السبت 20 من ذو القعدة 1438 هــ  12 أغسطس 2017 | السنة 27 العدد 9603    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:
ماجد منير
زهـور وأشواك
محمد مصطفى الخياط
11 أغسطس 2017
لا أعرف من أين أتت هذه المدينة بهذا الكم من الزهور‏.‏ حيثما وليت وجهك صافحت عيناك زهور البتونيا بشكلها القمعي وألوانها المختلفة الجذابة في تشكيلات وصياغات رائعة‏.‏ مساحات شاسعة تشغلها البتونيا إلي جوار تشكيلات هندسية وجمالية مختلفة من أشجار الفيكس‏.‏شيئان يملآن المدينة‏,‏ الزهور والشرطة‏,‏ فإلي جانب كل زهرة يقف رجل شرطة‏,‏ لا يتوقف نطاق عمله علي سماع همس الزهور والعصافير‏,‏ لكنه يمتد لمساحات أبعد‏.‏ ينتشرون في كل مكان كما ينتشر الموت في زوايا ومكامن الوطن العربي المتهالك جدلا‏,‏ والمنهك صخبا‏.‏

هناك دول يتحدث فيها رجل الشرطة ويسمع الآخرون, وهناك دول يتحدث فيها الجميع, بمن فيهم رجل الشرطة. لا يتوقف الأمر علي اختلاف الثقافات, بل يمتد إلي سراديب حياتنا, تماما كبيت العنكبوت, لا يغرنك امتداده بعرض الحائط, وكمون ناسجه مترقبا في إحدي الزوايا, فحركة بسيطة لخيط واحد في أقصي الزاوية, كفيلة بتنبيه العنكبوت القابع في الركن المقابل. فالكل يتصل بالكل, وكل الحركات والسكنات يعلم بها العنكبوت. اتفاقا مع محور رواية الكيميائي لباولو كويلو والمتمثل في وجود لغة كونية واحدة تعبر عن كل الأحداث, يتحول شباك استخراج تأشيرة السفر إلي كف تقرأ فيها ملامح النظام, نوعية المستندات المطلوبة, المواعيد, ولغة الخطاب مع المترددين. هناك شبابيك تري في الواقفين أمامها مشاريع تجسس وأعداء محتملون, وهناك شبابيك تستوفي متطلباتها وإجراءاتها, وتضع الشك علي الطاولة, حتي يثبت العكس, قولا أو فعلا. حكي لي أحد الأصدقاء بحاجته في أحد مهام سفره للخارج إلي خطاب رسمي من البلد المضيف. تلقي بريدا مهذبا يطلب ملء استمارة البيانات المرفقة مع إفادة بأن الإجراءات سوف تستغرق من سبعة إلي عشرة أيام. فاتت العشر وأرسل يستعلم, فأعادوا سابق طلباتهم,فرد في لطف منبها إتمامه الإجراءات المطلوبة, فتلقي ردا باردا بضرورة تنفيذ التعليمات, ثم تكرر ما حدث, حتي حصل علي الخطاب الموعود لدخول الفردوس.(عندما نزلت المطار, كان أول ما لفت انتباهي ضخامة قبعات رجال الشرطة, وكأنها وسيلة لإكسابهم مزيدا من المهابة, أو ربما لمعالجة قصر القامة المنتشر في هذا البلد), قال صديقي في روايته الرمزية(1984), يرسم جورج أورويل صورة مفزعة لوزارة الحب في دولة أوشينيا التي يحكمها الأخ الأكبر, تختص الوزارة بمراقبة الجميع, والقبض علي المتمردين علي أفكار الحزب, والعمل علي إعادتهم إلي الطريق الصحيح, حتي لو أدي ذلك للموت, فأمام الثقة في الحاكم الأكبر والولاء للحزب الأوحد تنعدم البدائل.ميكروفونات, وكاميرات خفية, وأطفال يرشدون عن آبائهم, منظومة يعلو فيها المخبر السري علي القانون. يتسرب في خلايا الوطن, فلا تعرف أيهما العائل وأيهما الطفيل. في قصيدته أمير المخبرين, يصف الشاعر أحمد مطر الطريق إلي بيت صديقه مستدلا بمواضع المخبرين, الذين يملأون الشوارع والنواصي, فلا يملك إلا أن يدعو الله بأن يحفظ أمير المخبرين, فلولاه لضل الطريق وما وصل إلي مقصده... يقينا باستطاعتك كأن تملأ الدنيا زهورا أو شوكا, انتبه فالأمر يتوقف عليك أنت.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
Facebook تابعنا على