الأحد 3 من شعبان 1438 هــ  30 أبريل 2017 | السنة 27 العدد 9499    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: هشام لطفي سلَّام
رئيس التحرير:
عـلاء ثابت
الدكتورة عواطف عبدالرحمن في حوار لـ الأهرام المسائي‏:‏
المشهد الحالي للصحافة والإعلام شديد البؤس ..
الصحافة دفعت ثمنا غاليا لكثرة القنوات الفضائية وانتشار الإعلام الإلكتروني وضياع جزء كبير من الإعلانات
حوار‏:‏ علي النويشي - تصوير‏:‏ نادر أسامة
30 أبريل 2017
جاءت من إحدي قري أسيوط‏,‏ بتقاليدها العتيقة التي قد لا تسمح فيها للمرأة بأن تتنفس إلا من وراء حجاب‏,‏ ولا تغادر بيتها إلا إلي المقبرة‏,‏ لكنها عاشت كالسمكة القوية تسبح ضد التيار‏,‏ وعاشت حياة صعبة‏,‏ استطاعت خلالها أن تسافر إلي‏52‏ بلدا‏,‏ وأن تحاور نيلسون مانديلا‏,‏ رئيس جنوب إفريقيا‏,‏ والزعيم التاميمبي سام نجوما والرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران والرئيس الجزائري هواري بومدين‏.‏

وترقت حتي أصبحت رئيسا لقسم الصحافة ورئيسا ومؤسسا لقسم الإعلام بجامعة أسيوط, والمتحدث الرسمي باسم إفريقيا ودول الشرق الأوسط في المجال الإعلامي والمتحدث الرسمي باسم مصر في مجال الإعلام لأكثر من مائة وخمسين مؤتمر دولي. بعد تخرجها بقسم الصحافة1961 التحقت بقسم الأخبار بجريدة الأهرام ومضت أربع سنوات قبل أن تكتب مقالا, كان هجوما علي ملك الأردن ليتم القبض عليها, وذهبت إلي مباحث أمن الدولة وحينها أصر رئيس التحرير محمد حسنين هيكل علي استبعادها للحفاظ علي سمعة الأهرام. ثم التحقت بكلية الإعلام جامعة القاهرة, ولأكثر من خمسة وأربعين عاما مازالت تجمعها علاقة جيدة بطلابها, وفي أغسطس1981, ذهبت إلي برلين الشرقية للمشاركة في المؤتمر الدولي للأمم المتحدة التي تحدثت فيه عن حق الشعب في جنوب إفريقيا وحق الشعب الفلسطيني وقدمت اقتراحات لمساندة الشعوب في نضالها ضد الاستعمار.

وإلي الحوار مع د. عواطف عبدالرحمن..

كيف ترين المشهد الحالي للصحافة المصرية؟
المشهد الحالي للصحافة والإعلام المصري شديد البؤس, لما للثورة التكنولوجية الحالية من إيجابيات وسلبيات, والصحافة دفعت ثمنا غاليا مع كثرة القنوات الفضائية وانتشارالإعلام الإليكتروني, وضياع جزء كبير من حزمة الإعلانات, بالإضافة إلي تدهورعلاقة الصحافة بالسلطة, كل هذا أثر وبشكل قوي علي الصحافة المطبوعة..
وعندما اندلعت ثورة يناير رفعت الغطاء عن المجتمع المصري فظهر مدي حجم الفساد في جميع المجالات.. في الاقتصاد, في الصحة, في التعليم, في الإعلام بكل أشكاله.. وأزمة الصحافة المطبوعة ليست إلا جزءا هينا من أزمة الإعلام المصري ككل, والحل في التغيير الجذري للتشريعات, خاصة قانون تنظيم الصحافة الذي وضعه السادات1980, واستمرار تعيين رؤساء مجالس الإدارات ورؤساء التحرير من الأخطاء التي تمت في حق الصحافة وأصبحت من عوامل ضعفها, وكذلك علاقة الصحافة بالنقابة, التي خضعت لاختراق رباعي الأبعاد, اختراق أمني ونفطي وسلطوي, كل هذا أثر علي اختصاصات النقابة, والتي من أهم أدوارها حماية حقوق الصحفيين وترسيخ مهامهم ومسئولياتهم.

