السبت 21 من جمادي الاول 1438 هــ  18 فبراير 2017 | السنة 27 العدد 9428    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: أحمد السيد النجار
رئيس التحرير:
عـلاء ثابت
العروة الوثقي جريدة في مواجهة بريطانيا العظمي
الدكتور مصطفي جودة:يكتب لـ الأهرام المسائي‏:‏ جعلوني قارئـا
18 فبراير 2017
في كتاب تاريخ الأستاذ الامام الشيخ محمد عبده‏,‏ تأليف السيد محمد رشيد رضا‏,‏ مطبعة المنار‏,1931,‏ ثلاثة أجزاء‏.‏ تجد كلمات تقول‏:‏ أنشئت جريدة العروة الوثقي في باريس‏,‏ صدر العدد الأول منها في‏13‏ مارس سنة‏1884,‏ وكان مدير سياستها الفيلسوف العظيم السيد جمال الدين الأفغاني ورئيس تحريرها فقيدنا الأستاذ الامام محمد عبده‏(‏ رحمهما الله‏),‏ وأنبأني الأمير شكيب أرسلان أنه سمع الأستاذ يقول ان الأفكار في العروة الوثقي كلها للسيد لي منها فكرة واحدة والعبارة كلها لي ليس للسيد منها كلمة واحدة‏.‏

بلغ ما نشر منها ثمانية عشر عددا, صدر العدد الأول منها في5 جمادي الأول سنة1301, وصدر العدد الأخير منها في ذي الحجة سنة1301 هجرية, وانتهت بسبب الحرب الشعواء التي أعلنتها بريطانيا عليها. هي جريدة وقفت في مواجهة أعتي امبراطورية في أقوي فتراتها, امبراطورية طاغية مترامية فهزتها, وبرهنت علي هشاشتها وفساد مؤسساتها وأخلاقياتها. أصبحت تبيانا علي زيف الادعاء الغربي بالحرية والديمقراطية. انها حرية وديمقراطية في بلادهم فقط. عدا ذلك فهم يريدونها عوجا.
كانت أهداف الجريدة واضحة جلية وهو الأمر الذي أخاف الامبراطورية البريطانية الجبارة وزلزل كراسيها في مستعمراتها. صدر العدد الأول من المجلة ليحوي فاتحة وبيان منهاج الجريدة وخطتها: يقول السيد محمد رشيد رضا في كتابه: الموضوعات التي تنحصر فيها مقاصد العروة الوسطي أربعة: الجامعة الاسلامية, والرابطة الشرقية, والمسألة المصرية, والمسألة السودانية.
أيضا كانت المقالات في الجريدة تهدف لتوضيح الطرق التي يجب اتباعها لتدارك الأخطاء الماضية, وتجنب الصعاب والأخطار في المستقبل, وبحث الأسباب والعلل التي أدت الي ضعف المسلمين وفي طليعتها تفريطهم في تعاليم دينهم. كما أنها تعمل علي إحياء الأمل في النفوس وتبين لها أن طريق النهوض ميسور. كما أن المجلة تتولي الرد علي الأعداء المغرضين, تقوم بإطلاع الشرقيين علي كل ما يخصهم ويحاك ضدهم في الغرب. كما تتولي الجريدة مهمة تقوية الروابط بين الأمم الاسلامية والتقريب بينها.
أدركت امبراطورية الشر وأجهزتها الاستخبارية أن المجلة تمثل مخاطر قد تؤدي لزوالها وبالتالي اتخذت موقفا عدائيا منها قبل صدورها في باريس لعلمهم ويقينهم أنها تمثل عليهم خطرا داهما في الهند ومصر وكل البلاد التي يحتلونها. كان انزعاجهم شديدا لدرجة أن الصحافة الانجليزية هاجمت الجريدة قبل صدورها, ثم تم الضغط علي الدول المحتلة لمنع دخولها ومعاقبة كل من يقرأها وتغريمه غرامة كبيرة. ثم تم الضغط علي الحكومة الفرنسية فتم قفل الجريدة, بعد صدور18 عدد منها. رغم ذلك التعنت والجبروت من دولة تدعي الحرية والديمقراطية, الا أن أهداف الجريدة تحققت وكشفت نفاق القوي الاستعمارية ورعبها من الكلمة المكتوبة أكثر من المدافع والقنابل.
