الأربعاء 17 من ذو القعدة 1438 هــ  9 أغسطس 2017 | السنة 27 العدد 9600    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:
ماجد منير
الأنماط الخمسة للدولة المأزوقة
أحمد عليبة ـــــ أحمد كامل البحيري
9 أغسطس 2017
تواجه فكرة الدولة كمفهوم وككيان تحديات كثيرة في الوقت الراهن‏,‏ وأصبح استقرار الدولة مطلبا ملحا في ظل كثرة وتنوع الصراعات وما تتضمنه من مخاطر وتهديدات طالت مكونات الدولة المختلفة من شعوب وحدود وسلطات وجيوش‏..‏إلخ‏,‏

ويمكن القول بأن شيوع حالات ضعف مناعة الدولة وتراجع قدراتها علي التماسك وأداء الوظائف الأساسية المنوطة بها, بل تهديد بقائها وصولا إلي سقوط الدولة في بعض الحالات كان ولا يزال هو المشهد المعايش علي الساحة الإقليمية منذ اندلاع انتفاضات الربيع العربي في أواخر عام.2010
وبشكل عام تصنف حالة الدولة وفقا لمؤشرات دولية إلي أصناف مختلفة علي حسب درجة الاستقرار أو عدمه, ونحاول في هذا الملف علي مدار3 حلقات استعراض الأنماط المختلفة للدول غير المستقرة, في الحلقة الأولي, وفي الحلقتين التاليتين سوف نناقش تطبيقات لهذه النماذج علي بعض دول المنطقة والتي تشهد تصاعد الصراعات المسلحة وتنامي النزاعات السياسية والإرهاب.

 

الفشل ــ الانهيار ــ الهشاشة: حالات قديمة ومصطلحات حديثة
علي الرغم من أن حالات تدهور الدولة ككيان قديمة تاريخيا لكن استخدام مصطلحات الدولة الفاشلة, الدولة الهشة, الدولة المنهارة, هو استخدام حديث بدأ علي وجه التحديد منذ عقد التسعينات في القرن الماضي, مع حالة الصومال الذي يشكل أول نموذج تم توصيف حالة فشل الدولة عليه لدرجة أنه أصبح تعبير صوملة يستدعي علي الفور نموذج فشل الدولة, وكانت مجلة السياسة الخارجية الأمريكية أول من طرح تصورا حول هذه المصطلحات في دراسة أعدها الباحثان جيرالد هيرمانGeraldB.Helman ستيفن راتنرStevenR.Ratner في عام1993, واللذان عرفا الدولة الفاشلة بأنها الدولة التي لا تستطيع أن تلعب دورا ككيان مستقل, والغير قادرة تماما علي الحفاظ علي نفسها كعضو في المجتمع الدولي, وحددا مظاهر فشل الدولة بتنامي التهديدات وانتقالها إلي المحيط والجوار من خلال تداعيات عدم الاستقرار السياسي حيث يتدفق اللاجئون, وتنتشر الحروب العشوائية.
ثم كانت الدراسة التأسيسية الثانية المهمة لـوليام زارتمانWilliamI.Zartman أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جونز هوبكنز بواشنطن عن الدولة المنهارة عام والتي كانت في عام1995, في دراسته حول الدول المنهارة, والتي عرفها بأنها تلك الدول التي لم تعد قادرة علي القيام بوظائفها الأساسية إلي جانب تدهور هيكل السلطة الشرعية والقانون والنظام السياسي, وضرب مثالا علي ذلك بالكونغو في الستينيات من القرن العشرين, وتشاد وغانا وأوغندا في أواخر ثمانينيات القرن نفسه, والصومال وليبيريا وإثيوبيا مع بداية تسعينيات القرن العشرين.
لكن في عام2005 بدأ صندوق السلام(FundForPeace), بالإشتراك مع مجلة السياسة الخارجية(ForeignPolicy), في إصدار تقارير سنوية حول الدول الفاشلة, وضعت مؤشرات رئيسية للدول الفاشلة تمثلت بـفقدان سيطرة الدولة علي أراضيها أو جزء منها, أو فقدان احتكار الاستخدام المشروع للقوة والسلطة داخل أراضيها, تآكل السلطة الشرعية لدرجة العجز عن اتخاذ قرارات موحدة, وعدم القدرة علي توفير الخدمات العامة, وعدم القدرة علي التفاعل مع الدول الأخري كعضو كامل العضوية في المجتمع الدولي, ويعد هو التصنيف الأكثر رواجا في التحليلات والأكثر استخداما لدي الباحثين في الوقت الحالي.

