الثلاثاء 22 من ربيع الأول 1436 هــ  13 يناير 2015 | السنة 24 العدد 8661    العددالحالي
رئيس مجلس الإدارة: أحمد السيد النجار
رئيس التحرير:
عـلاء ثابت
المــقابـلــة
إشراف‏:‏ عبدالسلام فاروق
13 يناير 2015
بعد قلق وعذاب الانتظار الطويل‏,‏ أشار السكرتير له بيده ونطق بكلمة واحدة دق لها قلبه‏:‏ اتفضل تقدم بقدمه اليمني للدخول مرددا في سره‏:‏ رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري‏.‏ استقبلت عيناه عند عتبة الدخول حجرة غاية في الاتساع كأنها جناح في فندق خمسة نجوم‏,‏ وفي الطرف البعيد من الحجرة المواجه له رآه‏..‏ رأسه المنحول الشعر من الأمام بفوديه الأشيبين منكبا علي أوراق فوق المكتب يقلب فيها‏.‏

أغلق الباب خلفه وتقدم خطوتين ببطء وأدب جم وقد أصبغت وجنتاه بحمرة خجل حاول منع ظهورها بلا جدوي, بدا سعادة الباشا المدير( كما ينادونه) كما لو أنه لم يشعر بدخوله البتة, اقترب أكثر من مكتبه ليكتشف مدي كبر حجم وفخامة هذا المكتب الذي كان قد بدا لأول وهلة صغيرا بالنسبة لاتساع الحجرة, وفوق المكتب ظهرت دوسيهات مرتبة بعناية ونموذج للكرة الأرضية ومج كبير معبأ إلي منتصفه علي ما يبدو ببقايا قهوة النسكافيه, تردد قبل أن ينطق: صباح الخير يا افندم, لم يرد( الباشا) مستمرا في إنهاكه فيما بين يديه كأنه لم يسمعه, أما هو فشعر بحرج وبشيء من الندم, أكان من المفروض أو حتي من الأفضل أن ينطق بنداء يا باشا بدلا من يا أفندم؟ وللحظات ظل واقفا وقد شملته الحيرة قبل أن يشير إليه( الباشا) دون أن يرفع رأسه من علي أوراقه إلي كتبه علي يمينه ليجلس عليها. مرت لحظات صمت أخري معبأة بتوتر واحتمالات شتي, هل يبدأ هو الكلام أم من الأفضل أن ينتظر سؤالا ما يبدر من( الباشا) يكون بمثابة السماح له بالكلام؟
أخيرا آثر الصمت تأدبا حتي لا يقطع تركيز ذهن الباشا فيما بين يديه, مرت ما يقرب من ثلاث دقائق أخري قبل أن ينتهز الباشا وعيناه لا تزالان منصبتين علي الأوراق ثم ينطق بعدها:
ـ أيوه.. خير؟
بلع ريقه بصعوبة وهو يشعر بأن أي كلمة غير مناسبة سيتفوه بها في المقابلة يمكن أن تطيح بمستقبله المنشود, وأخيرا خرجت بكلمات من فمه متلعثمة كأنه يجاهد في انتقائها وترتيبها بعناية:
ـ أنا.. محمد إسماعيل علي اللي..
ـ أيوه يا سي محمد؟
اندهش للهجة المتسائلة فقد تصور أن الباشا المدير علي علم مسبق بشخصه وبسبب المقابلة من الكارت الذي سلمه لسكرتيره قبل الدخول, ووجد نفسه يتشجع ليقول:
ـ أنا جاي من طرف سيد بيه عباس عشان يعني.. الوظيفة.
لم يسمع ردا فواصل موضحا: أنا صاحب الكارت.. قصدي أنا اللي سلمت.. سيبت يعني كارت لسعادتك للسكرتير.
ـ أيوه أيوه مفهوم.. وانت بقي خريج إيه يا محمد؟
ـ أنا ليسانس آداب قسم اجتماع
وهو لا يزال يقلب في الأوراق ويعلم علي بعضها بالقلم ثم يضعها في دوسيه أمامه.
ـ وبقالك كام سنة متخرج؟
ـ سنتين
ـ بس؟!
بدت كلمة بس لسمعه كأنما تحمل في ثناياها ظل سخرية, فربما قصد الباشا المدير أن يقول له: تريد أن تعمل وانت متخرج من سنتين فقط وغيرك يظل عاطلا عشر سنوات بعد التخرج قبل أن يجد عملا؟ قطع الحديث القصير دخول السكرتير علي الباشا لبعض الأمور ودخول أحد الموظفين الذي سلمه بعض الأوراق للتأشير عليها.
انتظر دقائق أخري في صمت قبل أن يفتح الباب ويدخل السكرتير له سيدة شقراء ملفوفة القوام في منتصف العمر, فوجئ بالباشا المدير يقوم من علي مكتبه مرحبا بها بشدة متبادلا معها السلامات والبسمات, جلست السيدة علي الفوتيه الوثير الملاصق لمكتبه وتبادلا حديثا وديا تخللته موجات من الضحك المجلجل.
