الأثنين 20 من ربيع الأول 1438 هــ  19 ديسمبر 2016 | السنة 26 العدد 9367    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: أحمد السيد النجار
رئيس التحرير:
عـلاء ثابت
الدكتور جلال أمين أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأمريكية‏:‏
الشخصية المصرية الأكثر ثباتا في العالم ‏..‏ والمرأة أكثر تحررا من الرجل
حوار‏:‏ علي النويشي تصوير‏:‏ مجدي عبد السيد
19 ديسمبر 2016
هو من حمل مصر علي كتفيه وسافر في أركان المعمورة‏,‏ وفي قلبه جراح وطنية لم تندمل‏..‏ تخصص في الاقتصاد حيث الأرقام الجامدة‏,‏ والموازنات المهلهلة وموازين المدفوعات المختلة‏..‏ لكنه استطاع أن يحول الأرقام الجامدة إلي حكايات‏,‏ وبلمسة من أصابعه تنفض الأرقام الغبار من علي كاهلها‏,‏ وتتحول إلي لغة رشيقة وصور مثيرة تتهادي بين السطور‏,‏ وتتنقل بين المدن والميادين كرواية مثيرة في كيفية نهب الشعوب واستعبادها‏..‏

دخل من الشباك الخلفي للمطبخ الشعبي, حيث معاناة السيدة البسيطة, وكيف تتفنن في سد أفواه أبنائها الجوعي, فعرف أن المطبخ هو بيت الاقتصاد, وأن قراءة خريطة الواقع أمست هي الفريضة الغائبة في أوطاننا, وأنه لا أمل في وطن ينشد التقدم, بدون إشباع البطون..
وعندما خرج من المطبخ ليرتاح قليلا, اتكأ علي عتبة التاريخ يرصد خطي السائرين من أبناء شعب مصر, يسمع أناتهم ويتألم لأوجاعهم, فعرف من أين يأتي الخطأ, وإلي أين يسير الإصلاح..
كان الجميع يرون المشكلة.. ويبقي قابعا يسمع ويتأمل, ثم يأتي صوته من بعيد.. فيعلم الحكماء أن ما قالوه لم يكن إلا لغوا, وما ظنه الجراحون علاجا ناجعا, ليس إلا وصفة هوي..
علمته الحياة ألا يعول علي رجال السياسة كثيرا, فهم ذاهبون, وألا يفقد إيمانه بالمصري البسيط الذي يكد ليل نهار من أجل لقمة العيش, ويقول: المصري قد تتكالب عليه الهموم, إلا أنه في النهاية يفاجئنا بما لا يمنحنا إياه القدر, فهو الذي رسم للحياة الخلود, وهو الذي منح للبشر معني البقاء..