حالة الشرق الأوسط وفقا لتقرير صندوق السلام العالمي وفورين أفيرز
لقد وصلت بعض دول المنطقة العربية لمرحلة من التراجع الحاد في بنية الدولة الوطنية عشية الحراك الشعبي والذي بدأ في أواخر عام2010, نتيجة عوامل متعددة منها ما هو سياسي واقتصادي واجتماعي, أدي لحدوث حالة من الاختلالات الهيكلية الحادة في بنية الدولة والمجتمع لا تزال تأثيراتها قائمة, ولم تعد حالة التصدع والانهيار التي تعاني منها غالبية دول الشرق الأوسط بدرجات متفاوتة شأنا داخليا ترتد آثاره السلبية علي هذه المجتمعات فحسب, إذ إن موجات التداعيات باتت تنتقل سريعا عبر الحدود من الشرق الأوسط إلي الأقاليم المجاورة التي باتت تواجه تهديدات حادة للأمن والاستقرار بها نتيجة تدفقات اللاجئين والهجرة غير الشرعية والتهديدات الإرهابية.
ويكشف تقرير مؤشر الدول الهشة لعام2017 الصادر عن مؤسسة صندوق السلام ودورية فورين بوليسي الأمريكية عن ترد حاد في أوضاع دول الشرق الأوسط علي المؤشر, نتيجة تزايد حدة التهديدات الأمنية, والأزمات الديموغرافية, والتحديات الاقتصادية والتنموية, بالإضافة إلي تزايد الانكشاف الخارجي للإقليم, بحيث أصبحت التدخلات الخارجية وأدوار القوي الدولية من المسلمات ضمن المعادلات الجديدة للتفاعلات الإقليمية.
ومن خلال خمس مؤشرات يمكن رصد حالات تماسك الدولة وهي تعتمد بشكل أساسي علي قياس هي; أولا: درجة تماسك المجتمع وقوة الدولة, وقدرتها علي مواجهة التهديدات الأمنية من خلال ثلاثة مؤشرات رئيسية, هي الأجهزة الأمنية وقدرتها علي مواجهة التهديدات واحتكار استخدام القوة ودرجة ثقة المواطنين بها, وانقسامات النخب السياسية والمجتمعية, ومظلوميات الجماعات المختلفة داخل المجتمع ومدي شعورهم بالاضطهاد والاستبعاد والتهميش داخل الدولة.
وثانيا: المؤشرات الاقتصادية وتشمل هذه المجموعة من المؤشرات قياس مدي وجود انحدار اقتصادي, وعدم عدالة في توزيع عوائد التنمية بين الجماعات المختلفة, بالإضافة إلي هجرة العقول والكفاءات بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية.
وثالثا المؤشرات السياسية تتضمن المؤشرات السياسية قياس درجة الشرعية التي تحظي بها الدولة, ومستويات الرضاء العام عن الخدمات العامة, بالإضافة إلي قياس حالة حقوق الإنسان وحكم القانون داخل الدولة.
ورابعا: المؤشرات الاجتماعية وتتضمن هذه المؤشرات قياس الضغوط الديمجرافية, ومدي وجود لاجئين ونازحين علي أراضي الدولة باعتبارهم يمثلون ضغوطا علي موارد الدولة وخدماتها العامة وفقا للمؤشر.
