الأربعاء غرة من ذو الحجة 1438 هــ  23 أغسطس 2017 | السنة 27 العدد 9614    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:
ماجد منير
ليبيا‏:‏ اشكالية مفهوم الدولة في المجتمع
ليبيا‏:‏ الحسين المسوري
23 أغسطس 2017
تعكس الأزمة السياسية الراهنة في ليبيا إشكالية مفهوم الدولة في مجتمع تغلب عليه التركيبة القبلية‏,‏ وذاق مرارة تعسف السلطة وعجرفتها حينا وغيابها في أحيان أخري ومزقته جغرافيا البلاد مترامية الأطراف وجعلته في حالة عداء وريبة وحذر من الدولة ومؤسساتها سواء في فترة الاحتلال العثماني والإيطالي أو مرحلة الاستقلال أو خلال مرحلة الديكتاتورية سواء في عهد يوسف باشا القره مانلي أو حكم العقيد معمر القذافي الذي رسخ لدي الليبيين أن الحاكم هو الدولة‏

ما زاد في اضطراب العلاقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة, وبالتالي فقد عرقل نظام القذافي التطور الطبيعي للدولة الحديثة وجمد الحياة السياسية وسحق المعارضة, ما جعل المجتمع الليبي يعاني تصحرا سياسيا لمدة تزيد علي أربعة عقود لازالت البلاد تدفع ثمنه حتي الآن.

غالبا ما كانت العلاقة بين المجتمع والدولة في ليبيا علاقة متقلبة جراء عوامل عديدة منها العامل الاجتماعي والجغرافي, ما جعل الوضع السياسي غير مستقر, فالعسف والظلم والاضطهاد والمغالبة بقوة السلاح هو الطبيعي, بينما علاقة المواطنة والحقوق والواجبات هي الاستثناء, فإما أن تضطهد الدولة المواطن أو أن يتغول المواطن علي مؤسسات الدولة التي لم تقدم له الخدمات التي ينتظرها

لذلك فإنه رغم محاولة رجال الاستقلال بناء دولة المؤسسات عبر إصدار دستور للبلاد سنة1951 يفصل بين السلطات وينظم الحياة السياسية ويبين الحقوق والواجبات ويحفظ الحريات العامة ما منح بناء مؤسسات الدولة زخما كبيرا في تلك الفترة, لكن عدم القبول بالتعددية والاختلاف أجهض التجربة الديمقراطية في مرحلة مبكرة وجاء انقلاب سبتمبر سنة1969 ليطيح مؤسسات الدولة وتصبح البلاد تدار من قبل شخص واحد وبقيت مؤسسات الدولة مجرد ديكور يتم استدعاؤها وقت حاجة النظام لها ويجري تهميشها عندما يري أنها تقيد سلطاته وتقف حائلا أمام طموحاته الشخصية

بل وصل الأمر إلي الهجوم علي المؤسسة العسكرية بشكل ممنهج عبر حملة اعلامية شنتها وسائل اعلام نظام القذافي شوهت فيها الجيش الليبي وشككت في وطنية قادته واخلاق وسلوك ضباطه وجنوده وتهميش الجيش عبر برنامج الشعب المسلح الذي انتهي إلي تكوين كتائب أمنية يقودها أبناء العقيد القذافي.

مع خروج المظاهرات في17 فبراير2011 وسقوط سلطة نظام القذافي خلال أربعة أيام فقط في بنغازي والبيضاء وطبرق ودرنة والمرج وغيرها من مدن ومناطق المنطقة الشرقية, التي كانت مؤسسات الدولة فيها هشة وضعيفة بشكل كبير ووصول المظاهرات إلي بعض مدن ومناطق غرب البلاد مثل الزاوية ومصراتة والزنتان وزوارة ومدن وقري جبل نفوسة, وأجزاء مهمة في العاصمة طرابلس في خطوة لم يتوقعها العقيد معمر القذافي نفسه, كان أكثر ما يشغل النخبة الليبية هو كيف سيتعامل النظام مع مطالب المتظاهرين وكيف سيدير الأزمة في ظل عدم وجود مؤسسات دولة فاعلة يمكنها لعب دور الحياد وقيادة البلاد إلي بر الأمان فكان القذافي وأولاده حاضرين بقوة في المشهد,

