الأثنين 24 من جمادي الآخر 1436 هــ  13 أبريل 2015 | السنة 25 العدد 8751    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: أحمد السيد النجار
رئيس التحرير:
عـلاء ثابت
كاهنة الاحتمالات
13 أبريل 2015
عنده أسباب موجودة على الزمن الذى أطاح بطموحاته، كأنه لا يبالى، مع توالى قطع السحاب البيضاء، مع توالى ألوانها المبهرة فى انعكاسات شمس الظهيرة أمسك بإحدى الجرائد الأجنبية، يملك مهارة الحديث بلغتين،

رغم الستائر التى أسدلت على تفوقه وجلبته لدراسة السياسة فى جامعة المنصورة يساريه الطابع والتوجهات، نسج على أنوال فلم يتحقق شيء منها، ثم ورث مركب الصيد ومهنة البحر، العائد من التفوق وراتب المعيد الباحث لن يطعم الأفواه المفتوحة فى بحر الاحتياجات، أسماك تنتظر فرصتها فى الصعود ولتأخذ نصيبها من الحياة على درب الأب والجدود سار على الماء، ترك الجامعة فى إجازة مفتوحة وحصل درجة علمية فى مشواره، رائحة البن تتسلل لأنفه مع يود البحر، طاقم فاخر وطقوس دقيقة لتقديم الإكسبرسو، الفخرية بينهم أرضاه وقيادتهم فى السعى للرزق خاطر يخدر الإحساس بظلم الزمان، قبطان سفينة صيد فى أعالى قمة البحار مطاع فى ثقة لم يعهدها حتى مع أبيه، صوت مع سيور جر الشبك يا قطان الشبكة جاهزة للنشر، رد مع رشفة قصيرة: غوط فى المالح؟

نفس التعبير الذى استخدمه الأب العجوز القابع فى الشادر الآن، خط سيره المعتاد، طمأن من جاء يسأل، قعيد مع القواعد من النساء البلدة والأطفال أما الرجال فهم تحت أمرة الدكتور، ابنه الطائر بين مدن الشواطئ، إدريسى العباب الموج يضرب أقدامه منذ قلده أمر الفردوس، إنها فردوس؟ الابنة التى هجرته، تركت أرضها بحجة التعليم الجامعى، رفضت كل عريس من المطرية وإن ثاقلها بلنش أو مال أو بيت ملك، بعيداً ركضت ولن يقيس مكانها إسطرلاب، جاءته بزميل يسكن فى صحراء ستة أكتوبر، بيت لا يطل حتى على غدير أطاحت بكل خططه لها وأحلامه فيها منذ أن كانت صبية، مركبته التى بناها بالملايين على اسمها، قبل تخرجها بشهور طوال ابتاع أكبر مكتب فى أفضل عمارة وجهزه، انتظر افتتاحه وحديث الزمام عن مهارتها فى حل قضاياهم، تركت نفسها للريح بملء إرادتها وأبحرت مع جرف الموج بعيداً صارحته: ليس مكانى على هامش الحياة أقصى وجه بحرى، مع قسوتها ومع حبه سقط ضلعه الثانى عشر، اذهبى حيث تريدك لقمة العيش، الغربة ليست طى البحر، صمت السعى على قدمين، قبل أن يطوى شراعه، الصق على كتفيه الأجنحة وأطلقه صوب الشمس، علمه الإبحار، مهنة صانع، أدوات الإنتاج هى الثراء لها المال الزائف، صار يرفعه وهو يدرك فى قراره المكين أنه خلق لها مثل الجدود الذين عاصرهم فى المحن، ضرب بورسعيد، حرب التراشقات قتال رأس العش وشدوان، لديه سنوات قليلة يشرف فيها من أعلى، أعلى كرسيه المتحرك، يملك ولا يحكم، احصى ما فات من عمره، مخبوءات محاراته، عصته الحورية مرجانه، وانسلت لأقصى نقطة على البر وأطاعه الراعى ارفيوس، ولم ينظر إلى الخلف، رائحة الهيل تتصاعد من قهوته التى جاءت لحظة إن كان الابن على سطح المركب قد انتهى منها، غرائزهما واحدة تقريباً، المتون الهائجة تضرب خط السير وتميل الصارى، وأزن الدفة فاعتدلت معه كل المائلات لاحت الجفون الصغرى كنقطة فى صفحة التقاء الأرض بالسماء، تكاد تظهر فى لجب المائجة، فى حقل صيد الموسى والبياض