حسب الانجليز للجريدة كل حساب, وجهر لها الكثير من ساستهم بالعداء, طبقا لما جاء في العدد الخامس منهاالصادر في10 أبريل1884:
عزمنا علي انشاء جريدتنا هذه فعلم بذلك بعض محرري الجرائد الفرنساوية. فكتبوا عنها قبل صدورها, غير مبينين لمشربها, ولا كاشفين عن حقيقة سيرها, فلما وقف علي الخبرمحرروا الجرائد الانجليزية المهمة, أخذتهم الحدة واحتدمت فيهم نار الحمية, وأنذروا حكومتهم بما تؤثر هذه الجريدة في سياسة الانجليز ونفوذها في البلاد المشرقية. ولجوا في اغرائها بها, وألحوا عليها أن تعد كل وسيلة لمنع الجريدة عن الدخول في البلاد الهندية والبلاد المصرية. بل تطرفوا فنصحوها أن تلزم الدولة العثمانية بالحجر عليها. كل هذا كان منهم قبل صدور أول عدد من جريدتنا وقبل أن يقف أي واحد منهم علي مذهبها السياسي. مع أن هذه الجريدة لم تنشأ لإثارة الخواطر, ولا لإيقاد الفتن, وانما أنشئت للمدافعة عن حقوق الشرقيين عموما, والمسلمين خصوصا, وتنبيه أفكار بعض الغافلين منهم, لما فيه خيرهم. ولقد صدرت سالكة جادة الاعتدال, ذاهبة مذهب الاستقامة والعدل, كما يظهر لكل من اطلع عليها.
هذا المسلك العدواني التاريخي من الصحافة الانجليزية التي كانت تدعي الحرية والحضارة والعدالة والانسانية بشأن جريدة محدودة المصادر المادية, يصدرها اثنان من علماء المسلمين في باريس, تعطينا صورة عن نفوس المستعمرين واستعلاء مؤسساتهم بالداخل والخارج, وأنهم علي قلب رجل واحد عندما يخصنا الأمر. هذا المسلك الاعلامي حينها يمثل سقطة ذات دلالات بالغة الأهمية في فهم سيكولوجية المستعمر في كل زمان ومكان. استمر البيان: واذا كان هذا شأن خوف الانجليز منها قبل صدورها, فهل يستغرب من الحكومة البريطانية بعده أن تمنع دخولها في مصروالهند؟. وهذا ما ورد في العدد التاسع من الجريدة بتاريخ22 مايو1884:
انعقد مجلس النظار المصري في القاهرة واهتم بالبحث في شأن العروة الوثقي, ثم أصدر قراره الي نظارة الداخلية المصرية قاضيا عليها بأن تشتد في منع هذه الجريدة عن دخول الأقطار المصرية وتراقب جولاتها في تلك الديار, فصدر أمر الداخلية الي ادارة عموم البوسطة يلزمها الدقة في ذلك, وبلغنا أن الجريدة الرسمية بعد نشرها صورة الأوامر أعلنت أن كل من توجد عنده العروة الوثقي سيغرم مبلغا من خمسة جنيهات مصرية الي خمسة وعشرين جنيها, أما نحن فلا نظن أن أحدا من النظار المصريين له رأي اختياري في هذا القرار, بل لا نتوهم في المستوي علي كرس الخديوية ميلا الي ذلك الحكم, ولا يختلج في صدورنا أن مصريا من أي مشرب كان سواء المسلم وغير المسلم منهم بل ولا شرقيا ممن يسكن تلك البلاد يري فيه جانبا من العدل. هذه جريدة قامت بالدفاع عن المصريين والاستنجاد لهم, ولا تري من مشربها مدح زيد ولا القدح في عمرو, فان المقصد أعلي وأرفع من هذا, وانما عملها سكب مياه النصح علي لهب الضغائن لتلاقي في قلوب الشرقيين عموما علي الصفاء والوداد. تلتمس من أبناء الأمم الشرقية أن يلقوا سلاح التنازع بينهم ويأخذوا حذرهم وأسلحتهم لدفع الضواري التي فغرت أفواهها لالتهامهم. ومن رأيها أن الاشتغال بداخل البيت انما يكون بعد الأمن من طروق الناهب. هذا منهاج العروة الوثقي علمه كل مطلع علي ما نشر فيها من يوم نشأتها الي الآن فكيف يخطر ببال عاقل أن شرقيا مسلما أو غير مسلم يميل لحجبها عن دياره. ولكنا نعلم أن حركات الآمرين في القطر المصري هذه الأيام قهرية لا يخالطها شيء من الاختيار, والمدبر لرحي القهر عليهم هم عمال الانجليز.... فدولة الانجليز التي تحاسب رعاياها المسلمين علي خطرات قلوبهم, وما يمكن أن يهجس في حديث نفوسهم, لا ريب انها تعد وجود لفظ الاسلام في جريدة كافيا لمنعها من الدخول الي بلاد لها فيها قدم ثابت, أو تسعي في تثبيته, بل تحسب أن من ألد أعدائها شخصا علق عليه هذا الاسم من أي جنس كان, فلا غرابة في صدور مثل هذا الجور منها, غير أننا نعلن لها أن همم الرجال لا تقعدها أمثال هذه المظالم, وليس يعجزنا ادخال هذه الجريدة في كل بقعة تحوطها السلطة الانجليزية الظالمة, ذلك بعزائم أولي العزم الذين قاموا بإنشاء العروة الوثقي.