هو الدكتور جلال أمين أستاذ علم الاقتصاد بالجامعة الأمريكية, والخبير والمحلل الاجتماعي, الذي ذهبنا إليه في بيته نسأله بعد عشرين عاما من صرخته الأولي لكتابه: ماذا حدث للمصريين؟ هل تغيرت رؤيتك, أو مازال الحال علي ما هو عليه؟
أجاب بسرعة: كتاب ماذا حدث للمصريين؟ خرج للوجود في1998, وفكرت في كتابته عام1995, وكنا تقريبا في منتصف عصر مبارك, وفكرة الكتاب الأساسية, هي الحراك الاجتماعي السريع, الذي بدأ من1952 إلي.1985
ويتساءل: لماذا هذه الفترة بالذات؟.. لأن الثورة في1952, كان من أهم أهدافها الاهتمام بالطبقات الدنيا, ولهذا بدأت بقانون الإصلاح الزراعي الذي صدر بعد شهرين فقط من قيام الثورة..
ويضيف: واستمر الحراك الاجتماعي سريعا طوال عهدي عبدالناصر والسادات, بالرغم من أن السادات لم يكن يؤمن بالمبادئ نفسها.
والسبب الأساسي لهذا الحراك أيام عبدالناصر, كانت سياساته التي من الممكن أن نسميها بالاشتراكية, أما السبب الرئيسي للحراك الاجتماعي أيام السادات فكانت الهجرة إلي الخليج, والتي صاحبها قدر كبير من التضخم.. يعني التضخم ضربهم والهجرة تلقتهم.. وبقي الحراك الاجتماعي علي سرعته حتي1986, طوال فترة حكم عبدالناصر والسادات, والخمس سنوات الأولي من حكم مبارك.. وفي1986 انخفض مستوي الهجرة إلي الخارج جدا, بسبب أزمة انخفاض أسعار النفط, وبعد أربع سنوات وقع هجوم صدام علي الكويت, فعاد الكثيرون إلي مصر, وضعفت رغبة المصريين في الهجرة, ما أثر علي الحراك الاجتماعي بشكل واضح..
وعندما أنظر لتلك الفترة من1985 وحتي الآن ألاحظ أن ثلاثين عاما مرت, تباطأ خلالها الحراك الاجتماعي, ليس فقط لأن الهجرة ضعفت, بل لأن الحكومة المصرية بدأت تتبع سياسات انكماشية من أجل إصلاح الديون المتراكمة خلال مرحلتي حكم السادات ومبارك, فحكومة عاطف صدقي جاءت في1987 واستمرت عشر سنوات في سياسة انكماشية, أحجمت الحكومة خلالها عن كثير من النفقات, ما أثر علي الحراك الاجتماعي.. ومعني هذا أن طموحات الناس في الصعود ضعفت جدا, وبالتالي نجاحهم في الصعود ضعف, فلا هم قادرون علي الهجرة والخروج لتحسين مركزهم الاجتماعي, ولا الحكومة قادرة علي صرف معونات للمتبطلين, بل العكس بدأت في تقليل الوظائف المتاحة للخريجين الجدد, ومع ذلك بقيت الرغبة في الصعود قوية لدي المصريين, نتيجة التوسع في التعليم, ما جعل الأمل حيا لدي المواطن في الارتقاء والبحث عن فرصة عمل أفضل.
وبعد برهة من التفكير يواصل د. جلال حديثه ويقول: وفي ظل هذه التحديات كثف التليفزيون من حملاته الإعلانية فزاد من تطلعات المواطن الاستهلاكية, وهو يدعوه: لنسف حمامه القديم.. وزادت الدعاية في الثلاثين سنة الماضية أكثرمن أي وقت مضي, وأصبح المواطن في حصار ما بين عدم القدرة علي سد احتياجاته الأساسية وبين التحفيز المستمر علي الاستهلاك تجري ريقه وتجوعه إن جاز هذا التعبير.. فكانت النتيجة صعبة للغاية.. والجرائم زادت أيضا بسبب الحراك الاجتماعي, وخاصة الجرائم بقصد الإثراء, وزاد العنف بدرجة كبيرة في المجتمع فتبدلت الكثير من القيم وتغيرت خلال الثلاثين عاما الماضية.. وزاد الفساد بشكل كبير, وبرغم ثبات حجم الكعكة زاد نهم وتطلعات من لهم علاقة بالسلطة, ويستمر نهمهم إلي المزيد, سواء كبرت الكعكة أم صغرت, وبالتالي تبدو لنا أسباب الاستيلاء علي أراضي الدولة, ففي الوقت الذي لا يكون النمو فيه ثابتا أو مستمرا, يقومون هم بوضع أيديهم علي أراضي الدولة الواقعة علي البحر, ويتركونها لبعض الوقت حتي ترتفع أسعارها, وهذه صورة واضحة من صور الفساد في المجتمع, هذا الفساد الذي بات ظاهرة فاضحة خلال الثلاثين عاما الماضية.

> برأيكم ماذا حدث للشخصية المصرية, وماذا حدث لشباب مصر؟
لا أفضل الكلام علي تغير الشخصية المصرية, لأن الشخصية المصرية من أكثر الشخصيات دواما وثباتا في العالم, فهي موجودة خلال آلاف السنين, وتكونت خلال آلاف السنين, أنا لا أنكر أن هناك تغيرات كثيرة تحدث, وهناك فرق بين تغير الشخصية وتغير السلوك, ممكن السلوك يتغير, إنما الشخصية لكي تتغير, لابد أن يمر وقت طويل جدا علي الظروف نفسها, وأستطيع أن أعلق كثيرا علي التغير في المرأة المصرية منذ انطلاق موجات الهجرة, وما حدث أن رجالا كثيرين سافروا وتركوا زوجاتهم, لأن ظروف العمل في الخليج لم تكن تسمح بسفر الأسرة مع الزوج, ووجدت الزوجة نفسها مسئولة عن العائلة وفي ظروف لم تكن تتحملها من قبل, فخرجت للعمل استجابة للظروف الطارئة ولممارسة أعمال لم تكن تمارسها من قبل.. وأما بالنسبة للشباب الذين يلقون بأنفسهم في عرض البحر, فهو هروب من الواقع الأليم, ولكي نكتشف الإجابة علي هذا السؤال, سنعود للشهورالأولي التي تلت ثورة يناير, لاحظنا أشياء في الشارع لم تكن مألوفة لنا من قبل, وكأن هناك تراكمات خلال الثلاثين عاما الماضية لحكم مبارك, وفجأة طفت علي السطح, شباب كالورود خرج من مختلف الطبقات ومصمم علي التغيير, لم نكن نتوقع أن الشباب لديه كل هذه الجرأة, شباب فاهم كل شيء, فوجئنا بهم رجالا ونساء من مختلف الطبقات, مسلمين ومسيحيين, وكانوا أكثر تواءما مع بعضهم البعض, كانوا ينامون في الميدان ولم نسمع عن حادثة تحرش واحدة, أو حتي معاكسة, ماسبب هذا؟