والبورى الأحمر، لطالما علمه الانتقاء، انتخاب المتوسط فى الحجم مرتفع النوع والثمن، حتى إن أمدك البحر بوفير الصنوف والطنوف تعجز السفينة عن حمله كله، أغلق مواتير الدفع والنشر، رفرفت الأشرعة ممتلئة بالنور والنسيم الخافت لا يريد أن تفرغ الأصوات كائنات نوفل السيار، جاءته بشائر، شلبة ورنجة تروت ووقار، أصبح لديه تكهن واضح المعالم الآن، يميزه عن الآخرين قدراته المؤهلة، تقافزت السفينة وهى تدخل منطقة القتل وتنشر ترسانتها، تقافزت الموجات تضرب فى عنف وشجاعة تقدمه نحو مركز عملياته وانسلت بكرات الشباك العائمة لتأخذ شكل الطرحة متخذة من الثقالات الرصينة خطوطاً مستقيمة فى الأركان، وكأنها حواجز وهمية موجودة وغير مرئية تحجز خلفها فصائل وقوافل من السمك، تمرق الصغيرات من بين الفتحات وتعلق المتوسطات، سحابة النهار توشك على الدخول فى خضم الأفق الذى يتجهز للإظلام التام، بعد ساعة اتضحت نتائج المعركة وتمايز المحصول الوفير وفتحت عنابر الثلج، وتدفقت عليها الأنواع أربعون بحاراً وصياداً أبهجهم امتلاء العنابر والإحساس بالكسب، قدر الدكتور أن فى إمكانهم حصد ما بين الستين والأربعين طناً، مازال الوقت مبكراً، الساعات الأولى من الليل هى الفيصل الحاسم والتوفيق من الله فى التاسعة مساء سمع صرخة مكتومة، كأن أحدهم ينادى مساعده جابر هرول إليه بنبأ عاجل: فجر تستغيث قرب الخط المقابل لرأس غارب استفهم فى كلمة: تغرق؟ أجاب: نعم صدمتها ناقلة حاويات عملاقة فشطرتها إلى أجزاء وولت الفرار؟ أسرع إلى اللاسلكى، كانت أوامره ببث رسائل الاستغاثة مرة أخرى للقوارب القريبة والموانئ والإنقاذ البحرى فجر الإسلام كبيرة، وعليها أكثر من خمسون فرداً وهو يعرفها جيداً، ورسالة اللاسلكى انقطعت مخلفة إلغازا كثيرة، احتمالات الخطر، كيف تدهسهم سفينة دون أن تتوقف لمعرفة الأضرار، اجتاحه غيظ مكبوت، الشباك فى الماء وقد علق بها رزق أكثر من ثلاثين أسرة فى بلدته المنسية المطرية دقهلية ومركب آخر غريق، وقد فقد عدد غير محدد من الرجال، غائصون فى المياه إلى القاع طعام للسمك الذى يطعمهم ويسقيهم، البحر واسع فى المنطقة التى جاءت منها الرسالة، التحديد سيفيده أكثر، توقف جابر إلى جواره عاجز عن اتخاذ بادرة حتى سمع الدكتور يناديه فى سرحانة ذاك: جابر أوقف الصيد وأترك الشبك وقل للرجالة أن يستعدوا بملابس الإنقاذ. وكأن جابر قد عجز عن فهم الأوامر، ولكنه استحسنها ولم ير إلا أن يقول الخسائر: يا قطان الشبك لوحده يسوى ييجى ميت ألف ونص العنابر فاضيه ودا حيعجزنا أن نرجع نصتاد تانى اليومين دول، طيب حاضر أوامرك يا قبطان؟
بث الدكتور رسائل بالإنجليزية والألمانية يدعى فيها أنه يمكن أن يعترض خط سير الناقلات فى هذه المنطقة مطالباً من يتسلم رسالته بتعريف نفسه وخط سيره حتى لا يحدث اصطدام أو كارثة، كان يهدف إلى الوصول إلى تأكيد المعلومة أو تحديد مكان الحادث السابق، فى انتظار تنفيذ جابر لتعليماته والتخلى عن محصول نادر والتغلب على شغب بعض الأرزوقية والبمبوط ذوى سنة النذالة، وردت رسالة من سفينة عملاقة ترفع علم بنما بأنها تبحر فى تلك المياه، رجح الدكتور أنها هى الفاعلة الهاربة من مسرح الجريمة البحرى، وعن طريق الإصرار على معرفة نقاط خط السير رجح حين أغفلوا نقطتين كنوع من السهو فى الحديث مكان احتمالات غرق فجر الإسلام.
