الخميس 9 من رجب 1438 هــ  6 أبريل 2017 | السنة 27 العدد 9475    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: أحمد السيد النجار
رئيس التحرير:
عـلاء ثابت
الشعور بالذنب‏..‏ متي يتحول إلي عقدة ؟
تقدمها‏:‏ منال عبيد
6 أبريل 2017
هل تعرف ذلك الذي يحدث داخلك حينما تفعل شيئا خطأ؟ ذلك الإحساس الذي ينتابك لو اقترفت عيبا؟ أو الشعور الصعب الذي يعذبك حينما ترتكب حراما؟ إنه الإحساس بالذنب‏..‏ الذي يعتقد الكثيرون أنه شيء إيجابي يدعو صاحبه لمراجعة نفسه وبالتالي يقوده لمحاولة تصحيح خطأه‏,‏ فيتفنن المربون بكل السبل في تنميته لدي الصغار ليشبوا بضمائر متيقظة‏.‏

الدكتور محمد طه استشاري الطب النفسي, مؤلف كتابين من أكثر الكتب مبيعا هما الخروج عن النص واعلاقات خطرة يحذر في السطور التالية من تحول الإحساس بالذنب من شيء إيجابي يوقظ الضمائر, إلي سلاح يفتك بصاحبه بل ويجعله مريضا نفسيا.

كيف يتشكل الإحساس بالذنب ؟
يقول دكتور طه: يوجد داخل كل منا كائن ضخم عملاق مخيف, يظهر حينما نفعل شيئا خطأ أو عيبا أو حراما, يسمون هذا الكائن أحيانا بالأنا الأعلي وأحيانا أخري بالضمير وأحيانا بالنفس اللوامة..

يتكون داخلنا هذا الجزء من تركيبنا النفسي ابتداء من سن ثلاث إلي خمس سنوات تقريبا.. ومصادره هي:
* طريقة تربية الوالدين وكم فيها من حنان أو قسوة..
* عادات وتقاليد وموروثات المجتمع الذي نولد فيه وكم فيه من تسامح وقبول أو ظلم ورفض..

* معتقدات وتعاليم الدين( كما تصلنا), وكم قام من أوصلها لنا بالتركيز علي العفو والغفران, أو العقاب والانتقام.

مشكلة هذا الكائن الداخلي هي أنه مسلح بسلاح قوي جدا يعطيه سلطة وقوة وسيادة تجعله يتحكم فيك وفي أفكارك ومشاعرك وبالتالي تصرفاتك, هذا السلاح اسمه( الشعور بالذنب)..

حجم هذا الكائن داخلك, ودرجة قوته, وعلاقتك به هي اللي تحدد بشكل كبير علاقتك بنفسك.. بمعني أنه لو كانت طريقة تربيتك فيها قسوة شديدة, وعقاب بمناسبة وبدون مناسبة, أو لو كنت تعيش في مجتمع يملؤه الظلم ورفض الاختلاف, أو لو كان ما وصلك من دينك هو فقط التخويف والتهويل والعذاب والوعيد..

سيكون وقتها حجم هذا الجزء داخلك كبيرا جدا, وتسليحه قوي جدا.. وسيشعرك بالذنب مع كل حركة, وكل فعل, وكل عاطفة.. يقول لك هذا عيب حتي لو لم يكن عيبا, وهذا خطأ حتي لو كان صوابا, وهذا حرام حتي لو كان أبعد ما يكون عن الحرام.. سيكون ضميرك قاسيا جدا عليك وعلي الآخرين.. ولن تكف نفسك عن لومك وعتابك وتعذيبك ليل نهار..

أما لو كان ما وصلك من التربية سعة الصدر والقبول غير المشروط, ووصلك من المجتمع العدل والمساواة وقبول الآخر, ووصلك من الدين السماح والعفو والمغفرة والرحمة.. فوقتها سيكون حجم هذا الجزء منك متوسطا ومعقولا.. وعلاقته بك فيها لطف وهدوء وتفاهم.. سيكون ضميرك حيا لكنه ليس بقياس.. سيكون بمقدورك إعطاء مساحات للخطأ والصواب, وفرص للعفو والسماح, لنفسك قبل أي أحد آخر..

