الأثنين 22 من ذو القعدة 1438 هــ  14 أغسطس 2017 | السنة 27 العدد 9605    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:
ماجد منير
رئيس جامعة القاهرة الجديد في صالون الأهرام المسائي‏:‏
إزاحة التعليم المورد للإرهـاب علي رأس أولوياتي
شارك في الندوة د‏.‏ محمد منصور ــ محمد حسان ــ علي محمود د‏.‏ أحمد مختار ــ عبد السلام فاروق.. أعدها للنشر عبد الرحمن عبادي ــ خالد عبدالسلام
14 أغسطس 2017
عندما تقدم الدكتور محمد عثمان الخشت إلي لجنة اختيار القيادات الجامعية لتولي منصب رئيس جامعة القاهرة اصطحب معه كما كبيرا من الملفات والأوراق التي تضم رؤية شاملة لنقل جامعة القاهرة إلي ما أسماه بجامعات الجيل الثالث مؤكدا أنه مدرك لجميع أبعاد الجامعة ومشكلاتها ومشروعاتها ومقدما في الوقت ذاته حلولا سريعة ورؤية مستقبلية لجميع قطاعات الجامعة‏.‏

عقلية العالم والمفكر والفيلسوف التي غلبت علي تصريحات الرئيس الجديد لأعرق الجامعات المصرية ساعدته علي ترتيب أولوياته وأفكاره ودخوله سريعا في خضم العمل الإداري رغم محاولات عرقلته وجره إلي معارك جانبية مفتعلة باقتطاع بعض آرائه لتشويه صورته وتقديمه في صورة الطائفي والسلفي المتطرف علي عكس شخصيته المتسامحة وعقليته المتفتحة التي ظهرت في عشرات المقالات واللقاءات التليفزيونية معه في السنوات الماضية.

وفي حواره بمنتدي الأهرام المسائي الذي امتد لأكثر من ساعتين حرص رئيس جامعة القاهرة الجديد علي توضيح تلك الرؤية وشرح أبعادها بالتفصيل بروح متحمسة بينما عبرت سحابة حزن علي وجهه حينما سألناه عن حقيقة ما قيل عن تصريحاته الطائفية في أحد البرامج التليفزيونية لكنه سرعان ما أجاب: كل كتاباتي وأفكاري ومؤلفاتي التي تتجاوز45 مؤلفا تدعو للتسامح والاعتدال الفكري, حتي في أحلك الأوقات والظروف لم اغير آرائي أو أفكاري وما تم اقتطاعه واجتزاؤه في محاولة لتشويهي كان مقطعا من برنامج تلفزيوني أذيع منذ عشر سنوات خلال مجازر إسرائيل في غزة والضفة.

وشدد: ماقلته بالنص: لو كانت ممارسات بعض المسلمين ننسبها للاسلام وهو ما أرفضه فنسب بعض ممارسات اليهود للديانة اليهودية أرفضه ايضا لكن من اقتطعوا كلامي واكتفوا بعبارة سابقة لذلك النص قلت فيها: ان الكتاب المقدس في سفر التثنية يفسر تصرفات الصهاينة وقتل الاطفال واقتطع كلامي عند تلك النقطة رغم أني قلت بالنص: إن الإسلام والمسيحية واليهودية لا يمكن أن تشجع أو تحرض علي العنف وقتل الأطفال.

رئيس جامعة القاهرة حرص علي تأكيد العمل بروح الفريق في إدارة الجامعة كما أشار إلي أنه لا بد من عمل تصنيف داخل الجامعة بكلياتها وأقسامها وفق التصنيفات الدولية وعمل ترتيب داخلي حتي تكون هناك منافسة مما ينعكس علي الجامعة ككل, كما كشف عن إعداد50 خطة تفصيلية لمستقبل الجامعة يأتي علي رأسها إنشاء فرع دولي وإزاحة التعليم المورد للإرهاب وتنقية المناهج مما أسماه بالحقائق الجاهزة وكذلك حرصه علي التشاور مع أساتذة طب قصر العيني لتحويلها لمستشفيات نوعية حسب التخصصات وتعظيم موارد الجامعة الذاتية والتوسع في البرامج المتميزة بالاتفاق مع جامعات أجنبية بدلا من ذهاب الطالب للجامعات الخاصة بجوار التعليم المجاني.
كما أكد أنه لن تكون هناك زيادة في المصروفات الدراسية لطلاب الانتظام والانتساب وأشار كذلك إلي العمل علي ميكنة الخدمات الجامعية كلها وشدد علي أنه لن يسمح بالعمل الحزبي أو الديني أو الطائفي داخل حرم الجامعة.