وغابت مؤسسات الدولة بشكل كبير, خاصة المؤسسة العسكرية التي كانت مهمشة وشبه مفككة, حيث كان نجل القذافي خميس هو الذي يتحكم بكل ما له علاقة بالقوات المسلحة التي فقدت قوتها ودورها لصالح الكتائب الأمنية التي يقودها أبناء القذافي, لذلك كانت المواجهة المسلحة وقصف المدن التي خرجت ضد نظام العقيد معمر القذافي هي النتيجة الطبيعية لتغييب المؤسسة العسكرية بمفهومها الكامل, حيث تقوم المؤسسة العسكرية في مثل هذه المراحل المهمة والصعبة التي تمر بها الدول بلعب دور مهم من خلال حفظ البلاد من الانزلاق إلي الحرب الأهلية والتدخل الأجنبي حيث لعبت المؤسسة العسكرية بمصر وتونس دورا مهما في عملية انتقال السلطة وتامين البلاد.

بعد سقوط النظام كانت مخاوف كثير من الليبيين والمراقبين في محلها رغم أن البداية كانت مشجعة حيث جرت الانتخابات الأولي للمؤتمر الوطني بعد مرور عشرة أشهر فقط من مقتل العقيد القذافي وسقوط نظامه وسط انتشار السلاح وغياب المؤسسة العسكرية والأمنية, لكن الأمور جرت بشكل طبيعي ولم يكن هناك تأثير قبلي كبير علي سير العملية الانتخابية كما كان متوقعا, لكن ضعف مؤسسات الدولة وغياب آليات تطور مؤسسات الدولة والصراع علي السلطة الذي حمل طابعا أيديولوجيا جهويا بتأثير إقليمي ودولي كان له دور كبير, حيث حلت الميليشيات مكان كتائب القذافي وأصبحت كل ميليشيا تقوم بحماية مصالح زعمائها وحلفائهم, وتعرقل أي خطوة نحو بناء مؤسسات الدولة.

ورغم عدم ترسخ مفهوم الدولة الحديثة في المجتمع الليبي الذي تغلب عليه التركيبة القبلية إلا أن قابلية شيوخ القبائل أن تكون مؤسسات الدولة هي الحكم وصاحبة السلطة أمر مقبول بشكل كبير, وما سجل من مواجهات بين مؤسسات الدولة وبعض القبائل لأسباب قبلية عبر تاريخ ليبيا هي حالات استثنائية, فكثيرا ما يرحب شيوخ القبائل بدور الدولة, بل في مرات كثيرة يستنجدون بمؤسسات الدولة لحل المشكلات والأزمات التي تواجههم, غير أن الحاكم في ليبيا كان دائما هو من يستدعي القبيلة ويستخدمها لترسيخ سلطته, وسجل هذا الأمر بشكل واضح خلال مراحل مختلفة من تاريخ الدولة الليبية وعقب سقوط القذافي وبعد إعلان نتيجة أول انتخابات جرت في يوليو2012, حيث تعالت أصوات الكثير من السياسيين المؤدلجين الذين خسروا هذه الانتخابات إلي استدعاء القبيلة كوسيلة للوصول للسلطة عبر المحاصصة بحجة الدفاع عن حقوق القبيلة أو المنطقة.

المثير في هذه المرحلة أن شيوخ القبائل رحبوا بنتيجة الانتخابات رغم أن بعض شيوخ هذه القبائل خسر أبناءهم المشاركين في الانتخابات بمناطقهم القبلية, فقد أظهرت هذه الانتخابات أن الشعب الليبي رغم أنه تغلب عليه التركيبة القبلية إلا أنه يريد دولة المؤسسات التي تقدم له الخدمات وتوفر له حياة كريمة بغض النظر عن من يكون في السلطة, وأكدت أن السياسيين هم من يستدعون القبيلة عند خسارتهم وليس العكس, خاصة أن أول حكومة جاءت بعد سقوط نظام القذافي برئاسة عبد الرحيم الكيب شكلت وفق القوي التي شاركت في الثورة وساهمت في انتصارها ولم يكن فيها للقبيلة دور كبير وكانت أسئلة المواطنين تنصب حول قدرة الحكومة علي إنجاز الاستحقاقات المنتظرة من بناء المؤسسة العسكرية والأمنية وتفعيل القضاء وحل المشكلات الاقتصادية ورفع مستوي المعيشة وإيجاد الحلول للأزمات التي خلفها الصراع من عودة المهجرين وإعادة الإعمار وتعويض المتضررين والمصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية, ولم ينشغل الليبيون بالمحاصصة أو من يمثل الوزراء قبليا, بقدر أسئلتهم حول كفاءات وسمعة ونزاهة هؤلاء الوزراء وخلفياتهم العلمية والعملية وليس القبلية.