ولكن.. ما هو الأمر الأكثر خطورة علي الإعلام المصري؟
الأخطر من كل هذا سيطرة رأس المال, من خلال خلط الإعلان بالتحرير, والاستيلاء علي مساحات التحرير لصالح الإعلان, بالإضافة للحالة الاقتصادية العامة للبلد, ما أثر علي دخول الصحفي التي لم تعد تكفيه هو وأسرته فيضطر إلي البحث عن موارد رزق أخري غالبا ما تمس حياده المهني, وجاءت الفضائيات لتجذب إليها عددا كبيرا من الصحفيين, والمصيبة أن الصحفي قد يعمل مستشارا للوزارة المكلف بتغطية أخبارها, مما يقلب درجة الحيادية رأسا علي عقب, وبدلا من أن يكون الصحفي عينا علي وزارته, تحول ليصبح مندوب الوزارة لدي الصحيفة التي يعمل بها, وهذه كارثة حقيقية وسرطان اجتاح الصحافة المصرية خلال الفترة الأخيرة.. ومن الضروري أن يعاد النظر في التشريعات بعد ظهور الإعلام الإليكتروني..

وكيف تبدو العلاقة بين الصحافة والجمهور الآن.. هل أصبح لها تلك الروابط الوثيقة التي كانت من قبل, لكي يرتبط القارئ بجريدته ولا يغادرها إلي غيرها؟
مستوي العلاقة بين الصحافة والجمهور, لم تعد بالتأكيد بذات العلاقة في الماضي, فإذا كانت علاقة الصحافة بالسلطة كما هي قوية, وعلاقتها بالمعلنين في أوجها, فعلاقتها بالجمهور تراجعت كثيرا بسبب وجود منافسين كالبث الفضائي والفضاء الإلكتروني بكل زخمه, فضلا عن تراجع مستوي المهنية لدي الصحفيين..
من ناحية أخري المؤسسات الصحفية لم تقم بدورها في تدريب الصحفيين والدفاع عن حقوقهم, وأصبحت العلاقة بين النقابة ورؤساء المؤسسات الصحفية خاصة القومية علاقة يشوبها الكثير من عدم الثقة والصراع بدلا من التكامل, ونسبة الإعلانات المقررة لصالح النقابة لا تقوم المؤسسات بالوفاء بها, أدي كل هذا إلي تدهور مستوي الصحفيين, ما أدي إلي إهدار حقوق الجمهور, كالحق في الاتصال, والحق في المعرفة, والحق في خدمة صحفية تحترم عقله ووجدانه, وكانت النتيجة تدهورا مهنيا وإداريا في معظم الصحف, وخصوصا الصحف القومية.

التبعية الإعلامية في العالم الثالث قضية أمست تنال من استقلالية الدول, وتؤثر علي دور التنمية بها, كيف تعاملت مع هذ الملف الشائك؟
نذكر هنا تقرير ماكبرايد الذي نشر عام1980 حول ديمقراطية الإعلام في العالم, قد أظهر مدي رسوخ التبعية الإعلامية في النظام العالمي, حيث كون ماكبرايد لجنة العشرة التي كان منها من مصر الدكتور العطيفي وأظهرت نتائجها مدي الخلل في النظام الإعلامي العالمي, وكيف أن الغرب يؤكد علي رؤية التقنية الفنية دون الرؤية الاجتماعية, وأظهرت الدراسات كيفية صناعة التبعية الإعلامية ومدي احتكار أمريكا للميديا العالمية من خلال تبنيها للمنهج الوظيفي, حيث تركز علي الجزئيات المتفرقة دون ربط, لأنه مع ربط المتفرقات ستظهر الحقائق وتنكشف الأهداف الخفية لأمريكا, ومع ظهور هذه الحقيقة انسحبت أمريكا من دعم اليونسكو حيث كانت تدعمها بربع الميزانية, وهذا أثر علي أداء اليونسكو بشكل خطير..
وقد قمت أنا بدراسة عن التبعية الإعلامية في العالم الثالث, وانتهيت فيها لحقيقة مؤلمة أن معظم من يعملون في الحقل الإعلامي في العالم الثالث متهمون بالتبعية للعالم الغربي, وذلك بسبب التركة البشعة التي تركها الاستعمار علي بلادنا في مجالين حيويين وهما الإعلام والاقتصاد, فسيطروا بالاقتصاد علي مفاصل الحياة, وسيطروا أيضا علي العقل العربي وعقل العالم الثالث بالإعلام التابع لهم, وبينت من خلال الوثائق التي حصلت عليها من المصادر العالمية واليونسكو, أن الإطار الذي نسير عليه في دول الجنوب ليس إلا صدي لدول الشمال, وهذا ما أكده رئيس أكبر مكتبة بريطانية في العالم بعد مكتبة الكونجرس حيث قال: إن مات كلب في أحد شوارع أوروبا أهم بكثير من وقوع زلزال في الصين, وأن وفاة شخص في العالم الغربي أهم كثيرا من موت المئات في العالم الثالث, والأولوية دائما للأحداث الغربية مهما كانت تافهة في حين تهمش أخبار العالم الثالث مهما كانت خطيرة, إلا إذا أرادت الميديا الغربية تضخيم التافه لأمر قد لايروقها في دولة ما من دول العالم الثالث بعيدا عن الحقيقة والموضوعية, كما يحدث مع ما يسمي بالدول المارقة كالعراق من قبل وكوريا الشمالية الآن.. والتبعية الإعلامية موجودة لدينا في صورعديدة من خلال التكنولوجيا والآليات كالورق والمطابع والأحبار, ومن خلال التعليم والتدريب, والغرب سيطر علي أجيال كاملة من الإعلاميين العرب والأفارقة ولاتزال السيطرة موجودة وبقوة, وأمريكا بدورها سيطرت علي المنظومة الإعلامية الأوروبية, وبالتالي سيطر الغرب وأمريكا علي عقول أبناء العالم الثالث, ومن هنا تكونت أجيال كاملة من الإعلاميين تابعين للميديا الغربية, تبعية سياسية وفنية وتكنولوجية وإعلامية فضلا عن التبعية الاقتصادية.

