الأحد 8 من جمادي الاول 1438 هــ  5 فبراير 2017 | السنة 27 العدد 9415    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: أحمد السيد النجار
رئيس التحرير:
عـلاء ثابت
مترجم مصري يكتشف مائة قرن من الفن الإفريقي
5 فبراير 2017
يعكف المترجم المصري الكبير أسامة الجوهري حاليا علي ترجمة كتاب جديد بعنوان مائة قرن من الفن الصخري الإفريقي وهذا الكتاب يقدم صورة بانورامية عن الكهوف والجروف أو المنحدرات الصخرية بافريقيا التي تعتبر مخازن لاتنتهي من الفن المتراكم عبر آلاف السنين‏.‏

وقد أكتشفت حتي الآن مئات الآلاف من الصور, قام برسمها أو نحتها البوشمن والبانتو والمصريين والفولب والعرب والبربر وأجناس أخري تركوا فنهم بدون أسمائهم للأجيال المقبلة.
ويقوم المترجم أسامة الجوهري إن هذه الأعمال الفنية من إبداعات الصيادين والرعاة المتجولين والملوك والكهنة. تكاد تكون كل الطبقات في كل الأجناس الافريقية قد خلدوا أنفسهم علي صفحة الصخر في أراضيهم المحلية بشكل أو آخر من الأشكال الفنية, مادامت أرضهم تمنحهم من الأسطح الصخرية التي يقومون بالعمل عليها فنيا. وهذا هو السبب أن فصول الكتاب لم تعالج فنون وسط افريقيا وحزام الغابات في غرب افريقيا حيث تتضمن وبشكل رئيسي الأراضي المنخفضة الكثيفة الغابات, حيث كان الخشب والطين هو المادة التي تصنع منها اعمالهم الفنية وهي مواد لاتتحمل البقاء لفترات طويلة, ومن ثم فإن الفن في هذا الوسط يستمتع بحياة قصيرة نسبيا. كما إن أعمال النحت الخشبية والسيراميك التي تشكل المجموعات الخاصة الموجودة والمتاحف الأوروبية والأمريكية لايتعدي عمرها بضعة قرون. بينما الرسومات المختلفة علي الصخور في افريقيا يصل عمرها إلي مايزيد عن عشرة آلاف سنة. ولكن لايعني هذا أن اللوحات الصخرية أقدم من اعمال النحت الخشبية, لقد احتفظت لنا بعض رسوم صخرية من الجزائر بانطباع القناع الخشبي المستخدم في الرقص في غرب افريقيا كما يرتدونها في الألف الثاني قبل الميلاد مسجلين فنا أقدم مما تم تسجيله.
وأضاف أن الفن الصخري يشكل للقارة وحدة متعددة الجوانب الأشكال المحلية تم تنفيذها عبر القرون من خلال تقاليد محلية خاصة حيث يمكن تمييزها عن إبداعات المجموعات البشرية الأخري المجاورة, الشيء الذي يجمعهم معا هو الأصل الأساسي في الرسومات الملونة والمنحوتات ورسومات الصياد البدائي.
بالنسبة له كان الفن وسيلة خيالية لغاية قصوي هي نجاح الصيد. لم يكن موضوعه إنجازا فنيا ولكن ببساطة الدم. والأمثلة الأكثر شهرة لهذا الفن هو لوحات البوشمن والذي يمكن أن نتتبع من خلال تطوره وانهياره فخامة وبؤس شعب البوشمن والعيش معهم. في معظم الأحيان يصورون حيوانات منفردة أو قطعانا من نفس الحيوان. الرسومات التاريخية أو السردية تأتي في عصور متأخرة. ربما يكونون قد تأثروا بالرسومات الجنازية ورسومات الكهوف الروديسية( روديسيا تعني زامبيا وزيمبابوي), والتي ربما تكون بدورها قد اشتقت من عصور الاتصال التجاري بين شرق افريقيا وآسيا في الفترة التي سبقت وصول الأوروبيين إلي افريقيا, ولوحات روديسيا تدين بأهميتها ليس لتصوير لوحات صيد ولكن لتصوير طقوس جنائزية تمثل موت زعماء القبائل والفلاحين والرعاة. وهي تصور الأساطير والملاحم والأبطال الراحلين عن دنيانا واحتشاد القطعان والتي مازال البعض منها جزئيا يتم الاحتفال به في الأغاني والقصص. ومثل فن البوشمن نجد فن روديسيا قد انتهي عقب دخول الأوروبيون إلي تلك المناطق. فالبوشمن إما أبيدوا أو اقتيدوا إلي داخل الصحراء. وقد تعرضت إمبراطوريات شرق إفريقيا إلي الانقسامات بعد غزو البرتغاليين هذه المناطق.
