الخميس 9 من ذو الحجة 1438 هــ  31 أغسطس 2017 | السنة 27 العدد 9622    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:
ماجد منير
المراكـبية ... دائري روض الفرج يفرض الهدوء علي الكورنيش الشعبي
مستأجرو المراسي‏:‏ ده الموسم بتاعنا
تحقيق وتصوير‏:‏ هنـد رأفـت
31 أغسطس 2017
من منا لم يحلم بالقيام بنزهة نيلية‏,‏ ألح عليها كثيرا في الصغر من أجل اقتناص موافقة والديه عليها في أحد الأعياد أو أثناء التنزه في إحدي الإجازات‏,‏ لتبدأ رحـلة قصيرة متفق علي مدتها وتكلفتها مسبقا‏,‏ فلا تتجاوز النصف ساعة ولكنها كفيلة بإنعاش القلب والروح في موسم ينتظره المراكبي كزوار مركبه منتعشا هو الآخر بمصدر رزقه وما يدره عليه‏.‏

من البحر وإليه يعود.. هذا هو المبدأ الذي يعمل به المراكبي متمسكا بتسمية نهر النيل بحر, ذلك الاسم الذي توارثه كالمهنة عن الآباء والأجداد, ليصبح مركبه هو بيته وميراثه وكل رأس ماله في الحياة, مركب العمر كما أطلق عليه الشاعر الراحل سيد حجاب واصفا العلاقة بين المرسي والبحار.
من المراسي النيلية بمنطقة المظلات حيث الكورنيش الشعبي كما يطلق عليه رواده قبل أصحابه لاختلافه الكبير عن كورنيش التحرير الذي لا يزال محتفظا بزواره, علي حد وصف أصحاب المراسي هناك, والمشهد يتلخص في حالة هدوء داخل منفي لا يشفع له سوي مجاورة النيل الذي يمنحه بعض الحياة, ولكن لا يستطيع أن يمنحه الحياة كلها.
بضع ساعات قضيتها بين المراكبية الذين أكدوا مرارا وتكرارا علي إطالة مدة الزيارة للتأكد من صحة كل ما تحدثوا عنه بل دعاني أحدهم لزيارة في العيد للتأكد من أن الموسم الذي ينتظره كل المراكبية لم يعد كما كان, لنبدأ الحديث عن المواسم التي يعملون وفقا لها, ليفسر أحدهم قصة المواسم مؤكدا أنها كلمة السر في عملهم مشيرا إلي3 مواسم احتفالية وهم عيد كبير وعيد صغير وشم النسيم بالإضافة إلي موسم ممتد وهو فصل الصيف وتحديدا ساعة العصاري.
كانت البداية مع محمد راجح الذي تحدث عن زمن الكورنيش الجـميل مشيرا إلي أعمال التطوير المحيطة بالمنطقة بسبب إنشاء محور الطريق الدائري روض الفرج والتي أدت إلي إغلاق الطريق المؤدي إليه, قائلا: مين هيمشي بين التكسير والحفر ده عشان يوصل لكورنيش مقفول وينزل تحت ميلاقيش غير مراكبية؟, ليجيب عن سؤاله بنفسه قائلا: محدش كله هيخاف لأن مفيش ناس حواليه تطمنه وتشجعه, مشيرا إلي أن المراكبية لا يرفضون تطوير الطرق وإنشاء الكباري حولهم ولكن الأزمة في وقف الحال.
ورغم ذلك لا يمكن اختصار المشكلة كلها في الكورنيش المغلق, لأن المراكبية تطرقوا إلي مشكلة أخري زادت الطين بلة علي حد رواياتهم, وقد بدأ الحديث عنها زينهم حسين فكة أحد مستأجري مرسي نيلي بمنطقة ساحل روض الفرج منذ عام1980, ويشاركه المهنة ويجاوره بمرسي آخر شقيقه الحاج محمد فكة, كل منهما بأولاده وأحفاده وفي كل مرسي خمسة مراكب, ويلخص زينهم القصة كلها في أن كل مركب تقوم بمصاريف أسرة كاملة ومسئولة عنهم هي اللي بتأكلهم يعني مركب تساوي أسرة علي حد وصفه, بالإضافة إلي غفير وشابين في مقتبل العمر كلهم علي باب الله كما يعرف عنهم.
ويوضح أن الأزمة بدأت منذ بدء إجراءات استخراج التراخيص حيث كان آخر ترخيص له حتي آخر ديسمبر2015 ولكن كانت المفاجأة بزيادة مستحقات التراخيص بصورة غير مسبوقة حيث كان المطلوب سداده عن كل عام ما يقرب من9 آلاف جنيه ولكن هذه المرة كانت الزيادة ليصبح المطلوب106 آلاف جنيه بسبب زيادة سعر المتر المسطح من30 جنيها إلي250 جنيها, قائلا: مفيش مقارنة أبدا بين الرقمين ومش عارفين سبب الزيادة الخيالية؟!, مشيرا إلي أن تجديد الترخيص نفسه يتم بعد سلسلة طويلة من المعاينات والإجراءات في جهات مختلفة.
