ومواد القراءة والتعبير ناهيك عن الزحام في المدارس ولا يخرج لنا إلا تلميذا ضعيفا في اللغة العربية. وثاني هذه المصادر الأماكن التي تستقبل المثقفين وتبرزهم وهي في الغالب معطلة ومهجورة ولا أحد يذهب إليها, أما ثالث هذه الروافد هي المكتبات العامة التي لا أحد يدخلها أما رابعها فهي الميديا التي لا توجد فيها مساحة لفعل ثقافي فاختفت فيها البرامج الثقافية مثل نادي السينما والأوبرا والفنون التشكيلية والبرامج الحوارية التثقيفية, كما لا توجد مساحات كافية لطرح قضاياها في الجرائد والمجلات وإذا طرحت فبشكل مختصر ومختزل.

وأضاف: ولذلك ينبغي إعادة الأدوات الثقافية للتعليم الأساسي مثل حصص الموسيقي والتربية الفنية والخطابة والشعر والقصة والمسابقات ومسرح المدرسة. وينبغي أيضا أن تتم تنشئة الطفل علي مراكز الشباب والتي يجب أن تفتح علي مصراعيها لاستقبالهم, بل من نافلة القول إن أقل دولة في العالم ينبغي أن تحترم الطالب والأستاذ ويعطي لهم بطاقات مجانية في السياحة والآثار وكل متاحف الدولة المختلفة, وبرأيي فعلي الأقل أن يعطي الطفل أو الطالب يوما مجانيا أو يومين في كل شهر, بل لا أبالغ وأقول إنه ينبغي ذلك لأي مواطن لزيارة معالم بلده الثقافية. ومن أهم الأشياء التي ينبغي أن نراعيها هو معيار قبول الطلاب في الجامعة الذي يجب أن يكون المهارة والموهبة.

وتابع: لدينا المئات من قصور الثقافة التي عندما خربناها وعطلناها, ظهرت زاويا غير مشروعة تلقفت شبابنا وحولتهم للتطرف والإرهاب فيما كانت نخبتنا الثقافية منعزلة لا تتحدث إلا لنفسها ولا تبدع إلا لنفسها وتكونت لغة جديدة بين المثقفين وأصبحوا خارج المجتمع. مبينا أن ما يحدث من مشكلات في مصر هي نتيجة لغياب المثقفين وفي جزء كبير منها مسئوليتهم.

وأوضح أنه من المشكلات الكبري التي تتعرض لها الثقافة في بلادنا هي أن الأشخاص الذين يتولون إدارة المسئوليات الثقافية والعاملين بها غير جديرين بها, فغاب مبدع الأقاليم ولم نجد من يبحث عنه ويكتشفه. مشيرا إلي أنه عندما تم تشكيل المجلس الأعلي للإعلام تفاءلنا خيرا لكننا إلي الآن لم نجد التزامات فرضها علي المؤسسات الإعلامية لتصحيح الأوضاع الثقافية والخلل الموجود بها, وإذا لم نتمكن من اللحاق بأنفسنا فلن تكون لنا ريادة مرة أخري وسنفقد كل أدواتنا إذا ما استمرينا في تعطيل كل المنابر الثقافية التي تجذب المواطن وتتفاعل معه.

وأشار إلي أن أقسي حرب تشن علي المنطقة الآن هي الحرب الثقافية بلا شك وهي الوحيدة المستمرة دون انقطاع تستخدم كل الأدوات والوسائل وآخرها الإرهاب والتي تمكنت من تدميرنا ونحن غافلون عنها.

وقال الدكتور سيد قنديل إنه إذا كنا جادين في استعادة الثقافة وتصحيح مسارها يجب تصحيح أفعالنا الثقافية وهي مقدمة علي الغذاء والدواء لكي نستعيد أمننا القومي بشكل حقيقي فلنقم برحلات ثقافية لطلابنا وتلاميذنا إلي معالمنا الثقافية ولتكن حتي في صورة منح دراسية.

