الأثنين 28 من جمادي الآخر 1438 هــ  27 مارس 2017 | السنة 27 العدد 9465    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: أحمد السيد النجار
رئيس التحرير:
عـلاء ثابت
الإعلامي الكبير فهمي عمر في حوار شامل مع الأهرام المسائي‏:‏
الإذاعة لسان ثورة‏1952..‏ وأهم أسباب نجاحها ... في تاريخنا الحديث كثير من الأوهام وواقعة منع أغاني أم كلثوم بعد الثورة كاذبة
أجري الحوار‏:‏ علي النويشي .. تصوير‏:‏ محمد مصطفي
27 مارس 2017
أكد الإعلامي الكبير فهمي عمر أن الإذاعة هي الوسيلة الوحيدة التي وحدت العرب من المحيط إلي الخليج‏,‏ ولولاها ما نجحت ثورة‏23‏ يوليو‏..1952‏

وقال إن الإذاعة المصرية هي التي قادت حركات التحرر الإفريقية والآسيوية من خلال بيانات ونداءات الإذاعات الموجهة.. وفي ثورات مصر الحديثة كانت الإذاعة علي الخط دائما, تنقل للشعب صورة صوتية تحرك الجماهير وتحشد الإرادات..سنوات طويلة مرت, والإعلامي الكبير شاهد عيان علي عصر من الأحداث والقلاقل, تاريخ طويل شهد ملكين وستة رؤساء وحفنة ثورات.. سبعون عاما ولت منذ أن التحق بالإذاعة, وعينه مازالت علي الميكرفون.. يعطي الدروس, وينشر الخبرات ويعلم الأجيال..فهمي الذي أراد له والده أن يكون قاضيا ينشر العدل بين المتخاصمين, فاختار لنفسه أن يحمل مصباح الوعي, يفتح قلبه لـالأهرام المسائي في شهادته علي الإذاعة وعلي العصر..

> ماذا تقول عن تلك الحقبة التي عاصرت فيها بداية عملك في الإذاعة؟
<< عندما التحقنا بالإذاعة في1950 كانت مصر تفور بالأحداث, الجميع يطالب بجلاء الإنجليز, وبالعدالة الاجتماعية, ومرت بمصر أحداث جسام في سنوات ما قبل الخمسينيات من1946 وحتي1948, وكأن كل شيء في مصر كان علي صفيح ساخن, ولا شيء يبدو مستقرا, فالحكومات في مهب الريح, والسلطة يحملها الغرور, ولا ترضي إلا بما يوافق أهواء الملك ومصلحة الاستعمار..وفي1948 يجتاح مصر مرض الكوليرا, وما أدراك ما مرض الكوليرا, موت, ودمار, وخراب, فالموتي في كل مكان, والدموع تملأ القلوب, والجنازات لا تنتهي, والأحزان تعلو الوجوه, ورأيت كرائم عقيلات مصر من الأميرات والهوانم جئن إلي قريتي في أعماق صعيد مصر في حملة للهلال الأحمر لكي يحصنوا الناس ضد وباء الكوليرا, ورأيت كيف كانت مصر تعيش أياما صعبة, فالغلاء يكتم علي أنفاس الناس, وفي قريتي لو أن شخصا ما يرتدي جلبابا ثقيلا بعض الشيء يعدونه من الأعيان, ومن لديه ركوبة يمتطي ظهرها كان يعد من الأغنياء, وكان الحفاء منتشرا, والفقر هو الذي يسود ويحكم الجميع خاصة في الريف والصعيد..وفي عام1947 فكرت الحكومة في تمصير الإذاعة, ونتج عن ذلك مرحلة جديدة في حياة المصريين, وبدأ الجمهور يشعر بأهمية الراديو في نشر الوعي وتأكيد الهوية المصرية, وبدأت أجهزة الراديو تغزو الأرياف والكفور, وأصبح لهذا الجهاز الصغير دور خطير في حياة الشعب..

> كيف التحقت بالإذاعة, ولم يكن للإعلام كل هذا الضجيج الذي نشهده في عصرنا الحالي؟
<< ألحقني أبي بكلية الحقوق لكي أكون وكيلا للنائب العام ثم قاضيا, ولكن أردت لنفسي أن أكون شيئا أخر, وطلبت الإذاعة تعيين مذيعين جدد, وتقدمنا للامتحانات خلال شهور فبراير ومارس وإبريل1950, اختبرونا في كل شيء بداية من اللغة والنطق السليم والمعلومات العامة وحتي التذوق والذوق في أشياء كثيرة للغاية, ويا ليتهم يطبقون مثل هذه الاختبارات علي المذيعين الحاليين حتي لا نري كوارث علي الشاشة, ومن وراء الميكروفون, لمذيعين لا يعرفون الجغرافيا ولا التاريخ, ويخطئون في نطق أسماء الدول..