> هل هو الفيس بوك؟
خلال الثورة خرجت المظاهرات في كل ميادين المحافظات, فكان لانتشار التعليم في المحافظات, الذي كان له الأثر الكبير علي المرأة وعلي الشخصية المصرية, ونتج عن ذلك خلطة ممتازة ما بين الطبع المصري الأصيل المتمثل في الريف, والقيم الوافدة من الغرب, فرأينا شبابا لديهم احترام وصيانة للمرأة أكثر من غيرهم.
حدث أمر آخر في الخمسين سنة الماضية كانت الغلبة للعامل الاستهلاكي, حيث زادت السلع التي نحتاجها الآن ولم نكن نشتريها من قبل, هذا العامل الاستهلاكي أثر علي مصر كما أثر علي العالم كله, وهذا له علاقة بحكاية عبور البحر المتوسط من أجل الحصول علي الشقة والتليفزيون الملون, فإما السفر من أجل توفير هذه الاحتياجات, وإما لن يصبح للشخص قيمة.
> أدت أحداث السنوات الأخيرة لتصدعات وانقسامات بين الزوج وزوجته والأب وابنه والأخ وأخيه.. فما هو تفسيرك وما هي الأسباب؟
سبب كل هذه الانقسامات مظاهر تغير دور المرأة في المجتمع وتحررها, وغلبة الاعتبارات الاقتصادية, والمرارة التي نشأت عن صعوبة الحراك الاجتماعي, وهي عوامل جوهرية لتصدع الأسرة وتخلخلها.

> وما دور العامل السياسي في هذه التصدعات؟
لا أبالغ كثيرا في تأثير السياسة, ولا أعول كثيرا في تحليلاتي علي العامل السياسي, الإنسان لديه تطلعاته لتحسين حاجاته الأساسية مثل الأكل والملبس والمسكن والزواج والأولاد, ونظرته للسياسة تتوقف علي نجاحه أو فشله في إشباع تلك الحاجات, فسخط الشعب علي الإخوان مثلا خلال عام حكمهم, كان لكونها سنة مليئة بالمشكلات والمتاعب, صحيح سنة ليست مدة طويلة لكن هذا ماحدث.

> في تحليلك لمشكلات المجتمع, دائما ما تقدم عامل الاقتصاد علي كل العوامل الأخري, فهل يؤثر العامل الاقتصادي علي الحب في الأسرة؟
للحب دور مهم في الحياة اليومية, تشغله عنه مشاغل اقتصادية واجتماعية, وعندما ترتاح الطبقات تكون عندها فرصة أكبر للحب, وإن كنت لا أرتاح كثيرا لعملية الفصل, فالرجل عندما يشتري بطيخة لزوجته, أليس هذا حبا أيضا, ولماذا نفصل الاقتصاد عن الحب؟ فعندما تطبخ الزوجة لزوجها ما يحب, ويقول لها تسلم إيديكي, أهذا حب أم اقتصاد؟.. الحب الحقيقي يختلط بالأمور المعيشية اليومية, ولا تقدر تفصله عنها أبدا.