وأوضح أن التبرع للثقافة واجب الوقت لأن هجرة ثقافتنا هي هجرة للغتنا وفهمنا ووعينا للتحديات التي حولنا, واختفت مسابقاتنا الثقافية فرأينا بلادا شقيقة تقوم بهذا الدور لنا, وهنا أتساءل أينا دور رجال الأعمال وأين هم من تبني المواهب ورعايتها, أين نحن من العصر الذي بني فيه متحف محمود خليل الذي ساهم فيه رجال أعمال, وأين دور القطاع الخاص من تشجيع المؤسسات الثقافية ودعمها, فقد أصبح القطاع الخاص خاصة الذي يعمل في الاستثمار في المؤسسات التعليمية الخاصة لا هم له إلا جني الفلوس من جيوب المواطنين, هل قاموا ولو مرة واحدة بعمل مسابقات للتعريف برموز الأمة الثقافية؟

 هل قاموا بعمل دوري للتلاميذ بين المدارس علي مستوي المحافظات؟, هل قاموا بدعم أي مؤسسات ثقافية في الصعيد؟
وقال الدكتور سيد قنديل: إننا أمام مشكلة كبري وتحد عظيم يواجه الأمة المصرية وما لم نفعل ذلك فلن نستعيد ذاتنا ولا شبابنا وسيفقدون الانتماء. لقد كانت خطوة ناجحة إنشاء بنك المعرفة لكن ينبغي أن ندعمه ونطوره لكي يغطي الوطن بأكمله, ولم نجد من وزارة الثقافة ولا مؤسسات الصحافة والإعلام خاصة المؤسسات الخاصة منها إلا التخصص في الهدم وافتعال المشاجرات, ونحن لا نقول كلاما مرسلا, ففي دولة أوروبية قريبة منها هي إيطاليا, نجد أن القطاع الخاص يساهم في بناء المتاحف وإدارتها ورعايتها ونشر ثقافتها بين المواطنين. وإن من أهم الأمور التي ينبغي أن تشغل بالنا في الوقت الحالي وبسرعة هو إعادة هيكلة الموظفين العاملين في مؤسساتنا وتأهيلهم ثقافيا فهم يمارسون فعلا لا يعرفونه.

مفترق طرق
وقال الدكتور سيد خطاب رئيس هيئة قصور الثقافة الأسبق إن الإجابة علي سؤالك شديد الصعوبة وأجد نفسي أمام محاور أساسية أولها: ثقافة الدولة الوطنية وفيه أري أن الثقافة المصرية مرت بمراحل مختلفة تعددت فيها دوائر الاهتمام الثقافية القومي منها أو العروبي ودائرة الثقافة الإسلامية والدائرة البحر متوسطية والدائرة الإفريقية, وجميع هذه الدوائر تتقاطع رأسيا علي امتداد زمني يتجاوز السبعة آلاف عام عليها أن تتوقف في هذه المرحلة التأسيسية أمام جوهر الصراع بين هذه الدوائر لتؤكد أن ثقافة الدولة الوطنية هي العماد الأساسي الذي يجب أن تتمحور حوله هذه الدوائر المتقاطعة رأسيا وأفقيا وأن نعترف جميعا أن السنوات التي غلبنا فيها إحدي هذه الدوائر علي الأخريات

قد نالت من جوهر الثقافة الوطنية, وأننا نحتاج إلي مرحلة تأسيسية لثقافة الدولة الوطنية الحديثة, التي قوامها التعدد اللوني لمجموع الألوان الثقافية المنتشرة علي كامل التراب الوطني وهي بالأساس دولة مدنية دستورية ديمقراطية حديثة قوامها القانون لتحقيق العدل والمساواة بين جميع أبناء الوطن.

وأضاف أن مرحلة إعادة البناء هذه لا تهمل بالضرورة قوانين الحركه الدائمة في زمن سريع التغير لن يتوقف حتي نقوم بإعادة البناء وخاصة والعالم في خضم الدهشة والرعب من الثورة الرقمية التي لا تدع للإنسان الفرصة للتأمل والتفكير من فرط السرعة في التغيير الذي تتجسد فيه الأفكار والأحلام إلي واقع تقني وعملي في فمتو ثانية.