البداية
منتدي الأهرام المسائي بدأ بترحيب الأستاذ ماجد منير رئيس التحرير بضيف المنتدي الدكتور محمد عثمان الخشت الذي أكد اعتزازه بـالأهرام المسائي وحرصه علي أن يكون أول لقاء صحفي له من منبر مؤسسة الأهرام العريقة, معربا عن رغبته في التعاون المشترك مع الأهرام المسائي في كثير من الملفات.

> قبل أن نطرح عليه السؤال الأهم حول رؤيته المستقبلية لجامعة القاهرة وأهم الأولويات التي سيعمل عليها في المرحلة المقبلة.. وعما يقصده بمصطلح نقل جامعة القاهرة للجيل الثالث للجامعات حيث أجاب علي تلك التساؤلات قائلا:
جامعة ذكية من الجيل الثالث

رؤية التطوير تتركز في ثلاثة محاور, أولها أن تصبح جامعة القاهرة جامعة ذكية من الجيل الثالث في ضوء مفهوم الأمن القومي الشامل, والمحور الثاني هو دراسي وتنموي للجامعة, والثالث في ضوء البحث العلمي وكيفية تسخيره في خدمة المجتمع.
أما عن مفهوم الجيل الثالث للجامعات فإن جامعات الجيل الثالث تختلف عن الجيلين الأول والثاني.. فالأول يعتمد علي التعليم وهدفه البحث عن الحقيقة, ويقتصر إنتاجه علي الموظفين, والثاني يعتمد علي التعليم مع البحث العلمي, ويهدف إلي اكتشاف الطبيعة, وينتج موظفين وعلماء.

أما الجيل الثالث من الجامعات فيعتمد علي التعليم والبحث العلمي بالإضافة إلي استغلال المعرفة وتسويقها, ويهدف إلي خلق قيمة مضافة للاقتصاد, والتعليم فيها يقوم علي التخصصات البينية وتنمية فكر المشروعات الإنتاجية الصغيرة, كما أن توجهها عالمي, وتتكون من كليات ومعاهد بحثية, وتقوم إدارتها علي حوكمة الإدارة الأكاديمية والأخلاق العالمية وأخلاقيات الأعمال, وتنتج رواد أعمال علاوة علي الموظفين والعلماء, بالإضافة إلي أنها تنعكس علي مفهوم الأمن القومي الشامل.. كما أن ريادة الأعمال, التي تعتبر الإضافة الرئيسة علي الجيلين الأول والثاني, هي جزء من المقررات وليست مجرد نشاط, وهو ما نعمل عليه, ومن ميزات الجيل الثالث أن كل واحد يمارس سلطته دون احتياج للروتين الذي ينتج عن البيروقراطية التي تنتجها المركزية الممنهجة في قلب الجيلين الأول والثاني, وهو ما نتطلع لمحوه في الجيل الثالث الذي نعمل علي تطبيقه علي الجامعة, وأول ثماره ستكون اللامركزية, وهي ضرورة مهمة جدا.. فالرقابة المتبادلة والحوكمة بالإضافة إلي الشفافية ستجعل لو حد غاب الدنيا ماتقفش.

> ماذا تعني بـ الجامعة الذكية في تصريحاتك المتكررة؟
المقصود هو ميكنة جميع الخدمات التي تقدمها الجامعة للطلاب وهو هدف نسعي إليه منذ سنوات وقد بدأت في العمل عليه منذ تولي منصب نائب رئيس الجامعة لشئون التعليم والطلاب, فنحن نستهدف مثلا تقديم الخدمات عن طريق تطبيقات الهاتف مثلا علاوة علي جعل إجراءات الجامعة كافة إلكترونية, وقمنا بالفعل بتفعيل تعاون إلكتروني من خلال نظام الزهراء الخاص بالمدينة الجامعية, وبدأنا في التسجيل الإلكتروني للمدينة عبر البطاقات الـديجيتال والتي تسهل من إجراءات التسجيل الإلكتروني وتحديد شرائح السكن المشروط, والذي يسكن من لا تطابقه الشروط بأجر أكبر من سواه, وعلي ذكر المدن الجامعية وجب علي التنويه عن أنه لا زيادة في مصروفات المدن الجامعية هذا العام.

