السبت 11 من رجب 1438 هــ  8 أبريل 2017 | السنة 27 العدد 9477    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: أحمد السيد النجار
رئيس التحرير:
عـلاء ثابت
محمد عبده ومأثوراته الخالدة
يكتب لـالأهرام المسائي‏:‏ جعلوني قارئــا الدكتور مصطفي جودة
8 أبريل 2017
النفس الإنسانية لا بد لها من خلق الجرأة وخلق المخافة‏,‏وهما متضادان‏,‏ومن مقاومتهما علي وجه معتدل بحيث يستعمل كل فيما يليق به من المواقع‏,‏وتتحقق الشجاعة

 التي لو فقدت بتغلب المخافة لكان فاقدها عرضة لتعدي جميع الحيوانات عليه,ولم يستطع عن نفسه دفاعا,وكانت حياته تحت خطر يتهدده في جميع أوقاته. ولو أن الجرأة تغلبت علي المخافة حتي ذهب أثرها كانت تهورا وعدم إكتراث بالمهالك لحق ولغير حق,بدون تبصر ولا مراعاة حكمة,فيلقي بروحه في مهاوي الهلكة بلا طائل يعود علي نفسه أو وطنه.
هذه الكلمات المأثورة من أول مقال نشره الأستاذ الإمام محمد عبده بعنوان فلسفة التربية,جريدة مصر,الإسكندرية,أول يونيو1879, نجد الحكمة تأتي دائما في سياق كلمات ووصف الأستاذ الإمام. هي تأتي إليه طبيعية وبدون تصنع أو تكلف مثلما هي الحال في بقية كتاباته,سواء كانت رسائل أو مقالات أو كتب أو أي شيء آخر:
كذلك لا بد من خلق الإمساك والبذل,وهما متخالفان متعارضان, يتقوم من تغالبهما في النفس فضيلة السخاء,وهي البذل في موضع الاستحقاق إذا اعتدلا. ولو أن الإمساك تغلب علي ضده حتي اضمحل فيه لأمسك عن قضاء لوازمه الضرورية فلا يأتي باللائق من الأغذية والألبسة مثلا, فيضر ببدنه ولم يوف بحقوق مشاركيه في المعيشة كزوجته وولده,أو في التعامل كجيرانه وأهل بلده,فيقع الشقاق بينهم ويتأدي به الي شقاء دائم, غير ذلك من مفاسد البخل التي لا تنحصر. ولو تغلب البذل لأنفق جميع ما بيده في المفيد وغير المفيد حتي يصبح فقيرا فلا يجد ما ينفقه في ألزم لوازمه فيهلك.
وهكذا جميع الملكات الفاضلة الإنسانية إنما هي واسطة لطرفين متضادين لا بد من ظهور أثر كل منهما علي نسبة معتدلة, وبغلبة أحدهما علي الآخر يختل نظام الفضيلة, ولا محالة ينهدم بيت السعادة دنيوية كانت أو أخروية.
ومن ثم قد وضعت علوم التربية والتهذيب لتحفظ علي النفس فضائلها وتردها عليها إن اعتلت وانحرفت عنها الي جانب النقص والاعوجاج, كما وضع الطب ولوازمه لحفظ صحة البدن.
الحكماء العمليون القائمون بأمر التربية والإرشاد, وبيان مفاسد الأخلاق ومنافعها, وتحويل النفوس من حالة النقص الي حالة الكمال, بمنزلة الأطباء.
يلزم للحكيم الروحاني طبيب النفوس والأرواح أن يكون عالما بتاريخ الأمة التي قام بإرشاد أبنائها وتاريخ غيرها من الأمم أيضا وأن يكون مطلعا علي درجات ترقيها ودركات تدنيها في جميع الأزمان, وأن يسبر أخلاقها بمسبار الحكمة ليعلم أسباب أمراضها النفسية, ويقف علي درجات الداء وتمكنه فيهم وأنه حديث أو قديم, قوي في النفوس أو ضعيف, وما هو العلاج اللائق بكل صنف.
وكما يلزم أن يكون الطبيب شفيقا رحيما صادقا أمينا, لا ينظر الي الدنايا, ولا ينحط الي المقاصد السافلة, كذلك علي النصحاء والمرشدين أن يكونوا من ذوي الاستقامة والفضيلة مرتفعي الهمم, أولي مقاصد عالية, لا يبيعون الفضيلة بحطام الدنيا, ولا بالتقرب والتزلف الي الأمراء والكبراء.