خامسا: التدخل الخارجي ويركز هذا المؤشر علي تأثير الفواعل الخارجية علي الأداء الاقتصادي والأمني للدولة, خاصة التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية من جانب الحكومات والفاعلين من غير الدول علي المستويين الأمني والاقتصادي, وضغوط القروض الأجنبية والمساعدات, ومدي اعتماد اقتصاد الدولة علي الخارج.
وهنا يأتي التساؤل الرئيسي حول الأسباب التي تؤدي إلي فشل الدولة؟ وما هو الفرق بين الدولة الفاشلة والدولة الهشة؟ وانطلاقا من التعريفات السابقة يمكن الوقوف علي الفرق بين الدولة الهشة والدولة الفاشلة والدولة المنهارة, فالانهيار هو المرحلة الأخيرة من الفشل علي حسب التدرج في المراحل الزمنية والهياكل المؤسسية, فقد يحدث الفشل في كل مؤسسات الدولة مرة واحدة ما يؤدي إلي الانهيار كما في حالة الصومال, أما الدولة الفاشلة فهي دولة لم تعد قادرة علي أداء أمنها الأساسي ووظائفها التنموية التي ليس لها سيطرة فعلية علي أراضيها وحدودها كما في حالات عواصف الربيع العربي اليمن ــ سوريا ــ وليبيا. وهي أيضا دول تشهد توترات وصراعات خطيرة, ومتناقضة بشدة من قبل الفصائل المتحاربة, وفي معظم الدول الفاشلة, تقاتل القوات الحكومية ثورات مسلحة يقودها واحد أو أكثر من الفصائل المتحاربة, ولكن تجدر الإشارة إلي أن اندلاع العنف السياسي, بما في ذلك الحرب الأهلية, لا يعني بالضرورة فشل الدولة, فإن استمرار هذا العنف يشكل بالتأكيد علي الأقل فشل في بعض المكونات الفرعية الأساسية لوظائف الدولة مثل توفير السلام والأمن في جميع أنحاء أراضي الدولة القومية, أما الدول الهشة, هناك العديد من التعريفات ومنها, التعريف المرتبط بالفعالية, بمعني القدرة علي إدارة الموارد الأساسية والتي ترتبط بأربعة أبعاد أساسية هي الموارد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية, وهو تعريف يرتبط بديناميكيات الأمن وإدارة الصراع وقدرات الدولة, ومن مظاهرها الانهيار المستمر للسلطة, وهو تعريف تبنته مجموعة العلوم السياسية في جامعة ميريلاند ويشمل ذلك أربعة أنواع من الأحداث وهي الحروب الثورية والحروب الإثنية والتغيرات السلبية في النظام والإبادة الجماعية وعمليات التسييس, وهناك تعريف آخر لوزارة التنمية الدولية الأمريكية للدول الهشة بأنها تلك التي لا تستطيع فيها الحكومة أن تقوم بوظائف أساسية لأغلبية شعبها, بما في ذلك الفقراء, حيث تتمثل أهم وظائف الدولة في الحد من الفقر في السيطرة علي الأراضي, والسلامة والأمن, والقدرة علي إدارة الموارد العامة, وتقديم الخدمات الأساسية, والقدرة علي حماية الآليات التي يدعم بها أفقر الناس أنفسهم.