وعلي الصعيد الدراسي فنحن نسعي إلي تطبيق الكتاب الإلكتروني بمفهومه الصحيح الذي لا يقتصر علي قراءته عبرPDF, كما نعمل علي التوسع وتصحيح المسار في هذا الشأن عن طريق وحدة الكتاب الإلكتروني.

> ما علاقة الجيل الثالث للجامعات بمفهوم الأمن القومي الشامل؟
الجيل الثالث يذهب بمفهوم الأمن القومي من حيز الحماية إلي عجلة التنمية, وهو ما سيجعل الجامعة مرتبطة بخطة الدولة في التنمية الشاملة.. اقتصاديا وعلميا وثقافيا وسياسيا واجتماعيا وعسكريا, فالجيل الثالث يهتم في المقام الأول بتطوير الإنسان المصري بعقليته وسلوكه, فإزاحة التعليم المولد للإرهاب هو هدف رئيس, وهو الذي يقوم بدوره علي حفظ المعلومات التي لا تقتصر علي مجال بعينه; فكليات الهندسة والعلوم والحاسبات والتجارة وشتي الكليات التي تعتمد علي تلقين المعلومات دون تطبيق كيف؟ يجعل العقول مغلقة وضيقة الأفق, لأن تعود الطالب علي سماع العلم بيقول كده سيجعله قابلا لتطبيق أفكارا إرهابية بنفس الشاكلة المرشد بيقول كده, وهذا ما يجعلنا نلجأ للتعليم الفعال الذي يعد ضرورة في غاية الأهمية, والتي تقوم بدورها في تغيير ماكينة التفكير من أجل القضاء علي العقول المغلقة, والتي تبدأ بعنصر رئيس, وهو إزالة الحفظ والحقائق الجاهزة, حتي نستطيع أن نزيل العقول المولدة للإرهاب.
كذلك نسعي إلي تطبيق مفهوم الحوكمة الرشيدة.. بمعني إقرار أسلوب ممارسة سلطات وسياسات الإدارة الرشيدة, التي ترتبط بالشفافية وتدفق المعلومات بشكل مناسب داخليا وإلي الخارج, علاوة علي الرقابة والمسائلة المتبادلة, والتوزيع الدقيق للمسئوليات بشكل رشيد مع مراعاة تناسب السلطات مع المسئوليات, وتحديد مراكز اتخاذ القرار بتسلسل وظيفي للموافقات المطلوبة وبالقرارات التي تمنح سلطات وتتحقق بالأداء.

> القارئ يريد أن يفهم كيفية ربط التعليم بالأمن القومي الشامل.
إن أحد أهم أسباب الحروب والصراعات السياسية المرضية الخارجة عن قواعد التفكير الطبيعي, يكمن في اختلال بنية العقل, وعدم قدرته علي رؤية نفسه ورؤية الآخرين, وانعكاس قائمة الأولويات. وهذا يرجع في أحد جوانبه إلي التعليم القائم علي الحفظ والتلقين, وليس ضبط وتنمية طرق التفكير. وفي ظني أن تخلف مناهج التعليم أحد أهم أسباب مشكلة الإرهاب بجوار الأسباب: السياسية والاجتماعية والاقتصادية; فمناهج التلقين تصنع عقولا مغلقة.

حلول عاجلة وأخري استراتيجية
والحلول متعددة بتعدد الأسباب, وهي نوعان: حلول عاجلة للقضاء علي الأعراض الخطرة التي تهدد استقرار الوطن, وحلول إستراتيجية بعيدة الأمد. وكل هذه الحلول غير ممكنة بدون تغير مفهوم الأمن القومي; ذلك أن أي تخطيط استراتيجي لمستقبل الأمن القومي المصري, يجب أن يضع التعليم علي قائمة الأولويات, وأن يأخذ في الاعتبار البعد السكاني, والاجتماعي, والتنموي, علي مستوي الوطن وعلي مستوي كل محافظة.