ويشير إلي أن مراكب النزهة تتبع النقل النهري وأن العلاقة مع وزارة الري تقتصر علي المرسي فقط, أي الأرض لأن تجديد الرخصة يتم من خلال الملاحة النهرية التي تتقاضي رسوما كالضرائب والتأمينات علي كل مركب, بخلاف ما تحصل عليه الري مقابل شغل منافع ويقدر بـ75جنيها للمتر المسطح للمركب في النيل عن العام الواحد بعيدا عن إيجار المرسي.
ويتساءل زينهم: أنا بقوم بترخيص المركب في جهة وجهة تانية بتحاسبني أن المركب واقفة في المية, يعني بتحاسب علي الأرض والمية, أمال إحنا بنأجر مرسي ليه؟, واستطرد حديثه مستفسرا عن سبب تأجيره للمرسي إذا لم يكن بهدف شغله بمراكب نيلية, لتسيطر النبرة الحزينة علي صوته قائلا: أنا مأجر مرسي عشان آكل عيش وإحنا ندفع كل ده هيبقي تقيل علينا أوي, خصوصا مع الزيادة.
ويروي تفاصيل رحلة الحصول علي رخصته الجديدة في حال أراد استكمال الإجراءات قائلا: حسبوهالي عندهم وقالولي عليك أكتر من300 ألف جنيه, وأنا عمري ما مسكتهم ولا أعرف قد إيه وكمان عندي سنة متأخرة مع إن تأخير الرخصة بسبب الأوراق اللي بيطلبوها بتاخد وقت عشان تخلص في كل جهة يعني مش من عندي.
ويتساءل زينهم بعفويته الواضحة في كل حديثه: أنا عارف إنهم هيقولوا ده قانون طب مش الرحمة فوق القانون؟!, مستطردا حديثه بنبرة يائسة: أنا مش هقدر أدفع مش حكاية مش عايز.
ليلتقط منه شقيقه محمد فكة أطراف الحديث مؤكدا أنهم لو قاموا ببيع المراكب نفسها لن يستطيعوا جمع المبلغ المطلوب, وكل ذلك في ظل عدم وجود زبائن وزوار للكورنيش والمرسي, ويوضح أن الري تريد معاملتهم كالعائمات السياحية الخاصة بأغراض الترفيه, كما تم ذكرها بالقانون كالنوادي والكازينوهات والكافيتريات والمتنزهات وقاعات الأفراح رغم وجودهم ببند آخر مقابل انتقاع بغرض الرسو واستغلال المياه للمراكب الشراعية ومراكب النزهة, مشددا علي أن الحاجات العالية السياحية اللي مليانة مطاعم وكام دور مينفعش تتعامل زي مركب صغيرة للنزهة, إحنا مش7 نجوم, بالإضافة إلي أنهم بهذه الطريقة قد تم حسابهم مرتين علي حد قوله.
ويقول: نحن نلتزم بدفع الضرائب والتأمينات عن المراكب للملاحة النهرية, مشيرا إلي أنهم يعملون في هذا المجال منذ أكثر من41 عاما منذ كان سعر المتر50 مليما وليس معني ذلك أنه لا يقبل بالزيادة ولكن ارتفاع الأسعار بفعل الزمن يختلف كثيرا عن الزيادة المطلوبة حاليا.
ويشاركه الرأي مصطفي سيد الشاب الذي ورث المهنة وأحبها ولم يستطع شغل غيرها, قائلا: إحنا معندناش كورنيش وهو ما يراه عذرا يستحق تخفيف الأعباء عنهم ومساعدتهم بتخفيف الإيجار وليس زيادتها بهذه الدرجة رحمة بظروفهم وتقديرا للوضع, وضرب مثلا بما فعله وزير الري الأسبق محمد عبد المطلب عندما قام بتخفيض تكاليف الانتفاع بأملاك الري تخفيفا علي المواطنين كما جاءت التصريحات آنذاك في عام2014, وقال لقي المراكب واقفة والدنيا مش ماشية نزل المتر من30 جنيها لـ10 جنيهات مشيرا إلي أنه قد تمت محاسبتهم في آخر تجديد للترخيص بهذه القيمة, ليستطرد حديثه قائلا: هي دي الرحمة اللي بنتكلم عليها.