> كم كان عددكم وقت بداية الاختبار وكم منكم نجح؟
<< تقدمنا للاختبار وكان عددنا نحو300 شاب وشابة, وتمت تصفيتنا, وكان الناجحون ثمانية فقط, والشباب هم: الراحل عباس أحمد, الراحل صلاح زكي, الراحل طاهر أبوزيد, الراحل أحمد عبد الحليم, وفهمي عمر, وأما الشابات فهن: عواطف البدري رحمة الله عليها, والرائدة آمال فهمي أطال الله في عمرها, وملكة بيصار, والتحقنا بالإذاعة في أول مايو.1950

> كنتم ثمانية مذيعين فقط.. كيف كانت نظرة الناس لكم ؟
<< كنا ثمانية, ولكن كنا نجوم المرحلة كلها, فكنا ونجوم السينما سواء, ونتلقي تليفونات الإعجاب من الناس في كل مكان, ونلقي الترحيب أينما كنا أو حللنا..في1952 وقع حريق القاهرة الشهير, واندلعت ألسنة اللهب في كل مكان..

> كيف غطت الإذاعة هذا الحدث الرهيب؟
<< كانت كارثة حقيقية, فالقاهرة كانت من أجمل مدن العالم, وكانت شوارعها نظيفة, يتم غسلها بالصابون في كل ليلة.. وعندما اشتعلت النيران وأحرقت القاهرة شعرنا بالأسي والحزن الشديد علي مدينتنا الجميلة التي باتت مغلقة من الساعة السادسة وممنوع التجوال فيها, ولا تتصور حجم وفظاعة الحريق الذي طال القاهرة ؟
فقد أحرقوا كل شيء, كل شيء, وسط البلد كله كان محترقا, وكتلة من اللهب, كل المحلات احترقت والمسارح ودور السينما والكافيهات والفنادق والأوتيلات, كان منظرا مرعبا, واستطاعت الإذاعة أن تضع الناس علي مستوي الكارثة التي تعرضت لها القاهرة, من خلال نشرات الأخبار واللقاءات المباشرة والتسجيلات مع الناس, ونقل صور صوتية لما حدث في الشوارع, لقد نقلنا كل شيء تقريبا من خلال الإذاعة, ومن هذا الحدث أيضا شعر الناس بأهمية الراديو في البيوت, لأن منع التجوال قطع الناس عن الشوارع وما يحدث فيها...بعد حريق القاهرة وقعت أحداث كثيرة, وكأن شيئا ما كان يجري في الخفاء, ويكتب كامل الشناوي مقاله النبوءة الذي تنبأ فيه بعبد الناصر والثورة, وقال إني أري رجلا في الطريق قادما.,

فكيف لاحقت الإذاعة كل هذه الأحداث حتي قيام تنظيم الضباط الأحرار بقيادة البكباشي جمال عبدالناصر بثورة1952 ؟
<< كانت مصر حبلي بالثورة, وعلي موعد بميلاد جديد, وكان المخاض عسيرا في ظل احتلال وحكومات فاسدة, وصراع المصالح بين الأحزاب ورجال الأعمال, ثم يأتي حريق القاهرة وعمليات الفدائيين بمنطقة القناة, وكان في الأفق شيء نستشعره ولا نعرفه, وكان لابد من حل لوجود الإنجليز في مصر, وفي صباح يوم23 يوليو1952 خصني القدر بأن أكون مذيع الفترة الصباحية, وذهبت للإذاعة قبل الساعة السادسة, ووجدت ضابطا ينتظرني عرفته علي الفور, إنه البكباشي أنور السادات, وافتتحت البث وتم تجهيز الميكروفون للسادات في تمام السابعة والنصف ليلقي بيان الثورة المعروف..