وأوضح أن المحور الثاني: وهو ألوان مصرية ويهدف إلي تحويل هذه الرؤية الثقافية إلي برامج عملية علي أرض الواقع لكي تتخلص الثقافة المصرية من مشكلاتها المتمثلة في عزلة المثقف عن الفعل في الواقع نتيجة انشغال المثقف والمبدع بمشكلة التقنية والأسلوب علي حساب الاتصال بالمجتمع وقضاياه; هذه العزلة التي أفقدته القدرة علي التأثير في واقعه ولذلك ظل المنتج الإبداعي ينتج ويقدم الي جماعة المبدعين فانغلقت الدائرة الثقافية

وفقدت جمهورها الطبيعي وحوصرت ولم تستطع أن تكتشف أدوات جديدة للاتصال بالجمهور لذلك فإن مشروع( ثقافة بلا جدران) مثلا يستهدف إقامة العروض المسرحية في الفضاءات المفتوحة وتجمعات الناس في أي مكان بعيدا عن الأماكن المغلقة وأن ينزل الشعراء والمغنين إلي الجمهور في أي مكان( طابور الصباح- الساحات الشعبية-المقاهي-النوادي- مراكز الشباب- وغيرها) وهي أساليب شعبية وتتفاعل معها الحداثة وما بعدها وبذلك يحدث اتصال المبدع بجمهوره ويسهل التأثير والتأثر.

ويضيف الدكتور سيد خطاب أنه من المحزن أن وزارة الثقافة مقصرة في العالم الافتراضي حتي الآن ولم يستطع أحد أن يقيم منصة افتراضية للتحاور مع العالم الخارجي أو يستفيد من التطور التكنولوجي الكبير في العصر الرقمي للتأثير في العالم والمادة الإبداعية متوافرة وموجودة وظلت جهود فردية متناثرة وضعيفة الأثر.

وأكد أن الثقافة المصرية غنية وتملك مقومات أن تكون رافد اقتصاديا كبيرا من أهم موارد الدولة والاهتمام بالصناعة الثقافية محدود للغاية حتي أن فكرة النظر إلي الثقافة نظرة اقتصادية يواجه بالاستهزاء والاستهجان علما بأن الثقافة في كل أنحاء العالم هي منتج يمثل قيمة مضافة يقدمها المبدعون في أي مجتمع وفي أي فترة زمنية فالسينما منتج عالي القيمة وسبل تسوية متعددة ومتطورة وهي الآن تدخل إلي العصر الرقمي بوجه جديد في الإنتاج وآليات التوزيع والتسويق وكذلك( الحرف التراثية والفيديو والمسرح والموسيقي والفنون الشعبية وغيرها من أشكال الإبداع الفني التي تمثل الآن أدوات الغزو الثقافي للقوي الكبري وفي الوقت نفسه تمثل رافدا أساسيا من الروافد الاقتصادية.

وأضاف أن الثقافة المصرية لكونها فجر الضمير الإنساني ومهدا للحضارة الإنسانية وأول من علم العالم كله أن يكون مبدعا في كل المجالات تستطيع وفي زمن قياسي أن تعود لدورها في عالمها بدوائره المتقاطعة عربيا وإفريقيا ومتوسطيا لأن المنتج الإبداعي المصري هو المنتج الأهم الذي يمكن أن نضع عليه صنع في مصر وهو المنتج الذي يستطيع المبدع المصري أن يقول للعالم كلمته وإذا نظرنا الي السنوات القليلة الماضية لوجدنا المثقف المصري وهو يتحرك لحماية الدولة المدنية الحديثة من دعاوي التخلف والرجعية فكان في طليعة الوطن وهو يتحرك قبل الثلاثين من يونيو ليحمي مكتسبات الحداثة ويؤكد أن الهوية الثقافية المصرية في مفترق طرق.

