الجمعة 24 من رجب 1438 هــ  21 أبريل 2017 | السنة 27 العدد 9490    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: هشام لطفي سلَّام
رئيس التحرير:
عـلاء ثابت
جمال حمدان‏..‏ وفقرنا إليه
محمد مصطفى الخياط
21 أبريل 2017
حقا وصدقا‏,‏ يستشعر خادمكم رهبة ويتلبسه شعور بالخطيئة‏,‏ كونه تجرأ وأمسك بالقلم للكتابة عن أحد أهرامات مصر الفكرية‏,‏ أما السبب فذكري رحيل الجسد في‏17‏ أبريل‏1993‏ وديمومة الذكر‏.‏ جمال حمدان أبو الجغرافيا السياسية‏,‏ والخطاط‏,‏ والفنان‏.‏ أول من نقل الجغرافيا من أدراج البحث الأكاديمي المحصور في جاف حار صيفا دافيء ممطر شتاء إلي ثقافة شعبية وفكر موسوعي يرتبطان بشخصية مصر وجيولوجيتها البشرية بدءا من أبنائها الكادحين الباحثين عن اللقمة الحلال إلي ما عداهم من طبقات تلتصق بجسدها وتمتص دمائها‏.‏

سيذكرني قومي إذا الخيل أقبلت/ وفي الليلة الظلمـاء يفتقد البدر, بيت شعر لعنترة يتوافق مع حاجتنا الدائمة إلي قبس أنوار أستاذنا الجليل في كتبه, بترول العرب, اليهود أنثروبولوجيا, استراتيجية الاستعمار والتحرير,6 أكتوبر في الاستراتيجية العالمية, قناة السويس, وغيرها مما يقارب الثلاثين كتابا. أما مؤلفه الماتع, شخصية مصر, فما زال يحتفظ بحيويته وتفاعله مع حاضر تتجاذبنا فيه قوي داخلية وأخري خارجية. في هذا المقال نتأمل بعض عباراته( بين علامتي تنصيص) وننظر في دلالاتها. مصر, سيدة الحلول الوسطي, هكذا يختزل عالمنا وصفه للمحروسة, سيدة الوسطية علي مر العصور, سواء بالموقع الجغرافي الفلتة الذي لا يتكرر, إلي الدور الحضاري والتاريخي علي مر العصور, وصولا إلي اعتماد منهج الوسطية في النظرة والتفكير في مناحي الحياة والدين. ولعلي لا أبالغ إن قلت إن وسطيتها هيأت المناخ المناسب لانتشار المذهب الشافعي الذي تأسس علي الوسطية بين فكر الإمام مالك في المدينة, والإمام أبي حنيفة في العراق, والإمام الليث في مصر.
مصر فرعونية بالجد, لكنها عربية بالأب. لا يري معلمنا أي تعارض بين ماض فرعوني وحاضر عربي, فالأصل مشترك وعلاقات النسب والقرابة متبادلة قبل دخول الإسلام مصر. ويتفق ذلك مع ما سطره الدكتور يوسف زيدان في روايته النبطي والتي تضمن نسيجها القصصي حركة القوافل العربية ذهابا وإيابا قبل دخول الإسلام عبر صحراء سيناء ومنها إلي عموم المحروسة وعلاقات المصاهرة وتقاليد الزواج بين قبط مصر والأسر العربية علي اختلاف أديانها. لتتحول العلاقات مع الوقت إلي نسب وقرابة بين أبناء عمومة. وعن علاقتها بالشام, يتحدث الأستاذ سمير عطا الله في روايته يمني عن زيارة رياض الصلح, رئيس وزراء لبنان في الأربعينيات, إلي مصطفي النحاس باشا, رئيس وزراء مصر, طالبا دعم مصر مطلب لبنان في الاستقلال. لبنان المحتل فرنسيا, يعلم أن مصر( رغم احتلالها) هي الأقدر علي المساعدة. من جهة أخري, تعد مصر المعبر الطبيعي بين المغرب العربي والجزيرة العربية والعكس, عبر شبه جزيرة سيناء, المدخل الشرقي والمفصل الرابط بين إفريقيا وآسيا. من هنا يصف أستاذنا مصر بأنها صحراء عزلة ولكن إقليم عبور. تخالف مصر نمط الصحراء لتعمل كهمزة وصل. تصل ولا تعزل. تربط ولا تقطع. تجمع ولا تفرق. لتجسد المحروسة نموذج الوحدة العربية قبل ظهوره والدعوة إليه.
مصر عصارة النيل, وخلاصة إفريقيا, وركاز المدريات, حياتها النهر والنهر حياتها, يستقر مصبه الأخير بين يديها فلا يشرب أحد بعدها. يؤثر النيل علي الزراعة تأثيرا مزدوجا, ري محاصيلها وتخصيب أرضها بطمي يحمله عبر آلاف الكيلومترات. فلا حياة لمصر بدون النهر.
هذا نتف من كل, وفيض من بحر, وجزء من أصل. يمر نوره عبر ظلام الحاضر فيضيء ما حوله. نري فيه بلدا تخالف شخصيته الجغرافية شخصية أبنائه. فشتان بين الاثنين. رحم الله العلامة جمال حمدان الذي كلما غصنا في أفكاره اكتشفنا مدي فقرنا إليه.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
Facebook تابعنا على