حوت المجلة في أعدادها الثمانية عشر كنوزا للأجيال القادمة ومقالات وكأنها منارات ضد أي محتل, هي: المقالة الثانية: الجنسية والديانة والاسلامية نشرت في العدد الثاني الذي صدر في22 جمادي الأولي سنة1301, المقالة الثالثة: ماضي الأمة وحاضرها وعلاج عللها, نشرت في العدد الثالث في29 جمادي الأولي1301, المقالة الرابعة: النصرانية والاسلام وأهلها, نشرت في العدد الرابع الذي صدر في في7 جمادي الآخرة سنة1301 هجرية الموافق3 أبريل1884, المقالة الخامسة: انحطاط المسلمين وسكوتهم وسبب ذلك, نشرت في العدد الخامس بتاريخ10 أبريل1884, المقالة السادسة: التعصب, نشرت في العدد السادس في28 جمادي الآخرة1301, المقالة السابعة: القضاء والقدر نشرت في العدد السابع بتاريخ أول مايو1884, المقالة الثامنة: الفضائل والرذائل وأثرهما, نشرت في العدد الثامن بتاريخ15 مايو1884, المقالة التاسعة: الوحدة الاسلامية, نشرت في العدد التاسع بتاريخ22 مايو1884, المقالة العاشرة: الوحدة والسيادة, نشرت في العدد العاشر بتاريخ5 يونيو1884, المقالة الحادية عشرة: استعانة الفاتحين علي الأمم بأمرائها ورؤسائها, نشرت في العدد العاشر أيضا, المقالة الثانية عشرة: الأمل وطلب المجد, نشرت في العدد الحادي عشر بتاريخ19 يونيو1884, المقالة الثالثة عشرة: رجال الدولة وبطانة الملك كيف يجب أن يكونوا, نشرت في العدد الحادي عشر أيضا,المقالة الرابعة عشرة: كم حكمة لله في حب المحمدة الحقة, نشرت في العدد الثاني عشر بتاريخ10 رمضان1301 الموافق3 يوليو1884, المقالة الخامسة عشرة: الشرف, نشرت في العدد الثالث عشر بتوقيع محمد نجيب الاسكندري( ذكر الأستاذ محمد رشيد رضا أنه سأل الأستاذ محمد عبده عن محمد نجيب هذا فقال انه اسم مستعار, وأن المقال من انشاء محمد عبده), المقالة السادسة عشرة: دعوة الفرس للاتحاد مع الأفغان, نشرت في العدد الرابع عشر بتاريخ14 أغسطس, المقالة السابعة عشرة: الأمة وسلطة الحاكم المستبد, نشرت في العدد الرابع عشر أيضا, المقالة الثامنة عشرة: امتحان الله للمؤمنين, نشرت في العدد الخامس عشربتاريخ28 أغسطس1884, المقالة التاسعة عشرة: أسباب حفظ الملك, نشرت في العدد السادس عشر بتاريخ11 سبتمبر1884, المقالة العشرون: سنن الله في الأمم, نشرت في العدد السابع عشر بتاريخ25 سبتمبر1884, المقالة الحادية والعشرون: الوهم, نشرت في نفس العدد أيضا, المقالة الثانية والعشرون: الجبن, نشرت في العدد الثامن عشر بتاريخ16 أكتوبر.1884
اضافة الي ذلك كانت المجلة تحوي بابا رائعا اسمه النتف والأخبار, كل واحدة منها تمثل كبسولة ثقافية مركزة, وبعضها يكاد يكون مقالة:
سياسة انجلترا في الشرق, مصر, أعجوبة, غريبة, جوردون باشا, جراهام وعثمان ودجمة, المسألة المصرية, الانجليز في السودان, صدي دعوة السودان, اضطراب سياسة الانجليز في مصر, برلمان انجلترا, الباب العالي, ايرلندا, الفرنسيون في التنكين, منثورات سياسية, الشيخ المرغني, خرطوم, تحكم اللورد دوفرين, مقاصد انجليزية في مصر, حجة نوبار باشا, عثمان دجمة, معاملة محمد أحمد للرسل المسحيين, أخبار أخيرة, نصيحة, الدولة العثمانية, انجلترا في سواحل البحر الأحمر, عودة الي خرطوم, أماني انجلترا في حركات محمد أحمد, الحزم والعزم, أسطورة, القوة للحق, الجرائد الانجليزية والعروة الوثقي, عجز ومراوغة, انجلترا والجيش, رأي المستر بلونت في المسألة المصرية, بريطانيا تمسح ظهر توفيق باشا, أضحوكة, المسألة المصرية والانجليزية, هول الأمر علي جوردن, مخاولة مصر, رأي الجرائد الفرنسية