إن الأمن القومي أمر يتجاوز بكثير طاقة ووظيفة وحدود نظرية الأمن التقليدية; لأن مفهوم الأمن القومي لم يعد مقصورا علي حماية الأرض من التهديدات الخارجية, فمع تطور مفهوم قدرة الدولة اتسع مفهوم الأمن القومي ليشمل القدرة الشاملة للدولة والمؤثرة علي حماية معتقداتها وقيمها وأراضيها ومصالحها السياسية والاقتصادية والاجتماعية من التهديدات الخارجية والداخلية.
بل يمكن القول إن الأمن القومي تجاوز مفهوم الحماية بمعناها الواسع, إلي مفهوم التنمية الشاملة.. يقول روبرت ماكنماراRobertMcNamara وزير دفاع الولايات المتحدة الأمريكية ورئيس البنك الدولي الأسبق في كتابه( جوهر الأمن): الأمن عبارة عن التنمية, وبدون التنمية لا يمكن أن يوجد أمن, والدول التي لا تنمو في الواقع, لا يمكن, ببساطة, أن تظل آمنة.

وهذا التعريف الذي يركز علي تطور مفهوم الأمن القومي وشموله لمختلف الأبعاد التنموية, يجرنا مباشرة إلي التعليم والبحث العلمي كقاطرتين لتحقيق الأمن القومي بمفهومه التنموي الشامل, وباعتباره تنمية علمية وعسكرية واقتصادية واجتماعية, تنمية للموارد والقوي المختلفة, تنمية للدولة والمجتمع والثقافة, تنمية للعلاقات الخارجية والسياسة الداخلية, وهنا يبرز الدور الريادي والمسئولية القومية للمدارس والجامعات.

والعلاقة بين التعليم والأمن القومي بهذا المعني أكدها جون ديوي; فالتعليم عنده هو مجموعة العمليات التي يستطيع بها المجتمع أو زمرة اجتماعية كبرت أو صغرت أن تنقل سلطانها أو أهدافها المكتسبة, بغية تأمين وجودها الخاص ونموها المستمر, ولذا فإن التعليم هوالحياة عند ديوي.

ولا شك في أن تقدم مصر الحديث ومستقبل أمنها القومي مرهون بقدرتها علي تجديد نفسها علي أساس من التخطيط العلمي الرصين; من أجل تحقيق مشروع مجتمعنا في ترسيخ قيم التراث والحداثة وتوسيع مجالات حقوق الإنسان, وعبور الهوة المعرفية العلمية.

> برأيك.. كيف يتبلور بناء الإنسان في ضوء التحديات؟
كما أن التحدي القومي يجب أن يتبلور في بناء إنسان مصري جديد وتحقيق التنمية وتأسيس دولة حديثة, ولذا فالمرحلة الراهنة تطرح تحديات عديدة: كيف يمكن تركيز الاهتمام في التعليم علي طرق التفكير وكشف الحقائق وتأسيس روح الابتكار, وليس التلقين والحفظ أو السمع والطاعة.. من أجل توسيع المعارف البشرية, وتعزيز قدرة الطلاب والباحثين علي استغلال هذه المعارف لتحقيق الأهداف الحيوية للدولة المصرية باعتبارها أحد أهم تعريفات الأمن القومي؟ وما هوالسبيل لتقليل الفجوة بين الفقراء والأغنياء في طبيعة وفرص التعليم؟ كيف نوفر المناخ الأمثل لجودة العملية التعليمية؟ وكيف يمكننا أن نصل بخريجينا إلي المستوي العالمي الذي يؤهلهم إلي الدخول إلي سوق العمل من أوسع أبوابه؟ كيف يمكن التغلب علي مثلث عوائق البحث العلمي: التمويل, والمعامل المجهزة, والإدارة؟
إن الإجابة علي هذه التحديات لن يكون بمجرد التمني, وإنما برؤية واضحة لمستقبل التعليم والبحث العلمي, وبفكر جديد يعكس فلسفة جديدة للأمن القومي, عن طريق تعليم يمد المجتمع المصري بكوادر وطنية فنية مدربة, وصولا إلي مستويات تنافسية عالمية.. تعليم يقوم علي استحداث مناهج جديدة قائمة علي أسس النمو في تصميم المشاريع البحثية, والتميز في أداء الباحثين والطلاب, والتطور في النظام الإداري, والبحث في قضايا الدولة, وتشخيص الاحتياجات, فقد أصبحت سمة العلم الجديدة هي التطبيق أو بلغة الاقتصاد العائد الفوري.

