6784‏السنة السابعة عشر-العدد2009نوفمبر23‏6 من ذى الحجة 1430 هـالأثنين

الغضب الإيجابي
بقلم‏:‏ محمد حمدي
‏mhamdy12@yahoo.com‏


مصر غاضبة منذ نهاية مباراتها مع الجزائر في أم درمان‏,‏ وهو غضب مشروع‏,‏ لأن ضبــط النفس الذي تحلت به مصر الرسمية والشـعبية‏,‏ منذ ما قبل مباراة القاهرة في الرابع عشــر من نوفمبر‏,‏ ومحاوــة التعامـل مع الأكاذيب والمـشاكل بالعقل‏,‏ لم يقابل بعقل من الجانب الآخر‏.‏

ومصر الشعبية والرسمية تشعر بالإهانة‏..‏ والخديعة‏,‏ وهو حق أيضا‏,‏ فلم يكن أحد يتصور أن تتحول مباراة في كرة القدم إلي معركة حربية يجري التخطيط لها‏,‏ وحشد البلطجية للانتقام من حدث مر عليه عشرون عاما وهو تأهل مصر لكأس العالم عام‏1989‏ في القاهرة بعد الفوز علي الجزائر وإقصائها عن مونديال إيطاليا‏.‏

لكن للأسف نحن نعبر عن غضبنا بشكل سلبي‏,‏ يفقدنا الكثير من العقل‏,‏ ويجعلنا نشعل هذا الغضب في الداخل فقط‏,‏ وكأنه تحول إلي اداة للتنفيث عن هذا الغضب فقط‏,‏ دون محاولة استثماره في عمل إيجابي بدلا من البكائية والهيستريا التي نعيشها‏.‏

ومن يراجع الصحافة العالمية منذ الخميس الماضي حتي أمس سيكتشف‏,‏ أن أيا من الرسائل التي نرددها طوال اليوم في مصر لم تصل إلي أي مكان في العالم خارج حدودنا‏,‏ فمعظم تلك الصحف تري تضخيما فيما حدث من اعتداءات علي المصريين في الخرطوم‏,‏ والكثير من منها أيضا تبدي اندهاشها من ردود الأفعال المصرية علي مباراة في كرة القدم وكيف تحولت إلي أزمة دبلوماسية بين بلدين عربيين‏.‏

المشكلة ليست فقط في أننا لا نعرف كيف نحول غضبنا إلي عمل إيجابي‏,‏ لكننا أيضا لا نعرف مخاطبة العالم من حولنا‏,‏ وحين يذهب اتحاد كرة القدم بملف ما حدث من تجاوزات إلي الاتحاد الدولي لكرة القدم أشك أننا سنجني تعاطفا من الفيفا‏,‏ ليس لأنه منحازا للجزائر كما قالت وكالة أنباء الشرق الأوسط أمس الأول‏,‏ ولكن لأن أعضاء الاتحاد الدولي لكرة القدم لا يتابعون الصحف والفضائيات المصرية‏.‏

وحتي في العالم العربي من حولنا لم نجد فضائية عربية واحدة تذيع مشاهد العنف الجزائري في الخرطوم‏,‏ فما بالنا بمحطات التليفزيون العالمية التي لم تنقل هي الأخري أي شئ عما حدث في الخرطوم وأم درمان‏.‏

وأرجوا ألا يصاب شعبنا بالإحباط حين يكتشف ان الاتحاد الدولي لن يتخذ أي إجراء ضد الجماهير الجزائرية‏,‏ لأننا خسرنا قضيتنا في الأيام الثلاثة الماضية والتي كان يفترض فيها عرضها علي الرأي العام العالمي‏,‏ وحتي إذا حاولنا الآن فقد تجاوزتها الأحداث ولم تعد خبرا مهما وعاجلا يستحق المتابعة الإعلامية في أي مكان في العالم‏.‏

وما لم نتوقف عن عن هذا الغضب السلبي فسنظل دائما نخسر بأيدينا أي قضية أو مشكلة تعترضنا‏..‏ وسنظل مكتفين بإشعال الحروب الإعلامية الداخلية وان حدود العالم تبدأ وتنتهي عند مصر فقط وهذا غير حقيقي‏.‏

وكل ما أرجوه ان يكون غضبنا الداخلي فرصة لمراجعة النفس‏,‏ فنحن نعيش علي الكرة الأرضية ولسنا في المريخ‏,‏ وإذا لم نعرف كيف نتعامل يإيجابية مع غضبنا فسيظل مجرد بكاء علي اللبن المسكوب‏.‏

 

 


 

الصفحة الرئيسية - شئون دولية وعربية - بعيدا عن العاصمة - واحة الثقافة - تغطية إخبارية - منبر للرأي - حوادث وقضايا - رياضة - أعمدة - بريد المسائي
جميع حقوق الطبع محفوظة لمؤسسة الأهرام
massai@ahram.org.eg