 

الدولة الهشة والدولة الانتقالية
هناك بعض الخلط يحدث لدي الرأي العام في توصيف حالة الدول التي تمر بمرحلة تحول ديمقراطي وخصوصا التي أعقبت ثورات شعبية, مع الدول الهشة, ويمكن تحديد بعض الفروق بين الدول الهشة والبلدان التي تمر بمرحلة انتقالية يبرزهاSethKaplan( سيث كابلان) أستاذ الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكنز, كبير مستشاري معهد التحولات المتكاملة( إفيت), في دراسة بعنوانDifferentiatingBetweenFragileStatesandTransitionCountries( التمييز بين الدول الهشة والدول في المراحل الانتقالية).
وهذا الخلط جعل العديد من المؤشرات تقدم صورة غير دقيقة عن قدرة البلدان علي الصمود لأنها تستند إلي مفاهيم غير واضحة, وتفترض أن سوء الحكم هو مؤشر رئيسي علي الهشاشة. ولكن بعض البلدان( مثل الصين وفيتنام وتايلند وكوريا الجنوبية وتايوان) وهي بلدان تسجل نقاط ضعيفة علي مؤشرات الحكم الرشيد هي في الواقع دول متماسكة, وقد يكونون فاسدين وينظمون انتخابات تفيد بشكل غير عادل الحزب السياسي المسئول, ولكن هذه الأمور لا تشير بالضرورة إلي أنها دولة هشة هيكليا ولكن بها بعض نقاط الضعف بأحد أركان بنية الدولة.
هذا الاختلاف دفع المحللين السياسيين لوضع تصورات خاصة لدول التحول الديمقراطي في أعقاب ثورات تختلف جذريا عن حلول الدول الهشة حيث تعتمد البلدان التي تمر بمرحلة انتقالية علي ثلاثة مستويات تساعد علي تماسك الدولة وهي, الانتخابات, إدخال الإصلاحات الاقتصادية, التركيز علي رفع مستوي الوزارات الحكومية, ولكن الدول الهشة, التي لديها مشاكل راسخة بعمق, ليست في وضع جيد يمكنها من اعتماد هذا النهج المعياري, وقد تسفر الانتخابات عن نزاعات, لذلك يلزم اتباع نهج أكثر إبداعا بكثير لإنقاذ الدول الهشة, فقد حاول المجتمع الدولي علي مدي عشر سنوات علي الأقل في وضع نهج متماسك للدول الهشة, وقد فشلت تلك السياسات في الغالب لأن الجهات الفاعلة رفضت أن تري مشكلة الهشاشة فيما يتعلق بمسألة التاريخ, والهوية, والمؤسسات غير الملائمة.
وتظهر الدراسة أن منطقة الشرق الأوسط تحتوي علي نوعين من البلدان( كيانات متماسكة, وكيانات لينة أو مقسمة) فالدول الأولي ليست دولا هشة ولكن البلدان التي تمر اقتصادياتها بمرحلة انتقال ينبغي أن تخرج من الحالة الراهنة بسرعة, إن لم تكن بالضرورة سلاسة, ومن ناحية أخري, فإن هذه الأخيرة كانت هشة, ومن المرجح أن تواجه عدم الاستقرار لسنوات قادمة, ويعني هذا التفكير أن المصطلح المستخدم حاليا له قيمة ضئيلة جدا كأداة تحليلية, وبدلا من ذلك أصبحت العبارة عبارة عن شرح شامل لأي حالة تبدو هشة حتي لو كانت الهشاشة يمكن أن تزول سريعا, ويكمن الفرق بين الدول الهشة والدول التي تمر بمرحلة تحول ديمقراطي في أولا: درجة التماسك الاجتماعي, تجزئة الهوية السياسية ثانيا: مستوي قدراتها, قوتها المؤسسية.

 

دولة الأزمات
ظهر مؤخرا أيضا ما يعرف بدولة الأزمات والتي تتشابه من حيث الشكل مع الدولة الفاشلة والدولة المنهارة والدولة الهشة والدول الانتقالية, فبحسبJonathanDiJohn( جوناثان دي جون) الباحث في( مركز أبحاث أزمات الدول)CrisisStatesResearchCentre في دراسة بعنوان( تصور أسباب وعواقب الدول الفاشلة: مراجعة نقدية للأدبيات1)ConceptualisingtheCausesandConsequencesofFailedStates:ACriticalReviewoftheLiterature1 حيث تم وضع بعض السمات التي يمكن أن القياس عليها حيث جاء تعريف دولة الأزمات, وهي دولة تحت ضغط حاد, حيث تواجه المؤسسات الحاكمة منافسة خطيرة, وربما تكون غير قادرة علي إدارة الصراع والصدمات,( هناك خطر انهيار الدولة), وهذا ليس شرطا مطلقا, بل شرطا في فترة زمنية معينة, بحيث يمكن للدولة أن تصل إلي حالة أزمة وتتعافي منها, أو يمكن أن تظل في أزمة طويلة نسبيا وفترات من الزمن, أو حالة أزمة يمكن أن تؤدي للانهيار, وهو ما يعني أن دولة الأزمات تواجهه أزمات محددة داخل النظم الفرعية للدولة سواء كانت أزمة اقتصادية, وأزمة صحية عامة مثل فيروس نقص المناعة الإيدز, أو أزمة النظام العام, أو أزمة دستورية, وهو ما يمكن أن تعالج ولكن مع تزايد الأزمات داخل الدولة تنتقل الدولة من دولة أزمات إلي دولة فاشلة.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
Facebook تابعنا على