> كيف سينعكس كل ذلك علي جامعة القاهرة من وجهة نظرك؟
مؤسسات التعليم- من الحضانة إلي الجامعة- ليست مجرد مؤسسات لنقل المعارف إلي أبنائنا, بل مؤسسات وطنية نهضوية يقع العبء الأكبر عليها في بناء شخصية المواطن بوصفه جوهر الدولة, وأساس الأمن القومي, لا بوصفه إرهابيا يكفر كل من حوله ويستحل دمه, ومن هنا فإننا سنسعي وبشكل جدي إلي إزاحة التعليم المورد للإرهاب وإزالة الحقائق الجاهزة وتنمية الروح النقدية لدي طلابنا باستحداث مقرر دراسي لهذا الغرض.

> وكيف ستفعل ذلك في ظل منظومة الكتب الجامعية الحالية التي تعمق فكرة الحفظ والتلقين عند الطالب؟ كذلك كيف ستحل مشكلة الكتب الجامعية في ظل الظروف الاقتصادية الحالية؟
كماقلت تنمية الروح الناقدة وتوسيع مدارك واطلاعات الطالب جزء أساسي من أركان التحديث المنشود كما أننا سنتوسع في منظومة الكتاب الإلكتروني والرقمي تيسيرا علي أبنائنا الطلاب وفي حالة البرامج الخاصة الجديدة التي ارتفعت اسعار الكتب المستورة بها بسبب الدولار فقد وفرت الجامعة عددا من النسخ الورقية للطلاب بمكتباتها وندرس حاليا إمكان توفيرها إلكترونيا للطلاب.

> عودة إلي الحوكمة.. حدثنا عن رؤيتك لها في الجامعة بشكل أكثر تفصيلا؟
تطورت نظم الإدارة الأكاديمية تطورا كبيرا في العصر الحديث, ومع ذلك لا تزال الكثير من مؤسساتنا في العالم العربي تدار بالأساليب القديمة خارج التاريخ وخارج عصر التكنولوجيا.

الإدارة الأكاديمية لن تتحسن دون الحوكمة
في تصورنا أن الإدارة الأكاديمية لن تتحسن بدون تطبيق الحوكمة, ولا نجد غضاضة في الاستفادة من تجارب إدارية ناجحة من خارج الحقل التعليمي مثل تلك التجارب التي نجحت فيها مؤسسات دولية في تطبيق الحوكمة; مما أدي إلي نتائج ممتازة علي أرض الواقع, مثل تجارب برنامج الأمم المتحدة الإنمائيUNDP, ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنميةOECD, ولجنة بازل للرقابة المصرفية العالميةBaselCommittee, والبنوك العالمية.

ويشير مصطلح الحوكمةGovernance إلي أسلوب ممارسة سلطات الإدارة الرشيدة; بناء علي تعريف المؤسسات المذكورة أعلاه. وترتبط الحوكمةGovernance بالمزاولة المتحركة لسلطات وسياسات الحكم/ الإدارة, وبالقرارات التي تمنح سلطات أو تتحقق من الأداء, وتتكون إما من عملية منفصلة أو من جزء محدد من عمليات الإدارة والأنظمة, وتقوم علي مجموعة من السياسات والعلميات المتناسقة المترابطة, التي تحسن من الأداء التشغيلي, وتحد من الممارسات الفاسدة والاحتيالية, وتؤدي إلي كفاءة أعلي ومستويات ربحية ملحوظة.

وبمعني آخر, فإن الحوكمة تعني تطبيق النظام, أي تفعيل نظام يحكم العلاقات بين الأطراف الأساسية التي تؤثر في الأداء, كما تشمل مقومات تقوية المؤسسة علي المدي البعيد وتحديد المسئول والمسئولية. وقد ظهرت الحاجة إلي الحوكمة في العديد من الاقتصاديات المتقدمة والناشئة خلال العقود القليلة الماضية, خاصة في أعقاب الانهيارات الاقتصادية والأزمات المالية; لمنع الفساد وتحقيق أداء أفضل.

ولذا سبق أن وضعنا النظام العام لمركز اللغات والترجمة بجامعة القاهرة, وحقق المركز بهذا النظام فائض نمو215% في سنوات من أصعب السنوات في تاريخ مصر الاقتصادي والتعليمي بعد ثورة25 يناير, كما سبق أن طبقنا هذا النظام في المركز الثقافي التعليمي المصري بالرياض حيث يدير أكبر بعثة تعليمية في العالم; مائتان وستون ألف طالب مصري, ويتعامل مع جالية يفوق عددها ثلاثة ملايين مصري.