على هيئة قوس طاف، حطام سفينة الصيد طاف وطاولات الخشب المعدة لحمل السمك يمسك بها الناجون، ظن أنه أول الواصلين لمكان الحادث فقال جابر: رحمه الله سبقتنا ثم عذرائيل، كان يتكلم فى شرود وقد فقد من الحزن رباط الجأش، اضطره أن يمارس إصدار الأوامر مباشرة، وقد تحسب للمسئولين، ولم يلتفت لوقع الصدمة على معاونيه، انهم أصدقاؤهم وأقاربهم الذين يرفعون جثامينهم من الماء الآن، مارس البحارة انتشال الأجسام الغارقة بنفس وسائل رفع السمك الكبير لظهر المركب. لا فرق فى الأداء، لكن النفوس والتعابير البائسة على الأوجه والعيون، ونطق الكلمات كلها جد مختلفة ومميتة، رضخ لحكم البدن، لم ينج كما تنبأ إلا الأقل، أشار لهم فى قنوط ويأس بالراحة لساعة، استمر يراقب الطافيات ويقترب بحذر من قطع الركام، محاذراً أن تتقاطع مع محركه أو تصيبه بأضرار، استجوب الناجين الصغار عن الربان والبحارة، من كان ومن سقط ومواقعهم وقت الحادث، حسب اتجاهات الريح ودوامات الماء ووسع دائرة البحث، فى حملته تلك عاود جابر لجم زمام نفسه وعاد بصوت يجلجل فى الريح بانتهاء تلك عاود جابر لجم زمام نفسه، وعاد بصوت يجلجل فى الريح بانتهاء الراحة واتخاذ مواقع الاشتباك والتعامل، وصلت أولى مراكب الإنقاذ البحرى ومعها نبأ احتجاز العبارة فى القصير من قبل قوات خفر السواحل، عملت تلك الأخبار على رفع روح البحث مجدداً عن ناجين، غير أن الدكتور ظل على إحساسه السابق بأقدام الكارثة، كان يعلم حجم المأساة وكم هم فقراء تساعدهم الحياة بعربة تجرها يد، وقد انقطعت اليد الآن ومات الساعد، لم يعتق من الموت إلا من أصيب بضرر بالغ، قرب شروق الشمس اللتف الأبيضان مع خيوط النجوم والصباح، لم يمض وقت طويل إلا وأحس بالتعب ينهش كل أوصاله، أحس أنه شاخ فجأة وخط الشيب رأسه منكسياً من تلك الخطوط البيضاء التى بدأت فى التشكل من جديد خلف السحب، ذهب إلى قمرته منادياً إلا يتركوه يستريح لأكثر من ساعة، ردوا فى صوت واحد: علم يا قبطان كان إجمالى ما وجد من ناجين تسعة وجثث عشرة، بالتأكيد هناك المزيد. يخيل إليه، بين اليقظة والمنام، أنه سمع عامل اللاسلكى يقول: اتكلم معاهم بلغاهم، صهاينة ولاد كلب، بس الدكتور نور وحويط عزف اللى عايزه وردد فنى المواتير: احلف بالله المتوردة عمره ما جاب اتناشر عقدة جاب إزاى خمستاشر عقدة فى الساعة، أنا معرفش، طرح البحر عن يمينه وشماله وشقه واعتلى جبال أمواجه وسرعان ما تسلل إليه الكرى، وقد ركز على الساعة يريد ألا ينال أكثر منها ليستأنف البحث.
قصة قصيرة - أحمد محمد جلبى
روائى - عضو نادى القصة المصرى.

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
Facebook تابعنا على