الأربعاء 8 من رجب 1438 هــ  5 أبريل 2017 | السنة 27 العدد 9474    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: أحمد السيد النجار
رئيس التحرير:
عـلاء ثابت
دم الشـهيــــد‏..‏ وقــلـــب الأب
يقدمها‏:‏ خالد حسن النقيب
5 أبريل 2017
تلك الليلة مضت ثقيلة‏,‏ صاحبه السهاد فيها حتي انقشعت الظلمة وأعلن الصبح عن مقدمه‏,‏ قبل أن يرتدي ملابسه استعدادا للذهاب إلي المستشفي أمسك بهاتفه‏,‏ أراد أن يطمئن علي ابنه ويطفيء نيران القلق عليه منذ أخبره أنه خارج في مهمة مع زملائه من رجال العمليات الخاصة لمواجهة الإرهابيين‏

علي الجانب الآخر لم يكن هناك أحد يرد, تعالت ضربات القلق في صدره وقبل أن يعاود الاتصال اهتز الموبايل في يده, سكرتيرة مكتبه بمستشفي العريش: الحقنا يا دكتور شهداء ومصابين كتير في المستشفي ومحتاجينك, اظاهر العملية كبيرة المرة دي يا دكتور. أغلق الرجل الخط لا يدري كيف ارتدي ملابسه ولا كيف كان علي رأس الشهداء بالمستشفي حيث لا وقت مضي إلا من مقدمه, توقف الزمن عند لحظة فارقة من حياته لا يدرك فيها غير خوف مميت سكن قلبه ولن يغادره قبل أن يطمئن علي محمد.....!! جرت عيناه علي كل الوجوه, لم يكن بينهم, هاله أن يري ابتسامة مازالت تنبض بالحياة علي وجه أحد الشهداء, لعله يري الآن موطن قدمه في الجنة, اقترب منه وقبل جبهته وسارع إلي غرفة العمليات هاديء النفس مالكا زمام روحه كي يصارع الموت ويحول دونه والمصابين الذين أتوا إلي المستشفي والدماء ترسم علي وجوههم وأجسادهم آيات البطولة والفداء. ساعات طويلة مضت وهو يعمل وفريق الأطباء بالمستشفي بلا توقف, كانت الحالات مازالت تصل إلي مستشفي العريش والصراع من أجل إنقاذ المصابين محتدم, خارت قوي العميد طبيب المعتز رشاد, أكثر من عشر ساعات مضت عليه في غرفة العمليات, أراد أن يأخذ قسطا من الراحة وبقيت حالة أتت لتوها فأحالها لأحد مساعديه وآوي إلي مكتبه وقد أعمل السهر وإجهاد العمل فيه ما جعله يرتمي علي الأريكة في سبات عميق......!! دقائق قليلة أفاق بعدها علي طرقات باب المكتب كان مساعده معتذرا يلتمس منه الحضور لغرفة العمليات علي وجه السرعة فهناك حالة خطيرة علي وشك الموت لضابط مصاب والدماء تنزف منه بغزارة.. هرول الطبيب لا يلوي علي شيء معقما يديه, مكمما فاه وما أن أمسك بالمشرط حتي تحجرت عيناه فجأة.. تجمدت كل الأحاسيس في قلبه.. أدرك أن الجسد المسجي غارقا في دمائه هو نفسه ذلك الجسد الذي احتضنه في صباح اليوم الفائت مودعا.. ليس ممكنا أن يخنق مشاعر الأب في قلبه, ولكنه تغلب علي المستحيل وتشبث بقلب الطبيب وأعمل مشرطه في قلب ابنه يصارع الموت كي ينقذه..........! استحضر الرجل كل طاقاته وقدراته العلمية يعمل يداه في جسد ابنه يرتق الجروح ويمنع منها النزيف, عيناه تلاحق مونيتور القلب كل ثانية, تتعالي أنفاسه وضربات قلبه يتمني لو يستطيع ان يهبه أنفاسه وقلبه ويموت هو.......! بضع ساعات فائتة وهو يحاول المستحيل وفجأة توقف كل شيء مونيتور القلب ومضخات النفس وارتخي الجسد الجريح إلي الأبد.. لم يصدق الدكتور أن الموت اختطف ابنه من بين يديه.. أخذ يصرخ مناديا: محمد.. محمد.. حتي تحشرج الصوت منه وأظلمت الدنيا من حوله وسقط مغشيا عليه. مازالت عيناه لا تري من حولها غير الظلام.. أفاق وكأنه لم يفق.. يتحدث إلي ابنه وكأنه يراه.. يصرخ فيمن حوله.. تأخذه حالة من الهياج العصبي فيهرول الأطباء إليه بالمهدئات.. لم يكن أمام العميد طبيب المعتز رشاد إلا أن يستكين لقدر الله.. تحامل علي جسده المتهالك وتوضأ ووقف يصلي.. يتوسل إلي الله أن يلحقه بابنه لعل نفسه تهدأ وما أن انتهي من الصلاة حتي جاءه من يخبره أنه مدعو لتكريم روح ابنه في يوم الشهيد وأن الرئيس عبدالفتاح السيسي يريده شخصيا.. لملم الرجل جراحه وذهب لحفل التكريم.. في الطريق كان يري ابنه معه, يتكلم إليه النهاده فرحك يا محمد, كان نفسي يا ابني أزفك لعروستك النهارده مصر كلها بتزفك, افرح يا بني ومتزعلش مني دا انت اللي هتشفعلي.. أفاق الأب ويد الرئيس في يده وأصوات الحضور بالقاعة تتعالي تحيا مصر....!
<< ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون(169) فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون(170) يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين(171)( آل عمران)
هكذا هو الشهيد عند الله وابنك نال تشريفا إلهيا كبيرا يا أخي فلا تحمل نفسك فوق طاقتها فقد بذلت جهدا خارقا لإنقاذ شباب كثيرين مثل ابنك وجعلك الله عز وجل سببا في أن تمتد بهم الحياة وأنت لم تفشل مع ابنك فقد وقع اختيار الله عليه وعلي غيره من الشهداء لينالوا من المولي عز وجل ما لا تساويه الدنيا بأسرها.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
Facebook تابعنا على