|
مصر غاضبة منذ نهاية مباراتها مع الجزائر في أم درمان, وهو غضب مشروع, لأن ضبــط النفس الذي تحلت به مصر الرسمية والشـعبية, منذ ما قبل مباراة القاهرة في الرابع عشــر من نوفمبر, ومحاوــة التعامـل مع الأكاذيب والمـشاكل بالعقل, لم يقابل بعقل من الجانب الآخر.
ومصر الشعبية والرسمية تشعر بالإهانة.. والخديعة, وهو حق أيضا, فلم يكن أحد يتصور أن تتحول مباراة في كرة القدم إلي معركة حربية يجري التخطيط لها, وحشد البلطجية للانتقام من حدث مر عليه عشرون عاما وهو تأهل مصر لكأس العالم عام1989 في القاهرة بعد الفوز علي الجزائر وإقصائها عن مونديال إيطاليا.
لكن للأسف نحن نعبر عن غضبنا بشكل سلبي, يفقدنا الكثير من العقل, ويجعلنا نشعل هذا الغضب في الداخل فقط, وكأنه تحول إلي اداة للتنفيث عن هذا الغضب فقط, دون محاولة استثماره في عمل إيجابي بدلا من البكائية والهيستريا التي نعيشها.
ومن يراجع الصحافة العالمية منذ الخميس الماضي حتي أمس سيكتشف, أن أيا من الرسائل التي نرددها طوال اليوم في مصر لم تصل إلي أي مكان في العالم خارج حدودنا, فمعظم تلك الصحف تري تضخيما فيما حدث من اعتداءات علي المصريين في الخرطوم, والكثير من منها أيضا تبدي اندهاشها من ردود الأفعال المصرية علي مباراة في كرة القدم وكيف تحولت إلي أزمة دبلوماسية بين بلدين عربيين.
المشكلة ليست فقط في أننا لا نعرف كيف نحول غضبنا إلي عمل إيجابي, لكننا أيضا لا نعرف مخاطبة العالم من حولنا, وحين يذهب اتحاد كرة القدم بملف ما حدث من تجاوزات إلي الاتحاد الدولي لكرة القدم أشك أننا سنجني تعاطفا من الفيفا, ليس لأنه منحازا للجزائر كما قالت وكالة أنباء الشرق الأوسط أمس الأول, ولكن لأن أعضاء الاتحاد الدولي لكرة القدم لا يتابعون الصحف والفضائيات المصرية.
وحتي في العالم العربي من حولنا لم نجد فضائية عربية واحدة تذيع مشاهد العنف الجزائري في الخرطوم, فما بالنا بمحطات التليفزيون العالمية التي لم تنقل هي الأخري أي شئ عما حدث في الخرطوم وأم درمان.
وأرجوا ألا يصاب شعبنا بالإحباط حين يكتشف ان الاتحاد الدولي لن يتخذ أي إجراء ضد الجماهير الجزائرية, لأننا خسرنا قضيتنا في الأيام الثلاثة الماضية والتي كان يفترض فيها عرضها علي الرأي العام العالمي, وحتي إذا حاولنا الآن فقد تجاوزتها الأحداث ولم تعد خبرا مهما وعاجلا يستحق المتابعة الإعلامية في أي مكان في العالم.
وما لم نتوقف عن عن هذا الغضب السلبي فسنظل دائما نخسر بأيدينا أي قضية أو مشكلة تعترضنا.. وسنظل مكتفين بإشعال الحروب الإعلامية الداخلية وان حدود العالم تبدأ وتنتهي عند مصر فقط وهذا غير حقيقي.
وكل ما أرجوه ان يكون غضبنا الداخلي فرصة لمراجعة النفس, فنحن نعيش علي الكرة الأرضية ولسنا في المريخ, وإذا لم نعرف كيف نتعامل يإيجابية مع غضبنا فسيظل مجرد بكاء علي اللبن المسكوب.
|