وبالطبع لو كان ما وصلك من التربية إهمال واستهتار وعدم اهتمام, ومن المجتمع كسل ولامبالاة وتفريط, ومن الدين تشويه وادعاء وافتراء.. فلا يكون مكان لكلمة( ضمير) هنا علي الإطلاق..

بالطبع لا تعتبر هذه كلها قواعد لا تقبل الاستثناء, فهناك عوامل أخري تتحكم في تكوين وحجم وقوة هذا الكائن الداخلي فينا.. أهمها الاستعداد الوراثي والتعبير الجيني, وغيرهما..

عقدة الذنب
إذن تتشكل داخلك مؤسسة قانونية وأخلاقية ودينية اسمها( الضمير).. علي رأسها كائن ضخم اسمه( الأنا الأعلي), يحاول أن يقوم بوظيفة هامة اسمها( النفس اللوامة).. ويستخدم في ذلك سلاحا اسمه( الشعور بالذنب)..

والإحساس بالذنب عندما تحدث فيه مغالاة يصبح كالسلاح الذي يساء استخدامه, لأن أقوي سلاح يمكن أن يستخدمه أحد ضدك هو أن يشعرك بالذنب تجاهه.. وأقوي سلاح يمكن أن تستخدمه ضد نفسك هو أن تشعرها بالذنب بمناسبة ودون مناسبة, وأقوي سلاح يستخدمه بعض الآباء والأمهات كي يسجنوا أطفالهم في سجون الطاعة العمياء والصوت المنخفض والعين المكسورة هو أن يشعروهم بالذنب! كما أن أقوي سلاح يستخدمه البعض باسم الدين زورا وبهتانا لامتلاك قلوب الناس وشل تفكيرهم وتعمية عيونهم وصم آذانهم هو أن يزرعوا داخلهم شعورا دائما بالذنب تجاه أي فكرة وأي عاطفة وأي فعل..

والخلاصة أن الشعور بالذنب له نوعان:
- نوع صحي ومفيد ومطلوب.. وهو أنك حينما تكتشف أنك أخطأت, تراجع نفسك وتتعلم من خطأك ولا تكرره, وتعتذر أو تتوب فتمارس آدميتك وتستخدم حقك الذي منحه لك ربك في المحاولة والخطأ, ففيه عفو وسماح وفرصة جديدة, ومنه تنبع النفس اللوامة دون قسوة والضمير الحي دون مغالاة.

- نوع مرضي مؤذي ومدمر.. هو أنك حينما تخطئ تنصب لنفسك بعدها محاكمة قاسية غير عادلة تشعر فيها أن الصواب خطأ, وأن الخطأ مصيبة, وأن المصيبة هي نهاية العالم.. فتعلق لنفسك حبل المشنقة كل يوم وتجلدها وتعذبها كل ساعة, فتجرد فيه نفسك من آدميتها, ولا تسمح لها بممارسة حقها الرباني الذي من أجله تم تسميتك( إنسان), ففيه عقاب داخلي ويأس وقنوط, وعنه تنتج النفس القاسية والضمير المتكلف.

كيف تحمي نفسك من عقدة الذنب ؟
* سامح نفسك وتعلم من أخطائك وابدأ من جديد, فنحن لا نتعلم دون أن نخطئ..

* اقبل ضعفك لأنه جزء من بشريتك..

* تجاوز فشلك وحاول مرة أخري, فلا طعم للنجاح دون تذوق الفشل..

* لاتسمح لأحد أن يسلبك حق الخطأ ويعطيك مكانه الشعور بالذنب..

* لا تسلم مفاتيح قبولك لنفسك لأحد فتنتظر منه القبول والرضي.

* لا تنتظر صك الغفران من أي بشر.

* ارضوا من أولادكم بالقليل, ولا تعايروهم بالتقصير وعدم الكمال..

* سامحوهم واعذروهم واقبلوا خطأهم وضعفهم وفشلهم..

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
Facebook تابعنا على