> وما هو دور التدريب في هذا الشأن؟
لا قيمة لذلك كله بدون التدريب الفني الموازي للأخصائيين والفنيين; لأن البنية الهيكلية من الأجهزة والمعدات ووسائل الإدارة لا يمكن لها أن تؤدي إلي تطوير فعال بدون القوة البشرية المؤمنة بحسن استخدام التقنية وتوظيفها بشكل فعال وبما يرفع من الأداء الإداري الأكاديمي. وعلي نفس درجة أهمية امتلاك الأجهزة والمعدات لابد من تدريب الذات علي حسن الاستخدام والتوظيف. وفي الوقت الذي تتوق فيه كثير من المؤسسات إلي مضاعفة عدد الحاسبات التي بحوزتها, لابد أن ندرك جميعا أن جودة البيانات التي تحويها هذه الأجهزة لا تقل أهمية عن البرامج المحوسبة والمعدات.

> برأيك.. كيف سيكتمل نجاح المنظومة الأكاديمية في ظل التعامل مع تشريعات التعليم؟
لا تكتمل منظومة نجاح الإدارة الأكاديمية بدون الدعوة إلي توحيد منظومة التشريعات الحاكمة للتعليم, من خلال قانون عام موحد للتعليم, ولائحة تنفيذية موحدة ودقيقة وواضحة, تمثل مظلة عامة حاكمة, علي أن تسمح في الوقت نفسه بلوائح خاصة لمؤسسات التعليم والجامعات تظهر الشخصية المستقلة لكل منها في إطار أهدافها الاستراتيجية, كمؤسسات علمية اقتصادية لها كامل الحرية الأكاديمية والإدارية والمالية في إطار من الشفافية والمحاسبة المجتمعية, ومن خلال تصورات فاعلة تحدد أدوار ومسئوليات الجهات الحاكمة في إدارة التعليم العالي وخلق الكيانات القادرة علي إدارة حديثة للمنظومة تحقق أهداف الخطة الاستراتيجية بالكفاءة المطلوبة, علي أن يكون للكليات والكيانات التعليمية لوائح داخلية تتيح لها الإدارة الذاتية واللامركزية, للتخلص من البيروقراطية المزمنة التي تمثل أحد أهم مشكلات التعليم في بلادنا, وبما يضمن لمنظومة التعليم المرونة والكفاءة والفاعلية والقدرة علي المنافسة.

> في ضوء تلك الرؤية كيف تنظر إلي مستقبل العملية التعليمية؟
نحن في صدد الانضمام إلي اتفاقية بولونيا, والتي تهدف إلي مواكبة التعليم في أوروبا ومجاراة الجامعات الأوروبية في مناهجها وطرق التعليم والأدوات المتوفرة لديها, ومن ضمن الاتفاقية توأمة الكليات في جامعة القاهرة مع نظيراتها في جامعات أوروبية, وهو ما يتيح الفرصة للانفتاح الطلابي وتوسيع الأفق بمحاذاة سعينا لجعل مناهجنا وفق النظام الأوروبي الموحد, وهو ما يعيد للأذهان تجربة محمد علي مع البعثات الأوروبية التي نهضت بمصر, وسيتم تجربة التوءمة علي إحدي كليات الجامعة قبل تعميمها كذلك فإن العمل علي استقطاب الأساتذة الأجانب من ضمن أولوياتنا, لأن الاحتكاك مع الأساتذة الأوروبيين سيكسب نظرائهم من المصريين خبرات كبيرة, وطرق حديثة في التدريس, علاوة علي التعامل اللائق مع الطلاب الذي يمكنهم من الفهم قبل الحفظ, وتبادل الخبرات في التعليم التفاعلي الذي تقوم عليه المنظومة التعليمية في أوروبا. وأنا شخصيا تأثرت في طرق الشرح والتعليم بالمدرسات البريطانيات اللاتي تعملت منهن في أحد الدورات التدريبية التي حصلت عليها من المركز الثقافي البريطاني, فأثرن علي في عملي كأستاذ جامعي.

