الجمعة 10 من ذو الحجة 1438 هــ  1 سبتمبر 2017 | السنة 27 العدد 9623    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:
ماجد منير
العيد‏..‏ وتقارب القلوب علي الود
يقدمها‏:‏ علي الشناوي‏-‏ أحمد هلول
1 سبتمبر 2017
عيد النحر أكبر العيدين وأفضلهما ويجتمع فيه شرف المكان والزمان لأهل الموسم‏,‏ كانت لهم فيه معه أعياد قبله وبعده‏,‏ فقبله يوم عرفة وبعده أيام التشريق‏,‏ وكل هذه الأعياد أعياد لأهل الموسم‏,‏ كما في حديث عقبة بن عامر عن النبي صلي الله عليه وسلم قال‏:‏ يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب‏.‏

وقال:( لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه)( الحج:67) أي: عيد يختصون به, وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلي الله عليه وآله وسلم ـ عن أنس قال: قدم رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان؟, قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية, فقال رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما يوم الأضحي ويوم الفطر.

يقول الدكتور أسامة الشيخ أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بطنطا إن المغزي الاجتماعي للعيد هو ما يضيفه علي القلوب من أنس, وعلي النفوس من بهجة وعلي الأجسام من راحة, وما يدعو إليه من تجديد أواصر الحب بين الأصدقاء, والتراحم بين الأقرباء, ففي العيد تتقارب القلوب علي الود, وتجتمع علي الألفة, ويتناسي الناس أضغانهم, يجتمعون بعد افتراق, ويتصافون بعد كدر.

كما أن في العيد من المغزي الاجتماعي تذكير أبناء المجتمع بحق الضعفاء والعاجزين عليهم حتي تشتمل الفرحة بالعيد كل بيت, وتعم النعمة كل أسرة, وإلي هذا المغزي الاجتماعي العظيم يرمز تشريع صدقة الفطر في عيد الفطر, ونحو الأضاحي في عيد الأضحي.

أما المعني الإنساني في العيد: فهو اشتراك أعداد لا حصر لها من أبناء الشرق والغرب بالفرح والسرور في وقت واحد, فإذا بالأمة تلتقي علي الشعور المشترك بالغبطة, وإذا بأبناء الأمة الواحدة علي اختلاف ديارهم يشتركون في السراء كما يشتركون في الضراء, ففي العيد تقوية لهذه الروابط الفكرية والروحية التي يعقدها الدين بين أبناء من مختلف اللغات والأقوام.

تلك هي بعض المعاني الاجتماعية والإنسانية في العيد, ومن ثم كانت الأعياد مظهرا واضحا لهذه المعاني في كل مجتمع.

ومن أراد معرفة أخلاق الأمة فليراقبها في أعيادها إذ تنطلق فيها السجايا علي فطرتها, وتبرز العواطف والميول علي حقيقتها, والمجتمع السعيد هو الذي تسمو أخلاقه في العيد إلي أرفع ذروتها, ويمتد شعوره إلي أبعد مدي.

يوم كانت أمتنا تتذوق طعم السعادة في مجتمعاتنا, كان الأخ يفكر في ليلة العيد بجاره قبل أن يفكر بنفسه, ويقدم حاجة أولاد صديقه علي حاجة أولاده.
ويضيف الشيخ أنه يستحب للمسلم في أيام العيد أن يحرص علي التكبير: فالتكبير في أيام العيدين سنة, قال الله تعالي:( ولتكملوا العدة ولتكبروا الله علي ما هداكم ولعلكم تشكرون)( البقرة:185).

ووقت التكبير في عيد الأضحي من صبح يوم عرفة إلي عصر أيام التشريق وهي اليوم الحادي عشر, والثاني عشر, والثالث عشر من ذي الحجة.

والتكبير في أيام التشريق لا يختص استحبابه بوقت دون وقت, بل هو مستحب في كل وقت من تلك الأيام, وأصح ما ورد في صيغة التكبير ما رواه عبد الرازق عن سلمان بسند صحيح قال: كبروا: الله أكبر, الله أكبر, الله أكبر كبيرا, وجاء عن عمر وابن مسعود ـ رضي الله عنهما: ـ الله أكبر, الله أكبر, لا إله إلا الله, والله أكبر, الله أكبر, ولله الحمد بالإضافة إلي التهنئة بالعيد: كقول( تقبل الله منا ومنك), قال جبير بن نفير كان أصحاب رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منا ومنك.

وللمسلم أن يوسع علي الأولاد في هذه الأيام بما يدخل علي قلوبهم السرور, فعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل علي رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث, فاضطجع علي الفراش وحول وجهه, ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمار الشيطان عند النبي صلي الله عليه وسلم؟ فأقبل عليه رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ فقال دعهما فلما غفل غمزتهما فخرجتا. وفي رواية أخري قال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ: يا أبا بكر, إن لكل قوم عيدا, وهذا عيدنا. قال ابن حجر في فتح الباري: وفي هذا الحديث من الفوائد مشروعية التوسعة علي العيال في أيام الأعياد.