دعم الدولة في حربها ضد الإرهاب
وقالت الدكتورة هويدا صالح: إنه في الوقت الذي تحارب فيه الدولة الإرهاب والأفكار المتطرفة, وتدعو إلي تجديد الخطاب الديني وتنقيته من الأفكار العنصرية والطائفية والتي يستند إليها الإرهابيون كمرجعية فكرية في ارتكاب جرائمهم ضد مواطني الوطن, مدنيين وعسكريين تخرج دعوات مغرضة تطالب بتفكيك وزارة الثقافة أو نقل الهيئة العامة لقصور الثقافة( الثقافة الجماهيرية) إلي وزارة التنمية المحلية, وتعلو الأصوات باتهامات للمثقفين أنهم لا يؤثرون في الشارع ولا يقودون الجماهير.

وأوضحت أنه بقليل من التأمل والتوقف أمام هذا المشهد برمته, نجد أن الدولة في محاولاتها لتجديد الخطاب الديني لم تهتم بتجديد الخطاب الثقافي, فلا معني مطلقا أن نطلق دعوات التجديد للخطاب الديني دون الاشتغال علي ثقافة القاعدة العريضة من المصريين الذين يجب أن يتخلصوا من مقولاتهم العنصرية والطائفية والتي تنال من الآخر, وتقلل من شأنه, وتتحيز ضده.

وأضافت أنه لا يكفي أن تتخذ الدولة قرارات بشأن إنصاف المسيحيين المصريين مثلا والجماهير الغفيرة من الشعب لا تؤمن بمساواة المسلم والمسيحي, ولا تعتبر أن المسيحي شريك وطن وأخ وواحد من المكونات الثقافية التي تكون المجتمع المصري مثلهم مثل المسلمين. وحدها الثقافة هي القادرة علي القضاء علي مجموعة الأفكار العنصرية والطائفية التي تنال من شريك الوطن. مشيرة إلي أن الثقافة وحدها قادرة عبر الفن والأدب علي تنقية الخطاب الثقافي الشعبي من تلك المقولات, بجانب طبعا تنقية التراث من الأفكار الراديكالية الماضوية التي تحرم وتقصي وتنال من الآخر المشارك في الوطن.

ربما ما يمكن أن تقدمه مسرحية يفوق كثيرا مئات الخطب والمواعظ التي يمكن أن يقدمها مجموعة الشيوخ وإن تبنوا خطابا دينيا تنويريا. وما يتركه عمل موسيقي أو سينمائي أو تشكيلي في نفوس الناس يفوق مئات الخطابات الوعظية, فالأثر الذي يتركه الفن أو تتركه الثقافة أعمق كثيرا ويساعد الناس علي نزع أفكار الكراهية والدونية والإقصاء.

آليات الوزارة في تجديد الخطاب الديني
وأوضحت الدكتورة هويدا صالح أن وزارة الثقافة تمتلك آليات إجرائية يمكن أن تساعد الدولة في حبها ضد الإرهاب والأفكار المتطرفة, وحدها الثقافة تملك بيوت وقصور ثقافة في طول مصر وعرضها يمكن أن تصبح أذرع الدولة لمكافحة الإرهاب وليس الإرهابيين, فلا يكفي الحل الأمني للقضاء علي الإرهابيين; لأنهم يتناسلون بشكل عنقودي, ولن نقضي عليهم ولو اجتهدنا دون أن نقاوم أفكارهم بالفن والأدب, فالأفكار المتطرفة تنتشر انتشار النار في الهشيم, ومواقع الإنترنت تساعد الإرهابيين علي اجتذاب عناصر جديدة بشكل يومي, بل علي مدار الساعة, فمهما قاومناهم أمنيا, لن نتمكن من اقتلاع جذورهم إلا بخطاب ثقافي مستنير, هذا لن يتم إلا عن طريق تفعيل دور مؤسسات الدولة الثقافية. وأخيرا ماذا لو لم تعتبر الدولة الثقافة وزارة خدمات تقدم خدمة للمواطنين وأنها عالة علي بقية وزارات الدولة؟

وأوضحت أنه في الوقت الذي تحارب فيه مصر الإرهاب يجب أن تصبح الثقافة والتعليم وزارتين سياديتين لا تقلان أهمية عن غيرهما فلسنا وزارة خدمات, بل نحن وزارة سيادية تحافظ علي الهوية الثقافية المصرية وتقوي قيم الانتماء للوطن مما يحافظ علي الأمن القومي لهذا الوطن.