وأوضح قائلا: يمكننا أن نميز فترات كثيرة من الفن الصخري البلدي في شمال وغرب افريقيا وكثير من التنويعات المحلية, مشيرا إلي أن اقدم المجموعات والتي تعود إلي مايزيد عن ثمانية آلاف سنة هي تلك الممثلة في اعمال الصيادين الأوائل يعقبها الرسومات الصخرية للمزارعين والرحل التي تعود إلي ستة أو خمسة آلاف عام والذين تظهر صورهم تأثير آسيوي لاتخطئه العين. وهي أيضا تدل من خلال أشكال الحيوانات المستأنسة المنزلية علي الأصل الآسيوي.
ومن الواضح أن هذه الهجرة كانت علي شكل أمواج متعاقبة. وفي الفترة مابين آواخر الآلف الرابع وبداية الألف الثالث حدثت الهجرة الأخيرة بالبحر. حيث قام بحارة من بلاد الرافدين بالإبحار أعلي البحر الأحمر عابرين جبال الصحراء الشرقية هابطين إلي نهر النيل. وقد تداخلت صورهم مع الجزء الأساسي من الصور المصرية الصخري( قبل الأسرات).
وصل الفن الصخري إلي قمته في إمبراطورية الفراعنة في المقرة والمعبد و(النحت البارز) وجداريات الكهوف.
المسافات الكبيرة بين السهول والأودية في شمال وغرب افريقيا أدي إلي عزل بعض المجموعات المحلية. علي هذا الأساس تشكلت العديد من الأساليب والتقاليد المحلية المختلفة في الفترة مابين الألف الرابع والألف الأول قبل الميلاد في الجزائر والمغرب وتونس وليبيا وتشاد ونيجيريا وموريتانيا والسودان ومصر وهو الفن الصخري الذي سينتهي بظهور الصحراء والجفاف وقد زحفت الرمال علي المروج والمراعي وامتلأت الآبار بالرمال واجبر الرجال علي حياة الترحال والبداوة.
وتظهر سلسلة من الرسومات الليبية والجزائرية التي تعود إلي الألف الثاني قبل الميلاد تأثيرات من اليونان وكريت كذلك التأثير المصري. في أواخر الألف الثاني وبداية الألف الأول قبل الميلاد زاد التصحر والجفاف في الإسراع بانهيار الفن الصخري وصولا إلي إخماد أنفاسه الأخيرة. استمر الفن الصخري في الوجود في وادي النيل فقط وصولا إلي العصور الإسلامية بعض النقوش الموجودة علي الطرق الصحراوية من السودان حتي البحر المتوسط شهادة علي خطف العبيد بعضها يحوي ملاحظات ساخرة علي تمكن الإنسان الأبيض من تقنيات جديدة وممارساته الثقافية الجديدة.
وختم أسامة الجوهري حديثه للأسبوع الثقافي قائلا: إن الرباط الوثيق بين هذا الفن مع الأشكال الأولي للمجتمع وتركزه في أقاليم هجرها الانسان منذ الألفي عام السابقين جعلت الفن الصخري بالنسبة لنا يبدو فنا ميتا. ومن الصعب عودته إلي الحياة مرة ثانية في عصرنا أو العصور التالية. ولكن علي العكس من ذلك فهو يستخدم كمحفز للجهود الافريقية في الرسم والعمارة, إن نهضة وبعث الفن الابداعي الافريقي لن يتغاضي أو يستخف بالأسطورة الرائعة للوحات تعود إلي100 قرن. نعم وحقيقي أن اكتشاف والحفاظ علي هذه اللوحات منذ بضعة أعوام قد تم علي يد الخبراء الأوروبيين من كل الشعوب لكن الشعوب الافريقية أصبحت تشارك الآن في زيادة العمل علي إنقاذ والحفاظ علي وإعادة اكتشاف هذه الأعمال الفنية.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
Facebook تابعنا على