هناك سيطرة صامتة للعولمة والشركات العابرة للقارات علي مفاصل الحياة في الكثير من الدول.. ما رؤيتك لتلك القضية؟
مع تطور النظام الرأسمالي لنظام العولمة, نصت الاتفاقيات الدولية علي حرية تنقل العمالة والخبرات ورأس المال بين الدول, لكن الغرب حصر هذه الحريات في حرية نقل رأس المال فقط, ولذلك يرفضون الهجرات, وحتي اللجوء السياسي ضيقوا في السماح به, فحرية تنقل رأس المال تتم من خلال الشركات متعددة الجنسيات, حيث يوجد أكثر من سبعمائة شركة تسيطر علي الموارد الأساسية للإعلام كالورق وتكنولوجيات الإعلام من مطابع ووكالات الأنباء, وتسيطر أيضا علي الأقمار الصناعية والحاسبات وبنوك المعلومات وتملك بالتالي توجيه القنوات, وتسيطر كذلك علي الإعلانات في كل أنحاء العالم, حيث توجد عشر شركات تسيطر علي الإعلانات في العالم العربي والعالم الثالث, ولهذه الشركات ما لا يقل عن ألفي توكيل في دول العالم العربي فقط, وأصبحت الأفلام والمسلسلات الرديئة والرخيصة التي يصدرونها إلينا مملوءة بالإعلانات الفجة.

برأيك ما هي الأدوات التي تمكن الغرب من السيطرة علي عقول البشر بالعالم الثالث في ظل دستور وقوانين كثيرة تبدو للكثيرين بأنها قوانين حاكمة؟
الإجابة هنا أن من يملك الإعلام يملك التأثير, وبالطبع السلطة تحاول جاهدة السيطرة علي كل وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة لخدمة أغراضها وأهدافها, ثم جاء الإعلام الإلكتروني, فتغيرت المنظومة بعض الشيء لأن الإعلام الإلكتروني بطبيعته عصي علي السيطرة لكونه إعلاما منفلتا لم تستطع الحكومات بعد السيطرة عليه بالقوانين, حتي تستطيع ترويض الجماهير, في المقابل استطاعت مدرسة هربرت تشيللر النقدية توضيح صور السيطرة علي العقول بشكل مؤثر, وأظهرت كيف يتم التلاعب بالعقول, لدرجة أنهم يرسمون الصورة كاريكاتيريا برفع غطاء قمة الدماغ ووضع ما شاء لهم من قمامة وقاذورات وأشياء تافهة بلا حصر, ثم يغلقونه مرة أخري, والتلاعب بالعقول يتم بثلاث وسائل: تعليم, ثقافة, إعلام.. بالتعليم تستطيع تلقين الأشخاص ما تشاء من قيم من خلال السلطة السياسية والسلطة الاقتصادية والأمنية بالإعلانات في الصحف والمسلسلات والأفلام التي تعرض في القنوات المختلفة, والنظام السلطوي يظل حريصا علي أن يكون له أذرع إعلامية تسيطر عن طريق ثنائية الأمن ورأس المال علي النظام الإعلامي المكتوب والمرئي ويملأهما بكل ما يؤكد مصالحه ومصالح السوق, وليس بالضرورة أن تكون المواد إعلانية فقط, بل تكون الأخبار في كثير من الأحيان أدوات لخدمة النظم السياسية, ومن هنا جاء خلط الإعلام بالإعلان, ومع حجب المعلومات.