أداء مريع ومريب
تساءل الروائي أحمد أبو خنيجر قائلا: بعد ثورة25 يناير, طرحت أسئلة وأوراق قدمت لإعادة هيكلة وزارة الثقافة, كما أقيمت ورش عمل لوضع مقترحات لطريقة عملها في المرحلة الجديدة, لأن أمامها تحديات مختلفة بعد25 يناير, وأتساءل أين تلك الأوراق وورش العمل والمقترحات التي قدمت وماذا تم فيها.

وقال: وقف المثقفون موقفا مشرفا في مواجهة الوزير الإخواني فقد كانوا يدركون أن ذلك خطر مباشر يهدد الثقافة, ولذا أتساءل مرة أخري عن أسباب الدعوات لنقل تبعية وزارة الثقافة لجهات أخري, وأنا أعلن رفضي لنقل تبعية أي مؤسسة ثقافية للإدارة المحلية أو أي جهة أخري.

وأوضح أبو خنيجر أن هناك تراجعا مريعا ومريبا لأداء وزارة الثقافة متسائلا عن السبب والأشخاص المسئولين عن ذلك. مشيرا إلي المسابقة التي تم اختيار الشارقة فيها كعاصمة للثقافة العربية, لم تقدم وزارة الثقافة ملفها إلا قبل المسابقة بيوم واحد.

وأشار أبو خنيجر إلي أن بعض العاملين في وزارة الثقافة يرون أن المسرح حرام والتمثيل حرام فكيف يقومون بفعل ثقافي مطالبا بتنقية ثلثي العاملين بالوزارة ومؤكدا أن الأنشطة الثقافية لا تحتاج إلي عدد كبير وأن هدف هؤلاء هو العائد المادي فقط من خلال الحصول علي مكافآت ومميزات وهو ما يلتهم ثلثي الميزانية التي ينبغي أن تذهب إلي أمور أخري.

وأضاف أن فكرة تشغيل المسارح لتعمل كسينما خاصة في المواسم والأعياد فقد كان لذلك عائد كبير وكان يتم الصرف منها علي الأنشطة, فصدر قرار بتوريد هذه المبالغ إلي الإدارة المركزية بالقاهرة فأجهض هذا المشروع الضخم, موضحا أن هناك حلولا أخري تدر عائدا كبيرا مثل تذاكر مخفضة للسينما والمسرح وتأجير القاعات وهذا ما تسمح به التشريعات واللوائح ويصرف منها علي الصيانة وعلي الأجور والمكافآت ولا نضغط علي ميزانية الدولة.

وأوضح أن هناك أمورا كثيرة ينبغي إعادة النظر فيها مثل منح التفرغ فلا ينبغي أن تدفعها وزارة الثقافة ويقتصر دورها علي الترشيح, أما الذين يقدمون علي طلب منح تفرغ من فئات عمل أخري فينبغي أن يحصلوا عليها من جهات عملهم وليس من ميزانية وزارة الثقافة, أما الذي ليس لديه وظيفة أخري فتتحمله وزارتا الشئون الاجتماعية والثقافة وهذا قانون يحتاج عرضه لمجلس الدولة ثم مجلس النواب لتغييره, ونحن نقول هذا الكلام لأن الفعل الثقافي فعل يهم الوطن بأكمله.