> لكن هناك من اعتبر حديثك عن استقطاب الأساتذة الأجانب مقدمة للتخلص من أعضاء التدريس المصريين؟
غير صحيح علي الإطلاق.. الاستفادة من اساتذة الأجانب لن يكون بمشاركتهم في التدريس بل في الاعتماد عليهم في نقل خبراتهم عبر الدورات التدريبية في مركز تنمية القدرات مثلا وهو أمر متعارف عليه في دول العالم..كذلك لايمكن تصور إحلال أساتذة أجانب مكان أساتذة مصريين والقوانين لاتسمح بذلك.

> ماذا عن الوضع المالي للجامعة وهل يساعدك علي تحقيق طموحاتك واحلامك المستقبلية للجامعة؟
إذا نظرنا إلي ميزانية جامعة القاهرة سنجد أنها تصل إلي نحو مليارين و200 مليون جنيه, وقد فوجئت بأنه من المطلوب توفير مليار منها من مواردنا الذاتية وتصل التزامات الجامعة المستقبلية إلي مايقدر بـ8 مليارات ونحن في صدد عقد مجلس عمداء لبحث التوسع في البرامج الخاصة وزيادة عدد الطلاب المقبولين بها لتعظيم وزيادة مواردنا الذاتية.

> وكيف ستلبي طموحات العاملين وأعضاء التدريس الذين يعولون كثيرا عليك لتحسين وضعهم المادي والمعيشي؟
زيادة البرامج الخاصة والتوسع في القبول بها كل ذلك يصب في في زيادة دخل أعضاء هيئة التدريس إضافة إلي العمل علي تسويق الأبحاث العلمية وزيادة مكافآت النشر الدولي.

> وما هي رؤيتكم المستقبلية لمنظومة البحث العلمي في الجامعة؟
البحوث العلمية لا بد أن تسخر في خدمة المجتمع علي كل الأصعدة, وعلي رأسها الاقتصاد وتوفير العملة الصعبة التي بدورها ستقلل من سعر الدرلار, وذلك عن طريق تطبيق المشروعات بحثية حتي لو أنتجت أشياء صغيرة كالإبرة أو الممحاة الأستيكة, وهناك في جامعة القاهرة نحو163 مركزا بحثيا يقوموا دولة يحتاج إلي خريطة تتصدرها قائمة أسعار. ونحن نعمل علي حضانات علمية, وأن يتكون البحث من فريق من الطلبة معهم أستاذ. وبالإشارة إلي إنتاج البحوث العلمية التي تتقدم بالمجتمع, سنجد أنه لابد أن تقوم كلية الزراعة بقيادة المجتمع, ولنا في مهاتير محمد وما فعله في مشروع نهضة ماليزيا خير مثال علي أهمية الزراعة والبحوث المتعلقة بها في نهضة الدول وتقدمها.

> وماذا عن رؤيتك للعمل السياسي والحزبي داخل الحرم الجامعي؟
الجامعة ليست مكانا للعمل الحزبي أو النوعي أو الطائفي.. وأؤكد أنه لن يسمح بممارسة أي عمل سياسي داخل الجامعة أيا كانت الانتماءات.

> لكن الجامعة يجب أن يكون لها دور لتوعية الطلاب سياسيا عن طريق النماذج الطلابية والدورات التدريبية وغير ذلك؟
أتفق معكم.. لكن هذا فيما يخص الوعي السياسي وليس الممارسة, بمعني أننا سنقوم بتعليم الطلبة أسس السياسة وكيفية العمل بها, كما أنه سيكون لنا دورا في مكافحة الفكر الإرهابي وضرب التطرف, أما الممارسة فتسبب النزاعات والصراعات بين الطلاب والأساتذة, وبين الطلاب وبعضهم, وتثير المشكلات بسبب اختلاف الانتماءات والآراء; لذلك لا مجال للعمل السياسي أو الحزبي داخل أسوار الجامعة, وسنكتفي بالعمل علي تنمية الوعي السياسي ولن نسمح كمؤسسة جامعية بعمل طائفي أو بعمل حزبي والعمل السياسي الحزبي يمارس في الأحزاب فقط.