يقول الدكتور محمد مطاوع من علماء الأوقاف إن الله سبحانه وتعالي شرع الأعياد لإدخال البهجة والسرور علي قلوب المسلمين حتي لا يظن أحد أن الإسلام ضد الفرح فلابد للمسلم أن يفرح لكن فرحه لابد أن يكون بضوابط شرعية ولعل أهم ما يميز الأعياد في الإسلام ارتباطها بالشعائر وإقامة المناسك فلا يأتي العيد إلا بعد ركن من أركان الإسلام أو مع ركن من أركان الإسلام. فنجد عيد الفطر يأتي بعد ركن من أركان الإسلام وهو الصيام يقول ربنا ولتكملوا العدة ولتكبروا الله علي ما هداكم ولعلكم تشكرون كما يأتي عيد الأضحي مع ركن من أركان الإسلام وهو الحج ويكون بعد ركن الحج الأعظم بعد الوقوف بعرفة, ويكون يوم النحر في اليوم العاشر من ذي الحجة.

ويضيف مطاوع: ارتباط الأعياد في الإسلام بوحدة الأمة فالجميع يكبرون تكبيرات العيد في وقت واحد ويصلون العيد في وقت واحد.

كما أن العيدين يرتبطان ارتباطا وثيقا بمنظومة الأخلاق في الإسلام. فنجد أن القرآن الكريم أورد الحديث عن الصيام وعن العيد بعد أداء الحقوق وإعطائها لأصحابها ففي سورة البقرة يتحدث ربنا عن أهل البر ويصفهم بأنهم أهل الإيمان وأهل إقامة الصلاة والصدقة ثم بعد ذلك يتحدث ربنا عن القصاص في القتلي ثم يردف بالحديث عن عدم الظلم بالوصية, وبعد ذلك ينادي المؤمنين مخبرا إياهم بفريضة الصيام وبعد ذلك يورد الحديث عن صيام رمضان وإكمال عدته والتكبير في العيد.

هذا عن ارتباط الأخلاق والعبادات بعيد الفطر ـ أما ارتباطها بالعبادات والأخلاق فنجد أن الحق سبحانه وتعالي ينبهنا إلي يوم النحر وأيام التشريق بعد الحديث عن مناسك الحج وأحكامه وأخلاقيات الحاج. فيقول ربنا سبحانه وتعالي فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج والنبي صلي الله عليه وسلم يقول من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه أي رجع مغفورا له. وبعد أن يذكرنا الحق بأيام عيد النحر أو عيد الأضحي يتحدث عن منظومة الأخلاق أيضا في قوله تعالي ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله علي ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولي سعي في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد.

هذا يوضح أن العبادات لا قيمة لها بدون الأخلاق وإلا فما قيمة حجك أيها المسلم ومازلت علي أخلاقك السيئة بل لابد من حسن الخلق ولابد أن تهذب العبادات أخلاق المسلم.

ويستطرد مطاوع أن الحق سبحانه وتعالي يهيئ المسلم للعبادات تهيئة صحيحة فلابد أن يقبل علي ربه بنفس زكية وقلب طاهر ومطعم حلال النبي صلي الله عليه وسلم يقول إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا كما يبدو أثر الأكل من حلال في شعيرة العيد في العديد من مظاهره. فالمسلم يلبس ثوبا جديدا ويتزين يوم العيد ويلبس أولاده كذلك ويكسوهم لكن لا يكفي أن يدخل عليهم البهجة من غير أن يكون مصدره حلالا.

كما يبدو ارتباط العيد بتكاتف المجتمع وتماسكه وتوثيق عراه في التراحم والتواد بين المسلمين حتي يطبقوا نظرية الجسد الواحد التي يقول عنها رسول الله صلي الله عليه وسلم مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكي منه عضو تداعي له سائر الأعضاء بالسهر والحمي ويبدو هذا التكاتف والتراحم يوم العيد في صلة الأرحام فصلة الأرحام سبب في طول العمر وسعة الرزق. فعلي المسلم أن يصل من قطعه وأن يعطي من حرمه ويعفو عن من ظلمه وخاصة في أيام العيد.

كما يبدو التكاتف أيضا في شعور القوي بالضعيف فيعينه والغني بالفقير فيغنيه عن ذل السؤال في العيد. كما تبدو سمات التراحم أيضا في إطعام الجائع من خلال ذبح الأضاحي وهذا النسك يكون بعد صلاة العيد إلي ثالث أيام التشريق وهذا من التوسعة علي المسلمين.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
Facebook تابعنا على