> وماذا كان أثر هذا البيان علي الجمهور في الشارع؟
<< أقولها حقيقة.. لولا الإذاعة ما نجحت الثورة, لأنه فور إعلان البيان ملأت المظاهرات الشوارع, وعمت الفرحة قلوب المصريين, وبدأت مرحلة جديدة, وأطلقت الإذاعة صورا صوتية بلا حصر وبرامج بلا عدد تتحدث عن الوضع الجديد, من أغاني وطنية وشعبية, ولقاءات مع الثوار, وتوزيع الأراضي علي الفلاحين, ولم تكن الصحف مملوكة للدولة, وكانت الإذاعة هي لسان الثورة, الراديو ملك القاعدة في البيت, موضوع علي رف عال ومحاط بالورد حتي لا يحركه أحد, يلتف الجميع من حوله, ولذلك أقول إنه عندما أذيع البيان كان هناك علي الأقل75% من الناس يسمعونه من الراديو, وكان للفنانين دور كبير في مساعدة الثورة, دور نقلته الإذاعة بالكامل, وشهدت حديقة الأندلس ليالي مستمرة في صيفي1954,1953; حيث الحفلات التي يشارك بها كبار الفنانين, عبدالحليم وشادية, والأطرش وأم كلثوم, وغيرهم..وتوالت الأحداث ومع ثورة يوليو1952 دخلت الثورة مرحلة جديدة; حيث اهتمت الثورة بالإذاعة وتوالت أحاديث اللواء محمد نجيب للإذاعة..وفي26 يوليو1952 وافق الملك فاروق ملك مصر والسودان علي التنازل عن عرشه لابنه وولي عهده الأمير أحمد فؤاد الثاني, وأذاعت الإذاعة الإنذار الذي قامت ثورة يوليو بتوجيهه إلي الملك للتنازل عن العرش, وعبر موجات الأثير يعلن خبر توقيع اتفاقية الجلاء والتي بمقتضاها يخرج أخر جندي إنجليزي من أرض مصر.يقال إنه مع اندلاع ثورة يوليو تم منع بث أغاني أم كلثوم, لكونها مطربة من العهد البائد.. وفور معرفة جمال عبدالناصر بالخبر أعطي الأوامر بإعادة بث أغانيها..

ما حقيقة هذا الخبر؟
في تاريخنا كثير من الأوهام, التي تتردد وكأنها حقيقة, مثل تلك الفرية التي تتردد عن منع أغاني أم كلثوم بعد الثورة.. أبدا لم يحدث, ولم تمنع أغاني أم كلثوم ولا غير أم كلثوم, وللعجب أنني أقرأ هذه الحكايات في كتابات البعض, وكأنها يقين ثابت, ولا أعرف من افتري هذه الفرية, ولو منعت أغاني مطرب ولو ليوم واحد لكان حدثا,

فما بالك بمنع أغاني أم كلثوم؟؟
أزمة1954 والصراع الدائر حول كيفية حكم مصر.. كيف تابعت الإذاعة هذه الأحداث؟
الثورة لكي تستمر في مسارها الصحيح, لابد لمنفذها من أن يمتلك زمام الأمور, وكان عبد الناصر هو قائد الثورة ورئيس التنظيم, وفي54 عاد الحق إلي أصحابه, فمن قام بالثورة, ومن مفجر شرارتها؟ هو عبد الناصر, فكان لزاما أن يقوم عبد الناصر بدوره, ويقول قولته, ويثبت ذاته, فكان ما كان, وانتهي دور الرئيس محمد نجيب..ونأتي لمرحلة العدوان الثلاثي علي مصر في..1956

كيف عشت هذه الأيام؟
<< مع مؤامرة العدوان الثلاثي كانت الإذاعة من أول الأهداف التي قصفتها طائرات العدو في يوم الجمعة الثاني من نوفمبر صواري الإرسال في أبوزعبل..وكانت الغارة.. وجاءت الطائرات وتفجرت القنابل, وضربت المحطة وأصيب العشرات واستشهد بعض العاملين, ولكن العمل لا يتوقف لإعادة المحطة للبث من جديد, ولحسن الحظ كانت هناك إذاعة صغيرة تغطي محيط القاهرة فقط, وذهبت أنا والإذاعي الكبير أحمد سعيد إلي هذه الإذاعة وكانت علي السطوح, وأمسكت بالميكروفون, وبدأت حديثي: يا أبناء القاهرة نحن معكم.. وأنادي بأي اسم: يا علي, يا إبراهيم, يا مجدي, ياعمر, هل تسمعني, ابحث في الراديو إلي أن تسمعني, وأرجوك كلم أصحابك, وأصحابك يكلموا أصحابهم حتي يسمعوننا, هنا القاهرة.. هنا الإذاعة المصرية..وتنقل الإذاعة خطاب الرئيس عبدالناصر من علي منبر الجامع الأزهر, وفي نوفمبر ذهبت إلي السويس وكان هناك صلاح سالم يقود الجماهير للدفاع عن المدينة, وكان كمال الدين حسين في الإسماعيلية, ومع رحيل أخر جندي من المحتلين كنت أول من دخل بورسعيد مع أهلها أنقل إيقاع الحياة من هناك وكيف تعمل المصالح الحكومية إلي أن استقرت بها الحياة تماما..