فخ التدين الزائف
وأكد الشاعر جرجس شكري أمين عام النشر بالهيئة العامة لقصور الثقافة أنه حين نتحدث عن حال الثقافة الآن ومشكلاتها لابد أن ننظر إلي الوراء أكثر من نصف قرن, ونتساءل لماذا أصبح إعمال العقل من المحرمات, وانتصر الفكر الذي يؤمن بالغيبيات والشعوذة علي كل ما هو علمي في ظل حالة عامة من التدين الزائف ورفض الآخر ليس فقط في العقيدة بل في كل شيء في الطبقة الاجتماعية, والاقتصادية, هذه هي النتائج التي نلمسها في كل تفاصيل الحياة في مصر!

فكيف نواجه هذه الحقيقة المؤلمة التي أدت أيضا إلي منتج ثقافي أقرب إلي الوجبات السريعة, منتج مدة مدة صلاحيته قصيرة جدا, فالثقافة ليست مجموعة من الكتب أو العروض المسرحية أو بعض الأغاني بل حالة عامة تسود المجتمع وتحتاج إلي مناخ صحي كما يحتاج الجنين إلي رحم سليم, فحتي الأفكار الجيدة والأعمال الفنية التي تطرح رؤية عميقة لمشاكل المجتمع تموت سريعا في هذا المناخ الفاسد.

وأضاف قائلا: نحن نعلم كيف انهارت منظومة التعليم في مصر منذ سنوات طويلة والأمية أصبحت ليس فقط من نصيب من لم يلتحقون بالمدارس بل للذين نالوا قسطا وافرا من التعليم! بل وهناك مدارس تنتج الجهل والتطرف إلي جانب العلوم الدراسية, المجتمع أصبح السواد الأعظم منه يحتقر الثقافة, فالشعر يعني بالنسبة له أردأ أنواع الشعر السطحي والتافه منه, والمسرح ليس سوي ما تقدمه الفضائيات من مجموعة اسكتشات متواضعة فنيا ولا علاقة لها بالمسرح, والجيد منه يقدم أعماله للمقاعد الفارغة, والسينما خليط من العنف والبلطجة والألفاظ البذئية دون رؤية أو قيم جمالية أو فنية.

مؤكدا أن السواد الأعظم من المصريين ترك نهبا لثقافة الجهل والتدين الزائف وكانت النتيجة ما سبق. وأضاف جرجس شكري نحن نحتاج إلي سياسات واضحة تنحاز للثقافة العلمية في مواجهة الغيب والشعوذة, نحتاج إلي رؤية واضحة وإستراتيجية تنحاز إلي الهوية المصرية, وفيما عدا ذلك هناك مشاكل إجرائية فيما يتعلق بأداء المسئولين.

شجرة مثمرة
وقال الدكتور بهاء الدين محمد مزيد المشرف علي كلية الألسن بجامعة سوهاج نستطيع أن نفهم الثقافة من جهات خمس, لا تعارض بينها, ولا يمكن الفصل بينها, فهي تشير إلي المعارف التي تتجاوز حدود التعليم النظامي والتخصص, وإلي تذوق الفنون والآداب والإلمام بها, وهي كذلك السلوكيات والمعتقدات والأفكار التي تتسم بها جماعة أو مجتمع, وهي المهارة والتمكن من صنعة أو مجال معرفي, وهي كذلك الممارسات والنزعات والميول في جهة من جهات الحياة.

من الجهتين الأولي والثانية, لا بد أننا نلاحظ التراجع المستمر في جودة التعليم وتأثير هذا التراجع في سلوكيات الأجيال الجديدة وأفكارهم, وما ينتج عن ذلك من تدني الثقافة العامة, وفقدان القدرة علي تذوق الفنون والآداب من شعر إلي موسيقي إلي فنون جميلة إلي مسرح وما إلي ذلك, وكذا غياب الإتقان والمهنية في معظم المجالات, وارتفاع معدلات الفهلوة في مختلف صورها وأشكالها.