المرشد الضال والنصوح الجاهل يودع النفوس رذائل الأخلاق باسم أنها فضائل, ويغرس فيها جراثيم الشر باسم أنها أصول الخير, ولربما كان مقصده حسنا ولا يريد إلا خيرا, ولكن جهله يعميه عن سلوك طريقه, ويبعده عن اتخاذ وسائله, فتقع الروح في الجهل المركب, وهو شر من الجهل البسيط.
القائمون بأمر الإرشاد يحصرون في قبيلين: قبيل الخطباء والوعاظ, وقبيل الكتبة والمصنفين, ومنهم أرباب الجرائد, فإن كانوا علي نحو الأوصاف الكاملة اللازمة لمقامهم هذا, فقد استحقوا التعظيم والاحترام والتبجيل والإجلال, واستحبوا الشكر والثناء من كل قلب مخلص, وقاموا بخدمة أوطانهم وأبناء بلدتهم, وإلا استحقوا الرفض والطرد والإبعاد, ووجب علي من يهمهم أمر الإصلاح أن يقذفوا بهم من البلاد كي لا يفسدوها بمرضهم الوبائي الذي لا يقتصر ضره علي المبتلي به, بل يتعداه بالسراية الي كل ما سواه.
له مآثر أخري في أماكن أخري منها:
أكبر شيء يوجب التقوي أن يعلم الشخص أن الله قادر علي الانتقام منه, وأعظم دليل علي القدرة الإلهية الأشياء التي تأتي علي خلاف العادة.
علي الطالب إذا خلا بنفسه أن يفكر كثيرا في المعاني التي يرومها, وفي طريقة تعلمه وتعليمه, وفي مقصده وغايته.
الدليل علي صدق الإنسان فيما يدعيه من الإخلاص أن يبذل من نفسه في سبيله, فإن لم يبذل فهو كاذب, ومهما بلغ الإنسان ولم يظهر هذا المحك إخلاصه فهو غير مخلص.
لا يصدر فعل اختياري عن مختار إلا إذا صدق بالغاية.
إن الله حرم الرشوة لتقرير العدل في الأحكام, لأن الحاكم إذا لم يكن له هوي في أحد الخصمين لا يبقي عنده سوي الحق.
من الناس من يطلب كماله بتنقيص الكامل, وهذا نهاية الخسران.
لا صلاح مع الجهل.
الفقه الحقيقي أن تنظر الي شرع الله في جملته ومجموعه( أي لا في كل مسألة بانفراد).
إن الذي يعرف الحق يعز عليه أن يري الحق مهانا.
التعصب في المذاهب يعمي الشخص حتي عن لغته.
من كان مطلبه الحق, ولم تدخل نفسه بينه وبين الحق, أمكنه أن يتفق مع من كان مثله, ولا يتأتي الاختلاف بين طالبي الحق.
تعظيم الرسول عليه السلام إنما يكون باتباع أوامره واجتناب نواهيه.
ثغثغ بعض الناس بلفظ الإجماع حتي أصبحت لهم ديدنا, وحتي زعموا أن كل ما عليه العامة فهو إجماع.
محاسبة النفس وخلجان القلب ركن كبير من أركان الإيمان, وقد جعلها الصوفية شرطا مهما للنجاح.
أخفي شيء علي الإنسان نفسه وليس من السهل عليه أن يعرف دخائلها.
لا يمكن لشخص أن يدعي أنه خلص من السخط علي الله في قلبه إلا إذا تقبل كل مصيبة بغاية الطمأنينة والركون الي الله والصبر بحيث يكون كالجبل لا يتزلزل.
الذي ينظر الي الحق ويحرص عليه لا يمكن أن ينخدع بقول من قائل مهما بلغت ثقته به ما لم يعرضه علي الحق الذي عنده ويمحصه.
أقوي شرط في النجاح قوة العزيمة فيه, ويصر الإنسان بغرضه فإذا تضعضعت العزيمة ضاع نجاحه, وهذا شأن المسلمين الآن
أمر القدوة في الدين أهم شيء في العقائد والأعمال, فلا بد أن يبحث فيه الإنسان بحثا جيدا, ويقف عليه وقوفا تاما( أي فلا يتخذ كل من ادعي العلم قدوة له).
لا يمكن للإنسان أن يعمل بمصلحة العامة ما لم يحس برابطة بينه وبينهم.