وهنا يجب أن نشير إلي أن الحملة التي شهدتها ليبيا ضد الأحزاب والكيانات السياسية عقب تجربة المؤتمر الوطني العام جاءت نتيجة لعدة أسباب من أهمها نجاح بعض الشخصيات السياسية في الحصول علي دعم شعبي كبير, وأكدت نتيجة الانتخابات أنهم سيكونون أرقاما انتخابية صعبة, ما هدد مستقبل بعض السياسيين الذي استنجدوا بقبائلهم واستخدموها للحصول علي مناصب وهو ما تحقق لهم في حكومة علي زيدان وما تلاها من حكومات, أما السبب الثاني فهو تحالف أحزاب الاسلام السياسي مع الجماعات والتنظيمات المتطرفة وتوفير الدعم السياسي والمالي لها وعرقلة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية من خلال المؤتمر الوطني العام وحتي بعد أن خسرت السلطة في انتخابات مجلس النواب يونيو2014, ما أفقد المواطن الليبي الثقة في العملية السياسية برمتها وبهذه الأحزاب التي كشفت عن وجه مغاير لما كانت تدعيه حول التزامها بالمسار الديمقراطي واحترامها لنتائج الانتخابات.

وهذا ما يعكس أن أطراف الصراع في ليبيا يحرصون علي إطالة أمد المرحلة الانتقالية لأنهم يعرفون أن إنهاء المرحلة الانتقالية تعني نهاية وجودهم في السلطة, بل إن البعض يعتبر أن المرحلة الانتقالية تمثل فرصه حقيقية لإقصاء خصومه من المشهد السياسي وسحقهم لينفرد بالحكم والسلطة وهذا ما نراه ينعكس علي اتفاق الصخيرات الذي وقع في ديسمبر2015 بالمغرب بعد حوار سياسي أستمر اكثر من سنة كاملة حيث يفسر الجميع الاتفاق بشكل مختلف لكن الأغلبية تبشر أنصارها بأن الاتفاق سوف يقصي خصومهم ويبعدهم عن المشاركة في السلطة وهذا الأمر نجده بشكل واضح عند تيار الإسلام السياسي الذي لا يعترف عمليا بالشراكة مع غيرهم من المكونات السياسية في إدارة البلاد.

لذلك نجد أن الحملة الشرسة علي إعادة بناء المؤسسة العسكرية ترتبط أكثر بالفريق الذي خسر انتخابات2014 وهو تيار الإسلام السياسي الذي يعرف جيدا أنه في وجود مؤسسة عسكرية قوية لن يستطيع الانقلاب علي نتائج الانتخابات والتواجد في السلطة بقوة السلاح عبر الميليشيات المرتبطة بقوي إقليمية ودولية كما فعل عندما احتل العاصمة طرابلس عبر تحالف فجر ليبيا بعد خسارتهم انتخابات مجلس النواب في.2014

وهذا يقودنا بشكل مباشر إلي أن العملية السياسية في ليبيا ستظل معرضة للفشل والانتكاسة خلال المراحل الانتقالية في ظل عدم وجود مؤسسة عسكرية وطنية واجهزة امنية قوية تسيطر علي الحدود والمنافذ البرية والمطارات والموانئ وتحمي مؤسسات الدولة والمرافق والمنشآت الحيوية.

كذلك لا يمكن نكران تأثير التجاذبات الإقليمية والدولية والصراع علي النفوذ بين الدول وهو ما يعرقل الوصول إلي حل وطني للأزمة الليبية ويجهض بناء مؤسسات الدولة التي سيقلل وجودها القوي تأثير التدخل الخارجي باعتبار أن الانقسامات السياسية والصراعات التي تشهدها البلاد مرتبطة بشكل كبير بمشاريع إقليمية ودولية.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
الأكثر قراءة
Facebook تابعنا على