> وماذا عن الإذاعات الموجهة؟
<< لا ننسي دور الإذاعات الموجهة التي مدت يد العون لجبهات التحرير في إفريقيا وآسيا; حيث تمت تغطية شرق وغرب ووسط وجنوب إفريقيا بـ17 إذاعة بلغات مختلفة, تبث أكثر من24 ساعة في اليوم, وتغطي منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا وأستراليا بـ15 إذاعة تبث أكثر من21 ساعة يوميا, فضلا عن مناطق أمريكتين وأوروبا وإسرائيل التي كنا نغطيها بأربع لغات لمدة سبع ساعات يومياوكانت الوحدة مع سوريا في1958, وكانت الإذاعة في المقدمة.. أليس كذلك ؟ لم أذهب لتغطية الحدث, لأنني انتقلت للعمل في البرامج, ولكن أتذكر في هذا اليوم خرج مذيعو الإذاعة المصرية لينقلوا للمستمعين فرحة الجماهير وهي تحيط بموكب الرئيسين عبدالناصر والقوتلي في دمشق, فكان حسني الحديدي كبير المذيعين, وجلال معوض, وأحمد فراج, وفاروق خورشيد ونبيل بدر, في نقط ثابتة أو مرافقين لموكب الرئيس ونقلوا صورا صادقة للشعب السوري..نصل للمرحلة المهمة في تاريخ الإذاعة المصرية.

> وكيف نقلت أحداث حرب أكتوبر منذ البيان الأول, وحتي نهاية الحرب؟
<< أذكر في أيام الحرب, والدولة كلها من شرطة وجيش وقضاة وصحفيين وكل قئات الشعب معبأة لمساندة المعركة, أذكر أنني حملت جهاز التسجيل وذهبت لقسم بولاق قريبا من الإذاعة وفي رأسي سؤال واحد: كيف حال الأمن في مصر؟ وقابلت المأمور, وجاء لي بدفتر الأحوال وهو يقول منذ أن بدأت الحرب وكنا يوم11 أكتوبروقال: منذ خمسة أيام لم يأتنا بلاغ واحد, فلا سرقات ولا خناقات, وكأننا نعيش في الجنة, وتعجب المأمور من تلك الحال, وهو يؤكد بأن هذا وضع لم أقابله خلال حياتي العملية..كنت رئيسا للإذاعة من1982 وحتي بلوغك سن الستين, في هذه المرحلة كانت الإذاعة في أوج تألقها.. كيف مرت هذه المرحلة من حياتك..؟ الإذاعة المصرية هي التي ربطت العالم العربي برباط واحد من المحيط للخليج, فيوم كانت تغني أم كلثوم, كانت أذان العرب كلها علي راديو القاهرة, وكان هذا في رأسي يوم أن أسندت إلي مسئولية الإذاعة المصرية, ولكوني مهتما بالبرامج الرياضي, وأنا أول من أدخل البرامج الرياضية للإذاعة, إلا أني لم أهمل البرامج الثقافية.

> ماذا عن البرامج الرياضية ؟
<< لم تكن هناك برامج رياضية, وقمت بعمل برنامج الرياضة في أسبوع سنة1954, أقدم الأحداث الرياضية, وأبطال الرياضة, ثم قدمنا الوصف التفصيلي للمباريات, ولأنه لم تكن هناك وسائل مواصلات كما الآن فكنت أتواصل مع مذيعي النباريات عن طريق خدمة الترنك وبدأت الرياضة بنصف ساعة ويوم أن تركت المسئولية في الإذاعة وصلت إلي12 ساعة, وقمت بتأسيس إذاعة الشباب والرياضة..أعرف أن لك رأيا قد لا يرضي كثيرا من المعلقين الرياضيين علي الساحة الآن؟
<< بالطبع لا يوجد المعلق التي تتوافر فيه شروط المعلق الصحيح, والمعلقون الموجودون علي الساحة الآن, ماذا يقولون, وماذا يضيفون للمشاهد أو المستمع؟ والمحللون المنتشرون في استديوهات البرامج الرياضية, ماذا يقولون ؟ كل ما يقولونه, من الممكن أن يقوله أي شخص سواهم, أستطيع أنا أو أنت أو أي مواطن بالشارع أن يقوله ويقول أفضل منه, مثل: لو كان التغيير الذي تم حصل, كان نزل فلان بدلا من فلان, وكان أحرز هدفا, ولم يمرر الكرة لفلان بدلا من علان, كلام لا إضافة فيه, ولا فائدة منه, ولكنه باب رزق ومفتوح.. والله يسهل لهم.. وكل لاعب يخرج من الملاعب تتم استضافته للتحليل علي المباريات.. فزورة بدأت ولا أعرف متي ستنتهي..؟

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
Facebook تابعنا على