الأربعاء 25 من جمادي الاول 1438 هــ  22 فبراير 2017 | السنة 27 العدد 9432    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: أحمد السيد النجار
رئيس التحرير:
عـلاء ثابت
ابتسامة اللقاء و الفراق
22 فبراير 2017
كانت الشمس قد أشرقت منذ قليل فيما كانت فتاة تقف إلي جوار أحد مشاهد القبور تتحدث إلي شخص ما‏..‏ لم يكن هناك غيرها‏,‏ تبكي تارة و تتكلم تارة‏,‏ كانت تنادي أخاها و أباها و أمها‏:‏ لقد تركتوني وحيدة في هذا العالم أستمد رحيق الحياة من أجل ابني و لكني أتوق إليكم تستهويني النهاية كي يقترب اللقاء‏.....!!‏

قسمات الحزن لم تفارق وجهها و هي تجلس قبالتي.. قالت إنها أتتني من المقابر تبحث عن قبس من نور الحياة تستضيء به في ظلمة فراق يضنيها منذ أن فارقت أسرتها كلها مرة واحدة.. تحشرجت الكلمات في حلقها و هي تحكي كيف كانت طفولتها مبهجة, سعيدة.. قالت: كنت أقفز ببراءة سني فرحة بإرهاصات حياتي الأولي فيتلقفني أخي الأكبر و يحملني بين يديه و يرفعني إلي السماء أحلق بجناحي يمامة حتي أرتمي في دفيء حضنه مرة أخري..

عندما كان يرتدي بدلته العسكرية متأهبا للسفر في مهمة من مهام عمله كضابط كان قلبي الصغير يرتجف خوفا عليه.. كبرت وكبر خوفي عليه.. كنا نذرف الدمع أنا و زوجته خوفا و قلقا كلما سافر في مهمة لا تهدأ منا النفس حتي يعود.. في كل مرة كانت أمي تدعو له مستبشرة.. تودعه بابتسامة اعتاد عليها سنوات طويلة واجه خلالها خطر الموت في مواجهات مسلحة كثيرة, و لكنه كان يعود ليجدها تنتظره بنفس الابتسامة ابتسامة اللقاء و الفراق.. إلا هذه المرة انتظرنا طويلا و لكنه لم يأت.. ذبلت ابتسامة أمي.. تملك أبي الخوف فأمسك بالمصحف يذكر الله و يدعوه لعل قلبه يطمئن....!

تغيرت ملامح البيت و توقفت كل عقارب الساعات و كأن الزمن قد توقف عند لحظة خاطفة تلقينا فيها نبأ استشهاد أخي في إحدي المواجهات الأمنية.. و تجمدت الروح فينا إلا من انتظار لقاء بات من المستحيل أن يأتي.

الصدمة كانت أكبر من احتمال والدي ووالدتي اللذين بقيا يغالبان ألم الفراق و الحزن الدفين في قلبيهما حتي أماتهما الحزن كدرا وألما و لم يمض علي استشهاد أخي عام واحد وبقيت أنا لا أدري إن كنت أعيش واقعا حقيقيا لحياة خلت من أعز ما أملك فيها و أنه قد كتب علي أن أعيش وحيدة أتجرع الفراق سما زعافا يقتلني ببطء معذب حتي ألقي أحبتي في النهاية.. هل هذا كابوس ريثما أستيقظ منه فزعة مذعورة أم إنها الحقيقة التي لا مفر منها ؟
ه. م. القاهرة

ما أقسي الألم عندما يسكن النفس و يستوطنها الحزن خاصة لو كانت ضربات القدر بهذه الشدة التي تعانين يا ابنتي و لكن لو أننا لم نتشبث بأسباب الصبر و أواصر الإيمان في قلوبنا ما بقينا أحياء علي ظهر الأرض و متنا كمدا و حزنا و لك فيما وقع لأبيك و أمك العبرة الحقيقية في هذا فهما استسلما لوطأة الحزن فقتلهما فلا تستسلمي أنت أيضا لما أنت فيه من يأس قاتل فأخوك لم يمت هو حي يرزق عند ربه في نعيم الجنة فهوشهيد الواجب و يقول عنه المولي عز و جل في محكم آياته من سور آل عمران ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون(157) ولئن متم أو قتلتم لإلي الله تحشرون(158)( آل عمران).

ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون(169) فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون(170) يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين(171) آل عمران. و اعلمي أنك مكلفة في الدنيا و علي عاتقك رسالة عليك أن تكمليها فأنت أم لطفل هو في حاجة إليك الأمل القادم ببريق شمس يوم جديد تشرق علي حياتك بأشعة تقشع ظلمة اليأس و الحزن من صدرك.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
Facebook تابعنا على