> كيف ستتعامل مع الملف الطلابي وأين الدور التنويري والثقافي للجامعة من رؤيتك؟
الملف الطلابي يشغل حيزا كبيرا من رؤيتنا المستقبلية للجامعة والدور التنويري في مقدمة أولوياتنا حيث نسعي إلي التوسع بشكل كبير في الأنشطة الطلابية, وعلي رأسها المسرح الذي نعمل علي تنميته ونقله من مجرد مكان للعرض إلي تعظيم شأنه في تنمية المواهب وإظهارها وعرضها علي نخب متخصصة,واستغلال مسارح الجامعة في تقديم عروض يومية للطلاب علي مدي العام بحيث تقدم الفرق المسرحية الطلابية عروضها لطلاب الجامعة ويتم الاتفاق مع فرق مسرحية محترفة لتقديم عروض احترافية يوم أويمين أسبوعيا بالإضافة إلي العمل علي إنشاء قاعة عرض سينمائي بالمدينة الجامعية تتخصص في عرض يومي يفترض مثلا أن تحدد من8 إلي10 مساء بأجر رمزي يقدر بجنيهين, وهو ما يعطي جانبا ترفيهيا للطلاب المقيمين بالمدينة الجامعية. ذلك بالإضافة إلي إنشاء مجلس الثقافة والتنوير, فالفن له دور كبير في تحويل الطاقة السلبية إلي طاقة إبداعية, وهذا الأمر لا يقتصر علي الفن فحسب, بل إن الرياضة والثقافة أيضا تستطيع أن تمحو الطاقات السلبية.

> لتصنيفات العالمية للجامعات باتت مسار تنافس حقيقي وتقييم للجامعات هل تتضمن رؤيتكم خطة واضحة للتقدم بالجامعة في التصنيفات العالمية؟
بالطبع.. سنعمل علي التواجد القوي في التصنيفات العالمية لكننا أيضا سنعمل علي خلق مناخ تنافسي داخل الجامعة, وذلك عن طريق وضع أسس ومعايير يتم علي أساسها وضع تصنيف داخلي بالكليات بين الاقسام وبعضها, وهو ما سيجعل كل قسم يقدم أقصي ما بوسعه ليتفوق علي غيره من الأقسام مما يصب في مصلحة الكلية ويجعها أكثر قوة وجودة, وذلك ما سيتم تطبيقه بين الكليات وبعضها في الإطارات المتشابهة, فالكليات العلمية ستوضع بمنافسة بين بعضها البعض, والكليات الأدبية كذلك, وهو ما سيجعل كل كلية تقدم أفضل ما لديها, وعلي سبيل المثال تخيل لو تم تصنيف كلية الإعلام في المركز التاسع, ستقوم الكلية بتحسين نفسها حتي تتقدم في التصنيف التالي, وذلك بالنسبة لكل الكليات, وهو ما يصب في مصلحة الجامعة ككل في المقام الأول, ويدفع إلي التطور وتصحيح المسار, ويظهر الجامعة في أفضل صورة ممكنة.

> في ظل تطوير منظومة التعليم المفتوح والانتقال بها إلي إطار جديد.. أين جامعة القاهرة من المنظومة الجديدة خاصة وأنها صاحبة الريادة في التعليم المفتوح؟
سيحل التعليم المدمج محل المفتوح, والذي نسعي إلي الدخول إليه بشكل قوي من خلال المجلس الاعلي للجامعات لاستحداث عدد من البكالوريوس والليسانس في كليات بنظام التعليم المدمج, بموازاة وضع معايير واضحة وشفافة لا تسمح بالتشكيك فيها بأن يتلقي الطلاب تعليما لا تقل جودته عن التعليم في الجامعات الخاصة ونحن الآن قدمنا برامجا في الطفولة المبكرة والتجارة علي سبيل المثال.

> ماذا عن ملف المستشفيات الجامعية؟
سأعمل علي التشاورأمع الزملاء بطب قصر العيني لتحويلها إلي إلي مستشفيات نوعية حسب التخصصات, وهم بالفعل يعملون بشكل جيد, خاصة بعد المنحة السعودية لمستشفي قصر العيني, وأشيد بعمل المستشفيات الجامعية في الفترة الماضية, وما سيزيد الأمر إنجازا هو تحويلها إلي مستشفيات متخصصة, مما يحقق اللامركزية في العمل.

> لوحظ مؤخرا انتشار الدروس الخصوصية مقننة بجوار الجامعة؟
الدروس الخصوصية بالجامعة ليست وليدة الفترة الحالية, ومن الطبيعي أن تجد مراكزا للدروس بجوار الجامعات, فهذا الأمر ليس مقتصرا علي جامعة القاهرة وحدها, بالإضافة إلي أن الجامعة غير مسئولة عنها ولا تملك سلطانا علي هذه المراكز.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
الأكثر قراءة
Facebook تابعنا على