وما الذي ترتب علي ذلك؟
ترتب علي ذلك أن الجماهير تستقي معلوماتها من الصحف ولا توجد لها مصادر أخري, وباحتكار السلطة للمعلومات تستطيع التأثير علي الرأي العام, ولهذا يطارد الصحفيون من أجل الحصول علي المعلومات, وبين الحين والآخر يسمحون بالفتات من المعلومات, والفتات يؤدي إلي التضليل, ما يؤثر علي الرأي العام بشكل منحرف, تأثيرا يكون لصالح السلطة وضد مصالح الجماهير.

وهل هناك دور بالنسبة للتعليم في هذا الصدد؟
هناك دور للتعليم حيث تتراخي قبضة الحكومات عنه, فتتركه للقطاع الخاص, أو لمجموعة من المختصين الذين يخطفونه إلي طريق آخر بعيدا عن سيطرة الدولة, مثلا كأن ينسحب دور الحكومة في السيطرة علي التعليم وآلياته لصالح مافيا الدروس الخاصة والتعليم الاستثماري, أو أن يجعلوا تعليم بعض المواد كالتاريخ اختياريا, ومن خلال حذف المناهج وحشوها, وملء البرامج التليفزيونية بالثقافة الهابطة من خلال المسلسلات والأفلام وحشد كم هائل من الإعلانات, يكون التسويق للثقافة الاستهلاكية التي لا تخدم سوي أهداف السوق ورغبات رجال الأعمال.

وكيف ترين الوضع في مصر من خلال سيطرة بعض رجال الأعمال علي الإعلام؟
رجال الأعمال في ظل حكم مبارك المخلوع استولوا علي القطاع العام بتراب الفلوس, ثم اشتروا مساحات واسعة من أراضي الدولة نتيجة الفساد الإداري بالدولة, وأصبح اقتصاد الشعب كله لصالح فئة رجال الأعمال ضد مصالح الجماهير, وساعدهم بالطبع مجموعة من التجار الذين يحتكرون الأسواق, وهم بدورهم يحددون الأسعار بعيدا عن أي رقابة من الدولة التي أصبحت هي نفسها أداة من أدواتهم لخدمة أهدافهم..

وأين المواطن إذن, ومن المنوط بمساعدته في ظل كل هذه الهجمات الشرسة؟
هو مواطن بائس عاجز, لا يملك سوي الشكوي, وهذا يقودنا إلي أزمة النخبة, هذا إذا ما كانت هناك نخبة موحدة تستطيع أن تفرض شروطها, ولكن في ظل أمية عالية, ومعدلات بطالة, وفي وسط حالة من الافقار المتعمد أدي إلي انهيار الطبقة الوسطي, خاصة بعد انهيار التعليم ووجود تعليم مواز تتراوح ميزانيته ما بين18 مليارا و24 مليارا فقط للدروس الخصوصية, أدي لتكوين حيتان في قطاع التعليم مهمتهم إجهاض أي عملية إصلاح محتملة.

ولكن أين النخبة في مصر الآن؟
النخبة مخترقة من الأمن وقوة رأس المال, وهم ليسوا أفضل حالا من غيرهم, والجادين منهم معزولون ومهمشون, ومن يصرون علي التحدي والنضال يتم تشويههم ومحاربتهم, حتي يكون السائد علي الساحة هم الجوقة التي تساعد المواطن لأن تكون لديه القابلية للتسليع والخضوع لأوامر السوق... وأتكلم هنا عن80% من الشعب الذي يقف عاريا أمام تحديات لاقبل له بمواجهتها, لأن النخبة المكلفة بالدفاع عن حقوقه غائبة ولا حضور لها, ولهذا يكون القمع شاملا ومتعددا الجوانب.

ما هو موقف الصحافة العربية من التبعية في الوقت الحالي؟
أقول دائما: من يمول يتحكم.. فالتمويل هو حجر الزاوية, وهي حقيقة سائدة, فمن يمول القنوات الفضائية يستطيع التحكم في محتواها, وأموال النفط لها رائحة نفاذة في بعض القنوات العربية, وقد يدعي البعض بأن القنوات تخسر ولا عائد استثماري من ورائها, وأرد علي هذا الزعم بأنها تقوم بدور سياسي في غاية الخطورة, فعندما يكون التمويل نفطيا أو رأسماليا, فالعائد لن يحقق سوي مصلحة الممول ولو بطريق مباشر, فالممول يتحكم في محتوي هذه القنوات, وهذا أمر يمس بالحيادية ويمس سيادة الدولة ذاتها.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
Facebook تابعنا على