يجب علي علماء الدين في كل زمن أن يعطوه حقه من شرح مسائله علي حساب مقتضيات الأحوال.
إن الذي يحفظ العلم هو العمل به.
إنما يأتي بالمبالغة في قوله, من كان مجازفا في رأيه, والعقل السليم لا يتعدي الصدق.
لا يمكن أن يكون الإنسان صادقا ومخلصا مع الله حتي يكون شجاعا.
إن قراءة التاريخ واجب من الواجبات الدينية, وركن من أركان اليقين فلا بد من تحصيله.
الإيمان الذي يجتمع فيه أدني خوف من المخلوقات ليس بإيمان ومن كان عنده من الثقة بالله ما لا يخشي معه أحد فهو المؤمن, وهذا الإيمان هو الذي يضع رجل صاحبه في عتبة الجنة.
هذه الرءوس ما خلقت إلا لتتفكر في وضع العمائم ينافس بعضها بعضا في تضييع الزمن وفي هذا خسران الدنيا والدين( كان يقصد أهل الجمود).
لا تشحذ البصيرة إلا بشيء مثل الفكر.
ما خلق الله في العالم من هو أشأم علي نفسه من الحاسد.
إن الإنسان تضيق حياته وتتسع علي مقدار ما يعرف اسمه ويشتهر.
إن الله عالم بكل شيء ولا يتقرب الي الله بشيء كالعلم.
تنقضي الأجيال والأعوام ولا يمكن أن ينقضي النظر في الحقائق الكونية ولا في الحقائق التي في نفس الإنسان.
إذا وجد الحب في قلب أسعده وأذهب شقاءه, وأسعد المحبات محبة الصداقة, فإذا وجدت المحبة الخالصة الصحيحة بين شخصين أسعدتهما أعظم سعادة, ومن الأسف أن كثيرا منا لا يمكنهم أن يقدروا المحبة قدرها.
من أكبر التقوي علو الهمة, ومن أكبرها السعي في مصلحة الأمة ونفع الناس.
أساس سعادة المؤمن ثقته بالله وعمله لرضاه.
لا وحشة في النفس كوحشة الجهل, وكلما علم الإنسان شيئا أنس به وسر.
هذا صنف مثل ديدان الفساد لا تعيش إلا في القذر( يقصد بعض أهل الفساد).
الشعر إذا لم تكن ألفاظه آخذة بجزء من روح الشاعر فليس بشعر.
لا يشتهر الإنسان في شيء إلا إذا وصل فيه الي حد يعجز عنه الكثيرون.
نعوذ بالله من الجهل الذي الذي تفقد به القلوب حتي إذا بحث الإنسان عن قلبه بين جنبيه لا يجده.
العبادة تحديد ما بين العباد وبين الله فلا يجوز فيها القياس.
لا يطلق علي الله من الأسماء إلا ما جاء في كتابه أو في حديث متواتر لأننا لا نعرف من الله إلا ما علمنا الله.
ترك الاشتغال بدقائق الفصاحة والبلاغة والبراعة موت للحياة العقلية.
من شر الهوي علي الإنسان أن يتعلق بما سمع, وطالب الحق لا يتعلق بقول غيره إلا إذا عرف أنه يوصله للحق.
وضعوا لأنفسهم لغة جديدة غير التي أنزل بها شرعه, ولذا نراهم في مثل وقفية الواقف يحارون في الفهم حيرة لا خلاص منها( يقصد بعض أهل الجمود).
أشد التعب أن تري من حولك وأنت لا تستطيع معالجتهم.
كل ما سمع عن الرسول ينبغي الوقوف عنده بلا زيادة ولا نقصان, ومن لم يقف فقد تعدي علي الشرع وخرج عن الحق.
من كان عنده مريض فهو المريض.
هذه الكتب تذكر الإنسان بنفسه( قالها عندما رأي كتابا من كتب الحكم).
الباطل لا يصير حقا بمرور الزمن.
ليس وراء القرآن غاية.
معني عبادة الله بالقرآن عند الجاهلين به أن يقرأ الشخص ولا يخطر المعاني بباله, ولا يحرك نفسه لأوامره أو نواهييه. وقراءة العتاقات والعديات من هذا القبيل.
البحث في كيفية الخلقة من شهوات العقول ولا يمكن الوصول إليه قال تعالي( ما أشهدتهم خلق السموات والأرض), وكيف يمكن لمن لا يعرف الرابطة بين فكره ولسانه أن يتكلم في كيفية الخلقة.