> ماذا حدث للمعلم المصري الذي يتنازل عن رسالته ويلهث وراء الدروس الخصوصية؟
هنا أيضا يتدخل الاقتصاد, ولما المهنة تكون نبيلة كالتعليم ويدخل فيها العامل الاقتصادي يبقي الوضع تراجيديا جدا, ومهنة الطب أيضا لو دخل فيها الربح يفسدها, وتبقي مأساة, والتعليم مثله كمثل الدين, فعندما تنقلب الموعظة إلي ربح تبقي شيئا فظيعا, والتعليم من المهن النبيلة, ويجب أن تبقي بعيدة عن العامل الاقتصادي, ولذلك فالتعليم يجب أن يبقي تحت سيطرة الدولة, لكن ما يحدث الآن, تحول التعليم لمشروعات ربحية, وأصبحت المدارس الخاصة من أكثر المشروعات الاستثمارية ربحا, ولم يقتصر الأمر علي ذلك, فالمدارس الرسمية لم يعد بها تعليم, والتلاميذ لا يذهبون للمدارس, وهذه أيضا مصيبة.. ولعل أحد الأسباب الواضحة لهذا التدهور أن الدولة رفعت يدها عن التعليم والصحة, فمنذ بداية السبعينيات, بداية عصر السادات, ولأكثر من أربعين سنة, كانت هناك شكوي من التعليم, لكن ماحدث الآن من كوارث, كالغش وتدهور مستوي العملية التعليمية بالكامل, وتعالت الأصوات مطالبة بالإصلاح, هل نبدأ بالمدسة أو بالمدرس, فالمدرس ليست مشكلته فقط في مرتبه المتدني, فالدروس الخصوصية تعوض هذا الجانب, لكن المشكلة الحقيقية هي أن المدرس نفسيا لم يعد محترما كما كان من قبل, والمهنة لم تعد محترمة, وهذا يؤثر علي أدائه.. كيف تدخل علي تلاميذ يحتقرونك, كيف ستعلمهم أو تجبرهم علي احترامك, والتلاميذ أنفسهم يعلمون أن المدرس جاء ليأخذ فلوسهم, وبعلمون أيضا أن الآباء والأمهات يلعنون أبو المدرس في البيت, أليس هذا ما يحدث؟

>70 مليون محمول أو أكثر في أيدي المصريين, ماهو تحليلك لتلك الظاهرة؟
أولا أنا أكره المحمول جدا, ولم أستخدمه حتي الآن, لكن لتلك الظاهرة جوانب كثيرة, فحاجة الإنسان للتواصل مع الغير أساسية, فقبل التليفون كانت السيدات يجلسن سويا أمام البيوت وتدور الأحاديث بينهن بما فيها من نميمة, وهذا كان محمول زمان, ثم جاء التليفون الثابت, وانتقلت النميمة من باب الحارة لسماعة التليفون, هذا التواصل الإنساني لا أحد ينكر الحاجة إليه.. والناس لا يرونك ماذا تفعل؟ ممكن تكون مشغولا باللعب مع أولادك, أو تقرأ في كتاب مهم, أو تستريح من تعب أو إرهاق, ثم تفاجأ بمن يطلبك ليسألك عن أمر لست مستعدا له.. المحمول مقتحم للخصوصية بشكل فظيع, وعنصر الوجاهة هو الذي يحكم استخدامه في مصر, فعندما أذهب إلي بريطانيا لا أجد هذا الانتشار الكبير للمحمول, ولا التنوع المذهل في الماركات, ولا تجد هناك من يتكلم في المترو بصوت جهوري ليحكي قصة حياته ويفرض علي الناس أن يسمعوا لغوه وجهله!

> ماذا حدث للمدينة, وهل هناك مخطط ما لترييفها؟
ما حدث طبيعي جدا بسبب الحراك الاجتماعي, عبد الناصر لما بدأ في تطوير الريف, ارتفع مستوي الدخل في القري, وكان الريف مليئا بالبطالة فانتقلت أعداد كبيرة منهم للمدينة, وأيام السادات حدث الشيء نفسه, وتركت أعداد كبيرة منهم الريف للسكن في المدينة, ونمت المدن الصغيرة, وظهرت علي القرية مظاهر المدينة إلي حد كبير, ونمو السكان في المدن كان أحد أسبابه فشل التنمية في خارج المدن, وعبد الناصر كانت عنده فكرة جيدة لعلاج هذا الوضع, فعندما افتتح جامعة أسيوط, رفض بأن ينتقل المدرسون من القاهرة للتدريس والعودة للقاهرة, واشترط عليهم بأن يقيموا بجوار الجامعة, وكانت خطته تمدين الريف, فحدث العكس, وتمت أريفة المدينة.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
Facebook تابعنا على