بعد خروج السيدة اكتشف مرور أكثر من نصف الساعة دون أن يبت المدير في أمر تعيينه فتشجع مرة أخري ليخبره بأنه يحمل معه طلب التعيين وشهادات التخرج والميلاد والإعفاء من التجنيد, رد عليه الباشا باقتضاب:
ـ طيب سيب أوراقك كلها للأستاذ عبد العال في تالت أوضه علي إيدك اليمين. شعر بفرح داخلي وبشيء من الاستياء في نفس الوقت, أما كان يمكن أن يقول لك ذلك منذ البداية أو من أول دقيقة في المقابلة بدلا من هذا الانتظار الطويل؟..ومع ذلك فقد تردد قبل أن يطلب إجابة أخري حاسمة.
ـ يعني أعرف النتيجة.. قصدي نتيجة الطلب سعادتك أمتي؟
جاءه الرد عبارات. سريعة مقتضبة وروتينية: بعدين.. أسبوعين كده وتيجي تسأل في شئون العاملين مع السلامة.
تحرك خارجا عندما لحقه صوت( الباشا) متسائلا:
ـ وأنت تعرف سيد عباس منين؟
.. هو قريبي.. يعني قريب والدتي.
نظر إليه منتظرا لتوضيح أكثر لطبيعة القرابة عندما دخل السكرتير قاطعا حوارهما ومستأذنا مرة أخري في إدخال أحدهم: عندها أشار( الباشا) إليه مكررا: طب أتفضل أنت مع السلامة وهنبقي نرد عليك.
كان يعلم أن سيد عباس ابن عم والدته صديق للمدير من أيام الدراسة, وأن صداقتها استمرت طويلا قبل أن تفرق بينهما الأيام, وهو ما جعله يتفاءل بإمكان تعيينه إكراما لهذا الصديق القديم علي أن أسابيع مرت جرت وراءها أسابيع أخري دون أن يحصل علي( بت) في أمر تعيينه, تحمل مماطلات وتأجيلات شتي كأن يطلب منه تقديم المزيد من الأوراق الثبوتية أو المزيد من الأختام والتوقيعات علي أوراق سبق تقديمها, كثرة تردده علي الشركة جعله وجها مألوفا لموظفيها وعمالها, مع الوقت لاحظ نظرات بعض الموظفين وكأنها تريد أن تقول له شيئا, وثمة ابتسامة ساخرة علي وجه أحدهم أصبحت تستقبله كلما حضر وأحيانا كان يجلس في مكتب واحد منهم في انتظار وصول الموظف المسئول عن أوراقه فيدور الحديث بينه وبين زملاء ذلك الموظف عن ظروف التعيين في الشركة, ومع تكرار الأحاديث وصلته تلميحات لا تحتاج إلي فطنة كبيرة ليدرك ما وراءها, ثم أصبح يسمع قصصا وحكايات صريحة عن هؤلاء الذين تم تعيينهم في بعض الشركات الأخري رغم ضعف مؤهلاتهم وكفاءاتهم لأنهم قدموا ما يسمي( المعلوم) وأن هناك من فتحوا عقولهم ففازوا بالمناصب, وهناك من أغلقوها فضاعوا و.. كان لابد مما لابد منه.. سعي في تكتم شديد حتي عرف اسم الموظف( الواسطة) لإيصال المعلوم, ويتقن من تسعيرة ذلك( المعلوم) وما يريده ذلك الموظف لتأدية مهمة توصيله, بل ما يريده أحد فراشي المكتب لإيصاله للموظف الذي سيقوم بدوره بإيصاله للباشا, ومع ذلك فقد همس البعض له بأن المدير رجل نزيه لا دخل له بتلك اللعبة, وأنها من اختصاص ذلك الموظف إياه صاحب التأثير عليه, بينما همس له آخر علي العكس بأن الباشا هو رأس الأفعي الحقيقي و.. كان أن باعت أمه بعض مصاغها حتي تم توفير ذلك( المعلوم) وتسليمه في سرية.. أيام ووصلته أخبار بقرب تعيينه في قسم العلاقات العامة.. تطلب الأمر مقابلة جديدة مع المدير لتعريفه بطبيعة وظيفته الجديدة وما تحتاجه من استعدادات خاصة, ولم ينتظر طويلا هذه المرة لمقابلة( الباشا) ففي موعد غير مؤجل كالمعتاد, وفي الساعة المحددة بالضبط وجد السكرتير يسرع ليفتح له باب حجرة المدير علي أقصي اتساعه وليواجه الباشا واقفا في انتظاره خلف مكتبه وقد علت وجهه ابتسامة عريضة كشفت عن أسنان صفراء وعينين يلمع فيهما وميض انتصار ثم ليسمعه وهو يقول له مرحبا:
ـ أهلا يا محمد, فينك يا بني من زمان؟. مش كنت تقول م الأول إن سيد عباس يبقي قريبك؟.. أنا كنت فاكره جارك اللي ساكن جنبك.
جهاد الرملي

رابط دائم: 
البريد الإلكتروني
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
Facebook تابعنا على