لم ينفذ أضعف شعاع من العلم في قلبه فيجد له لذة( قالها في وصف بعض المغرورين).
إن خطاب القرآن لا يختص بواقعة, بل يصح أن يكون خطابا لكل الناس.
لا بد أن يرفع القرآن فوق كل خلاف.
يجب الاقتصار في الاعتقاد علي ما هو صريح في الخبر ولا تجوز الزيادة علي ما هو قطعي بظني, وشرط صحة الاعتقاد ألا يكون فيه شيء يمس التنزيه وعلو المقام الإلهي عن مشابهة المخلوقين فإن ورد ما يوهم ظاهره ذلك في المتواتر, وجب صرفه عن الظاهر, إما بتسليم لله في العلم بمعناه مع اعتقاد أن الظاهر غير مراد أو بتأويل تقوم عليه القرائن المقبولة.
أصبح المسلمون بسيرهم حجة علي دينهم.
الدين هدي وعقل, من أحسن في استعماله والأخذ بما أرشد إليه, نال من السعادة ما وعد الله علي أتباعه
من اعتقد بالكتاب العزيز وبما فيه من الشرائع العملية وعسر عليه فهم أخبار الغيب علي ما هي عليه في ظاهر القول وذهب بعقله الي تأويلها بحقائق يقوم له الدليل عليها مع الاعتقاد بحياة بعد الموت وثواب وعقاب علي الأعمال والعقائد, بحيث لا ينقص تأويله شيئا من قيمة الوعد والوعيد ولا ينقص شيئا من بناءالشريعة في التكليف, كان مؤمنا حقا, وإن كان لا يصلح إتخاذه قدوه في تأويله.
الإيمان هو اليقين في الاعتقاد بالله ورسله واليوم الآخر بلا قيد في ذلك الاحترام ما جاء به علي ألسنة الرسل.
العلم هو سبب الاتصال بين الخالق والمخلوق ولا طريق غير هذا الطريق, ومتي اتصل الإنسان بالله صار مثله عارفا بكل شيء في الكون, ولم يعد يفوته شيء.
يتصل الإنسان بالله بأن ينقطع الي الدرس والبحث والتنقيب ويخرق بنظره حجب الأسرار التي تكتنف الكون, فإنه متي خرق هذا الحجاب وقف علي كنه الأمور ووجد نفسه وجها لوجه أمام الحقيقة الأبدية.
المؤمن من يوقن بأن الآجال بيد الله يصرفها كيف يشاء, ولا يفيده التباطؤ عن أداء الفروض زيادة في الأجل, ولا ينقصه الإقدام دقيقة منه. المؤمن لا ينتظر بنفسه إلا إحدي الحسنين, إما أن يعيش سيدا عزيزا, وإما أن يموت مقربا سعيدا, وتصعد روحه الي أعلي عليين ويلتحق بالمقربين.
من يتوهم أنه يجمع بين الجبن والإيمان بما جاء به محمد عليه السلام فقد غش نفسه وغرر بعقله ولعب به هوسه وهو ليس من الإيمان في شيء. كل آية من آيات القرآن تشهد علي الجبان بكذبه في دعوي الإيمان.
جعل الله بقاء الأمم ونماءها في التحلي بالفضائل, وجعل هلاكها ودمارها في التخلي عنها. سنة ثابتة لا تختلف باختلاف الأمم, ولا تتبدل بتبدل الأجيال, كسنته تعالي في الخلق والإيجاد, وتقدير الأرزاق, وتحديد الآجال.
هذا العدد الوافر والسواد الأعظم من هذه الملة لا يبذلون في الدفاع عن أوطانهم وأنفسهم شيئا من فضول أموالهم, ويستحبون الحياة الدنيا علي الآخرة, كل واحد منهم يود لو يعيش ألف سنة, وإن كان غذاؤه الذلة وكساؤه المسكنة ومسكنه الهوان.
تفرقت كلمتنا شرقا وغربا, وكاد ينقطع ما بيننا, لا يحن أخ لأخيه, ولا يهتم جار بشأن جاره, ولا يرقب أحدنا في الآخر إلا ولا ذمة, ولا نحترم شعائر ديننا, ولا ندافع عن حوزته, ولا نعززه بما نبذل من أموالنا وأرواحنا حسبما أمرنا.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
Facebook تابعنا على