وأضاف أن سقوط الحدود الفاصلة بين الفنون الراقية والأدب الرفيع من ناحية, والفنون الشعبية ومختلف أنواع الابتذال, من الناحية الأخري, سمة تميز الحياة في مجتمعات الحداثة وما بعد الحداثة, لكن الذي حدث لم يقف عند سقوط الحدود, بل تجاوز ذلك إلي أن احتل الشعبي والمبتذل الهامشي صدارة المشهد, بينما انزوت الفنون الراقية والأدب الرفيع إلي الهوامش, وأصبحت لا تثير عند قطاعات عريضة من أبناء هذا العصر إلا التهكم والألش( القلش في الأصل) والتنكيت والمحاكاة الفكاهية الساخرة.

تلك السخرية في مختلف صورها وأشكالها هي روح هذا العصر, أو جزء من روح هذا العصر, وهي جزء من ثقافة المصريين بالمعني الثالث لكلمة الثقافة الذي ورد في بداية هذا المقال. المصري ابن نكتة منذ كان, لكن المسألة تجاوزت الترفيه والتسرية عن النفس, وأصبحت أسلوب حياة, فلم يعد ينجو شيء من السخرية والتهكم الذي طال التاريخ, والثوابت والرموز الوطنية, وكثير من المقدسات الاجتماعية والدينية, والنصوص الأدبية, والأعمال الفنية المشهورة. حتي السمات الثقافية التي كان يعتز بها المصريون من الشهامة والمروءة والكرم وإغاثة الملهوف وحماية الأعراض لم تعد تظهر إلا من باب الحنين أو الاستخفاف.

وأشار إلي أن تراجع دور التعليم النظامي وما يغرسه من قيم اجتماعية, وارتباك أداء المؤسسات الدينية, وانجراف الخطاب الإعلامي والفني نتج عنه انتشار البذاءة والعنف اللفظي والسلوكي.

وأوضح أن من معاني الثقافة التهذيب وتقويم السلوك وترقيته وتنمية الفهم والتسامح والاعتدال والاستقامة, ومن معانيها التي لا تنفصل عن ذلك ما وردت إشارة سابقة إليه من تنمية الذوق والتذوق, ويصعب أن يكون ذلك في غياب أسرة واعية, ومدرسة يتعلم فيها التلاميذ القراءة والتفكير والعمل الجماعي, ومكتبة تتاح فيها ثمار المعرفة والخبرة والإبداع الإنساني, وإعلام راشد لا يلهث وراء المكاسب المادية علي حساب صالح المجتمع ومستقبل أبنائه وبناته.

ولا يكون تذوق الفنون والآداب الراقية في غياب حركة نقدية واعية, من غاياتها رأب الصدع وجسر الهوة بين عامة الجمهور وبين هذه الفنون والآداب, ومن غاياتها التقنين وترسيخ المعايير الأدبية والفنية في وجه طوفان النصوص والأعمال التي تنتشر من غير رقيب ولا ضابط.

وأكد لن تنكسر الدائرة إلا بمد الجسور بين المؤسسات الثقافية والإعلامية وبين المؤسسات التعليمية, وبين النصوص الأدبية الرفيعة والفن الراقي وبين الأجيال الجديدة ولن تنكسر الدائرة ما لم تتضافر جهود التربويين والمثقفين والمبدعين والمسئولين في المؤسسات الثقافية الرسمية وغير الرسمية في تعريف الطلاب والطالبات بما يحيط بهم من إبداعات معاصرة راقية, وجذبهم بالتدريج إلي كنوز الأدب العربي وغير العربي في مختلف العصور.

وأوضح أن شجرة الثقافة سوف تثمر من تلقاء نفسها, ولو بعد حين, إذا روتها تلك الجهود ونالت نصيبها اللائق من الاهتمام, سوف تثمر انخفاضا في معدلات الجنوح والانفلات والبذاءة والعنف, وانتشارا لقيم الجمال والخير, وسوف يسترد أبناء هذا الوطن هويتهم الثقافية التي استلبتها تيارات الاستيراد الأعمي والتقليد غير الواعي وارتباك القيم وفقدان الانتماء, والتعصب والانحياز إلي ما يزول علي حساب ما يبقي الوطن.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
Facebook تابعنا على