ويوضح أنها زادت مرة أخري إلي30 جنيها خلال فترة تولي الوزير السابق ثم زادت من جديد إلي40 جنيها ولكن جاءت الزيادة الأخيرة فلكية بعد أن تم تقدير المتر المسطح بـ250 جنيها, مشيرا إلي فرض بعض الغرامات بدعوي التأخير رغم أن تجديد التراخيص يستغرق وقتا طويلا لاستكمال الموافقات, وضرب المثل باشتراط موافقة المحافظة وجهات أخري مختلفة رغم أنها ليست طرفا في المسألة لأن الأرض ضمن ملكية الري وليست المحافظة, ورغم ذلك موافقة المحافظة وحدها استغرقت فترة طويلة, ليقاطعه أحدهم وفي يده المستند المستخرج من المحافظة قائلا: استلمتها بعد8 شهور, كل الفترة دي في ورقة واحدة, متسائلا عن الفترة التي يحتاجها لاستغراق البقية وفي النهاية يتم توقيع غرامة كمخالفة علي التأخير.
وعاد زينهم ليتدخل في الحديث قائلا: لو طبقوا الكلام ده يبقوا بيموتونا بالبطيء, مشيرا إلي الآلاف اللي مش ممكن حد منهم يجمعها في عمره كله علي حد تعبيره.
لتنتهي الرحلة من حيث بدأت بالحديث عن الموسم المنتظر مكررين طلبهم بالحضور خلال أيام العيد للوقوف علي حالة الكورنيش الذي كان ملجأ للبسطاء من أهالي شبرا وضواحيها وبات مهجورا منذ ما يقرب من عامين وتخشي بعض الأسر الاقتراب منه لأنهم لا يجدون مجموعات كبيرة كالمجموعات الموجودة بكورنيش التحرير, ليعلو صوت أحدهم قائلا: أنا عايز هيصة زي اللي في التحرير عشان اللمة بتشجع بعض.
وتحدث مصطفي عما حدث خلال أيام عيد الفطر قائلا: محدش كان بيعدي حتي كأننا لسنا في عيد, لأنهم قفلوا المنفذ بتاعنا, مطالبا بسرعة إنقاذهم لأنه الموسم بتاعهم علي حد قوله, موضحا أنهم يعيشون علي طريقة موسم بيصرف علي موسم, مفسرا قوله بأن موسم الصيف كان يتولي مسئولية موسم الشتاء بكافة تكاليفه كالمدارس قائلا: إحنا بنحوش الصيف عشان الشتا.
ليقاطعه أحدهم قائلا: موسم العيد مكنش الأيام بتاعته بس لكن أكتر من10 أيام والناس بتحتفل كأنه يوم العيد عشان الناس اللي مبياخدوش إجازة في العيد بيحتفلوا بعدها, موضحا أن هذا العيد هو الرابع لهم علي التوالي دون عيد حقيقي بالإضافة إلي3 مواسم لشم النسيم واحتفالات الربيع, مشيرا إلي المعدات التي تغلق الطريق مؤكدا أن هذا الوضع سيستمر قرابة عامين مقبلين.
وتحدث عاطف صلاح إسماعيل من مستأجري المراسي بالقناطر عما وصفه بأشد الضيق, مفسرا قوله بتراكم مبالغ كبيرة عليهم وقرارات الإزالة التي صدرت بحق بعضهم وإزالة البعض بالفعل وتحرير محاضر, ويوضح أن الوضع كان مستقرا قبل الثورة حيث كان العمل نفسه مستقرا ومستمرا بصورة يومية يستطيع من خلاله توفير قوت يومه وأسرته بالإضافة إلي دفع كافة المستحقات اللازمة منه, ولكن تدهور الحال ولم تعد المراكب النيلية كما كانت وتراكمت الإيجارات بخلاف ارتفاع أسعارها في الآونة الأخيرة بالإضافة إلي عمليات الصيانة والتموين للسلامة العامة وضمان عدم غرق المركب أو إصابتها بأي مكروه, وكل هذه العوامل أصابت المراكب في مقتل.
ويقول: إحنا دلوقتي بنسأل ربنا بس نلاقي ناكل ونشرب, مشيرا إلي أنهم6 أشقاء ومعهم والدتهم, وتساءل عما يمكن أن يفعله عندما تمر فترة طويلة دون أن يطلب شخص واحد نزهة نيلية, مؤكدا أن حال مراسي القناطر سيئة للغاية, لينهي حديثه قائلا: محدش بقي بيركبها وربنا وحده اللي عالم بينا.
لم يرتض أحدهم بإنهاء الحديث دون تحميلي أمانة توصيل رسالة أن المركب هي مصدر رزق وقوت يوم أسر كثيرة تعيش علي خير النيل, ولا يمتهن أحد أفرادها سوي تلك المهنة المدونة في البطاقات الشخصية تحت بند مراكب مطالبا بالرأفة بهم وبأحوالهم لأن المسألة ليست خصومة ولكنها حكاية حياة.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
الأكثر قراءة
Facebook تابعنا على