في الانجليز, خديعة جديدة, دسيسة أخري, الورطة الجديدة, العروة الوثقي توزع مجانا, رياض باشا والسياسة الانجليزية, السودان, فرصة سانحة, العروة الوثقي, اسماعيل باشا, نجد, الصحف الهندية, صفقة خاسرة, أخبار سياسية, المسألة المصرية دولية, مصادرة العروة الوثقي وتغريم قرائها, تصرف الانجليز في الهند, نصيحة في الأدب, أخبار سياسية, في التواني الهلكة, منشور انجليزي قديم, ان في ذلك لعبرة لأولي الأبصار, هجوم علي السودان عبر النيل, السودان ومصر, فرية دنيئة علي الاسلام, صراع بشأن تثبيت الاحتلال, الثبات الثبات, برهمن لاهور, هذا, العدالة الانجليزية, انجلترا وفرنسا, الاتفاق, الباب العالي2, الانجليز والاسلام, الباب العالي والانجليز, حرية الصحافة والاستعمار, تركيا, الباب العالي3, يقظة من سنة, حيلة انجليزية, وداد الانجليز للمسلمين, التهتك في الحيلة, فرصة يجب ألا تضيع, تنبيه, مطلوب من توفيق باشا أن يموت شهيدا, هؤلاء رجال الانجليز وهذه أفكارهم, اللورد نورث بروك حاكم مصر الجديد, نكتة, معارضة الانجليز, الدهريون في الهند, جريدة الأهرام, لاهور, الانجليز والدول, تعظيم توفيق باشا لنورث بروك, فرنسا وألمانيا, كيد الانجليز في مصر, الصراع بين انجلترا وفرنسا, نكاية الانجليز, اسماعيل باشا يحن الي مصر, الفرصة, جلادستون, عماء بعض الناس في مصر أو تعاميهم عن مقاصد الانجليز, اخفاق سعي الانجليز, الحق.
كان للعروة الوثقي تأثير كبير في العالم الاسلامي كله, وكانت الجماهير تنتظرها بفارغ الصبر. يقول السيد محمد رشيد رضا عن ذلك: انني لا أزال أتذكر أنه كان بدارنا في القلمون بجوار طرابلس الشام ضيوف من المصريين المنفيين بسبب الحوادث العرابية فجاءت جريدة العروة الوثقي مساء, فأخذها الأستاذ محمد عبدالجواد, وقد وضع بين يديه من مصابيح زيت البترول, وأنشأ يقرؤها بصوت جهوري كأنه خطيب, وعندما كان يقف عند بعض الجمل, ليعبر عما يخالجه من شعور العجب, ولم يتركها حتي أتي علي آخرها, ولم أكن في ذلك أعني بشيء من مثل هذا بل كانت تلك السنة هي السنة الثانية لاشتغالي بطلب العلم. ثم انني رأيت في محفوظات والدي بعض نسخ الجريدة فكان كل عدد منها كسلك من الكهرباء اتصل بي فأحدث في نفسي من الهزة والانفعال, والحرارة والاشتغال ما قذف بي من طور الي طور ومن حال الي حال. وقد كان الأثر الأعظم لتلك المقالات الاصلاحية الاسلامية, ويليه تأثير المقالات السياسية في المسألة المصرية, والذي علمته من نفسي بالخبر ومن غيري بالخبر ومن التاريخ أنه لم يوجد لكلام عربي في هذا العصر ولا في قرون قبله بعض ما كان لها من اصابة موقع الوجدان من القلب, والاقناع من العقل, ولا حد البلاغة الا هذا.
كذلك كان تأثيرها في نفس كل من يطلع عليها, وناهيك بالمطلعين عليها في زمن صدورها, ذلك بأنه قد تجلت فيها تلك الأفكار الجمالية السامية, بتلك العبارات العبدية العالية, وجمعت بين الحكمة وفصل الخطاب, والاخلاص في تحري الحق, ومخاطبة القلب للقلب, فلا غرو أن يكون لها ما علمنا من عجيب التأثير. يستمر السيد محمد رشيد رضا في شرح تأثير الجريدة علي أهل سوريا والعراق والهند فيقول: وأما نفوذها الروحي في الملايين من مسلمي الهند فهو يشبه العبادة أو هو ضرب منها.
كانت آخر نتفة بعنوان الحق بتوقيع كل من السيد جمال الدين الأفغاني والأستاذ محمد عبده:
اعتدي علي الحق جاهل فنال نكاله, ينتصر الحق ويخذل الباطل وإن طاوله الكرم وأمهله العفو ومده الغرور.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
Facebook تابعنا على