الأحد 22 من شعبان 1438 هــ  16 يوليو 2017 | السنة 27 العدد 9576    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:
ماجد منير
قبو الأفكار
د‏.‏داليا مجدي عبد الغني
16 يوليو 2017
ما أصعب أن يدفن الإنسان نفسه في قصة أو قضية أو فكرة معينة‏,‏ لدرجة تنسيه العالم المحيط به‏,‏ حتي إنه عندما يستفيق من هذه الحالة‏,‏ ويخرج للحياة‏,‏ يكتشف أن العالم قد تغير تماما‏,‏ حتي إن لغة الناس أصبحت غريبة علي أذنيه‏,‏ فيشعر حينها بالعزلة القاتلة‏,‏ سيما لو كانت قضيته علي غير ذات جدوي‏,‏ ولم يشعر بها سواه‏,‏ فالعزلة التي تنسي الإنسان ذاته والعالم من حوله‏,‏ هي الموت الحقيقي الذي يقتل الإنسان‏,‏ ويسرق عمره دون إدراك منه‏.

 فمهما تبنينا من قضايا أو آمنا بأفكار, فلابد لنا أن نستطلع بين الحين والآخر الأساسي الذي نبني عليه آراءنا, ونهبه عمرنا, فكم من قضية آمن بها إنسان ووهبها حياته, ثم اكتشف أنها كانت وهما كبيرا, سيطر علي عقله ووجدانه, وسلبه عمره تدريجيا, وحينما خرج إلي أرض الواقع اكتشف أنه كان يعيش في عبث, فهنا يتيقن أنه قد منح كل شيء للاشيء.
والأوهام هي أول شيء يخرج بالإنسان عن طوره الطبيعي, ويدخل به في طرق وعرة, حتي يجد نفسه مدفونا داخل سرداب من القناعات التي أصبحت تنمو وتتفاقم تدريجيا حتي غيبت عنه شمس الحقيقة, وأبسط دليل علي ذلك, الأفكار التي يتبناها الكثيرون, بسبب عمليات غسيل العقول, التي يبرع فيها الكثيرون فللأسف, من يخدع, يضيع عمره, إما في أفكار هدامة, أو في مطاردات لا نهاية لها, وحين يدرك الحقيقة يكتشف أنه قد فات الأوان, وكل ذلك بسبب عزلتـه عن المجتمع, ورفضه مواكبة الواقع, فلو كان خرج للحياة, قطعا كان سيضع يده علي مدي صحة قضيته من عدمه.
وقد حدث بالفعل في عام1964 م, أن هجم ثلاثة لصوص علي منزل لشخص يدعي كارل لوك, الذي تنبه لوجودهم, فقتلهم جميعا ببندقيته الآلية, ومنذ البداية كانت القضية تسير لصالحه; كونه في موقف دفاع عن النفس, ولكن اتضح لاحقا أن هؤلاء اللصوص الثلاثة كانوا أخوة, وكانوا علي شجار دائم مع جارهم المذكور, ولذا اتهمه الادعاء العام بأنه خطط للجريمة من خلال دعوة الأشقاء الثلاثة لمنزله, ثم قتلهم بحجة السرقة, وحين أدرك لوك أن الوضع قد انقلب ضده, اختفي نهائيا عن الأنظار, وباءت جميع محاولات العثور عليه بالفشل, فقد اتفق مع زوجته علي الاختفاء نهائيا; خوفا من الحكم عليه بالإعدام, وقد اختفي في قبو تحت الأرض, بجانب منزله, لا تتجاوز مساحته مترا في مترين, كما اتفقا علي إخفاء سرهما عن أطفالهما; خشية تسريب الخبر, ولكن زوجته توفيت بعد عدة أشهر, في حين كبر الأولاد معتقدين أن والدهم توفي منذ زمن بعيد.
وهكذا عاش لوك في القبو الذي اختاره لمدة سبعة وثلاثين عاما, أما المنزل فقد سكنت فيه لاحقا ثلاث عائلات, لم يشعر أي منها بوجوده, فقد كان يخرج خلسة لتناول الطعام والشراب, ثم يعود بهدوء مغلقا باب القبو, حتي أصيب بالربو من جراء الغبار والرطوبة, وأصبح يسعل باستمرار, وذات ليلة سمع رب البيت الجديد سعالا مكبوتا من تحت الأرض, فاستدعي الشرطة, وحين تتبعت الشرطة الصوت, حتي عثرت عليه, فسألوه: من أنت, وماذا تفعل هنا؟! فأجاب: اسمي لوك, وأعيش هنا منذ37 عاما, وأخبرهم بسبب اختفائه, فرد الشرطي: يا إلهي! ألا تعلم ماذا حدث بعد اختفائك, لقد اعترفت والدة اللصوص بأن أولادها خططوا لسرقة منزلك, فأصدر القاضي حكما ببراءتك.
وهكذا, فانعزال صاحب القصة عن الحياة هو الذي أضاع عمره في وهم الهروب, والأفكار التي تعزل صاحبها عن الواقع وتسجنه في قبوها, لا تخرج كثيرا عن هذا المضمون, فليتنا لا نتحول لأسري في قبو الأفكار المظلمة.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
الأكثر قراءة
Facebook تابعنا على