الجمعة 24 من رجب 1438 هــ  21 أبريل 2017 | السنة 27 العدد 9490    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: هشام لطفي سلَّام
رئيس التحرير:
عـلاء ثابت
نظرتنا الثقافية للغتنا العربية
محمد يونس الحملاوي
21 أبريل 2017
قد لا يمكنك أن تخطئ كم اللافتات التي تعج بحروف لاتينية في شوارعنا في تحد سافر للقانون‏.‏ والأمر العجيب أن بعض الجهات الرسمية استملحت الأمر وباتت تكتب علاماتها بلغة أجنبية حتي علي مركباتها التي تجوب شوارعنا ليل نهار‏.‏ والأمثلة علي ذلك عديدة منها احدي شركاتنا الوطنية تسير حافلات خطوطها الأرضية بلافتة حذفت فيها لغتنا العربية رغم أن تلك الحافلات مخصصة لخدمة طواقم المصريين‏.‏

ولعل هذا المسلك هو الذي حدي بتلك الشركة أن تغير اسمها بالإنجليزية من مصر إير إلي إيجبت إير! يستحضرني حوار دار في بروكسل بيني وبين وزير ثقافتنا في سبعينيات القرن الميلادي المنصرم حول ترجمة كلمة مصر بالإنجليزية لتصبح إيجيبت رغم أن أغلب دول العالم لا تغير اسمها في اللغات الأجنبية فكان رده أن هذا ما أرادوه في لغاتهم ولم يعطي سببا واحدا لتبني الاسم الانجليزي لمصر( إيجيبت) بدلا من الاسم الطبيعي للوطن( مصر), مما جعل حواري معه ينتهي بانطباع يشير إلي ثقافة من يتبوأ منصب وزير الثقافة! وقتها قفز لذهني اسم أندريه مارلو وزير ثقافة فرنسا في عهد ديجول وكيف استطاع أن يقود ثقافة فرنسا ويرتفع بها مما جعله نبراسا لبعض وزراء الثقافة في العالم. دار حوار علي مسامعي بين بعض عمال البناء; وبعضهم أمي وبعضهم يحمل شهادة فوق المتوسطة; حول المشتريات وكيف أنهم لا يتعاملون بل لا يدخلون المحال التي تكتب أسماءها بحروف أجنبية معلقين علي ذلك بأنها ليست لأمثالهم! نفس هذا التعليق سمعت فحواه من بعض أرباب المحال التي أشاروا بأنهم لا يرغبون في دخول محالهم سوي من يعرف اللغات الأجنبية. تلك الملاحظة التي تسري بعفوية علي ألسنة العمال وبعض أصحاب الأعمال تقوض النسيج المجتمعي وتحدث به شرخا يصحب ردأه, لأنه لا يقف عن حد الملاحظة بل يتعداه إلي مراحل أخري كالحقد والكره وما يصاحب ذلك من أمراض اجتماعية تصل لحد الجرائم. قضية لغتنا القومية التي لا نكترث لها ونتشبث بغيرها قضية تستحق أن تشد لها الرحال لأنها قضية هوية وتنمية وثقافة يحسن بنا أن نتشبث بها وسط الأمواج الثقافية المتلاطمة التي تشدنا لتخلعنا من جذورنا, رغم ما في كنوز لغتنا من قيم عليا قلما نجدها في ثقافات أخري.
إن عزوفنا عن تلك القيم لا يعني أنها ليست بقيم تقدمية تحررية بل لأننا غالبا لا نريد أن ندفع استحقاق الأمور عالية القيمة!
وسط معاول هدم لغتنا تبرز بين الحين والآخر نبضات نتمني أن تضئ الطريق بعمل موجب. منذ أيام تشكلت لجنة جامعية من أساتذة الجامعة مهمتها إصلاح اللغة العربية من تسعة أعضاء أغلبهم من كليات للغة العربية وعضوين مشاركين أحدهما أستاذ الاقتصاد والآخر أستاذ الهندسة, ورغم أن اللجنة لم تعقد أي اجتماع منذ صدور قرار تشكيلها منذ نحو أسبوع إلا أن الأمل يحدونا بنجاعة أعمالها لتصل للب القضية ولا تكتفي باتباع نهج إفشال أي موضوع بتشكيل لجنة لبحثه لأن قرار إنشائها نص علي أن مهمتها هي إصلاح اللغة العربية بالمؤسسة التي تتبعها الجامعة. لقد بات إصلاح اللغة أمرا جد مطلوب للحفاظ ليس فقط علي اللغة بل لدفع المجتمع وتنميته بإبراز قيمها السامية محل العزة لمن يدرسها ويطبقها. اللغة ليست عبارة عن كلمات من حروف متراصة بل هي ثقافة وهوية بها تعرف الشعوب والجماعات وبها تتشكل هويتهم. يقول مصطفي صادق الرافعي: ما ذلت لغة شعب إلا ذل, ولا انحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
الأكثر قراءة
Facebook تابعنا على