|
لفترة طويلة من الوقت كان الحديث عن' الهوية المصرية' حديثا غير مرحب به في أوساط عديدة في مصر وذلك بفعل حملة القوميين والإسلاميين علي الهوية المصرية, فقد عملوا طوال الوقت علي إزاحة الهوية المصرية علي خلفية المشهد لحساب الهوية التي يدافعون عنها ويتبنون رؤيتها.
فأصحاب الرؤية القومية يتمسكون بفكرة القومية العربية, ويورون في أي حديث عن' القومية المصرية' أو الهوية المصرية تحديا كبيرا لفكرة القومية العربية, بل وهروبا من' قدر مصر' باعتبارها أكبر دولة عربية, قدرها أن تقود الدول العربية الأخري علي طريق التوحد. أما أصحاب الرؤية الإسلامية فبالطبع يرون في الهوية المصرية العدو الأول لمشروعهم الأممي, ذلك المشروع الذي ينهض علي فكرة الأمة القائمة علي أساس الرابطة الدينية, والذي يري في المشارك في العقدية مهما حمل من جنسية, أقرب إلي المسلم المصري من شريك الوطن الذي يدين بديانة غير الإسلام, ولذلك جاءت كلمات المرشد العام للإخوان المسلمين, مهدي عاكف, واضحة وقوية ولا تحتاج إلي تفسير عندما تهكم علي الهوية المصرية وأطلق كلماته الشهيرة' طظ في مصر وأبو مصر' مضيفا إليها الشق التالي وهو أنه يرحب بأن يرأس ماليزي أو باكستاني مصر, فالقضية بالنسبة له أممية قائمة علي الرابطة الدينية.
وعمل التياران القومي والإسلامي علي الإساءة إلي الهوية المصرية, وتعاونا في البحث عن غطاء ديني لهذه الإساءة فكان الحديث عن' فرعون' وقدموا صورة مشوهة للتاريخ الفرعوني, اسقطوا إنجازات الحضارة المصرية في كل الميادين والمجالات, وركزوا علي' كفر' الفرعون. وهناك من جعل قضية الإيمان محور الحديث, وحاكموا قدماء المصريين أول من روج لفكرة التوحيد, باعتبارهم' كفارا ووثنيين' وذلك في وقت لم تكن فيه سوي الديانة اليهودية وهي ديانة مغلقة قائمة علي رابطة الدم.
لقد عمل التياران القومي والإسلامي علي تشويه التاريخ المصري, وبذلوا كل جهد من أجل إشعار المصري العادي بالخجل من تاريخه وبالتحديد من أجداده إلي الدرجة التي جعلت البعض يشعر بالفخر من الانتماء إلي أصول غير مصرية, وقد تجلي ذلك في مناهج التعليم وفي رسائل وسائل الإعلام, وباتت الجذور المصرية التي تفخر كبري جامعات الدول المتقدمة بتخصيص' كورس' دراسي حولها, سيئة السمعة في مصر.
وقد تعرض رموز مصر الذين حاولوا إعادة الاعتبار للهوية المصرية, إلي حملات إعلامية عاتية اتهمتهم بالتغريب, والولاء للخارج, والبعض اتهمهم بالعداء للقومية والإسلام, حدث ذلك مع آباء الحركة الليبرالية المصرية في أوائل القرن العشرين, وتكرر المشهد في أواخر سبيعنيات القرن ذاته عندما ظهرت كتابات علي يد توفيق الحكيم ولويس عوض تدعو إلي' حياد' مصر تجاه الصراعات في المنطقة, وما تبعها من جدل حول هوية مصر مرة أخري, هل هي هوية فرعونية, تنتمي للحضارة المتوسطية التي تجمعها مع اليونان وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا, أم هي دولة عربية مكانها الطبيعي مع ليبيا والجزائر والعراق والخليج العربي ؟
إن الحديث عن الهوية المصرية ليس بجديد, وهو حديث متكرر, يظهر إلي السطح كلما اصطدمت مصر بمشكلة كبري في علاقاتها بالمنطقة, حدث ذلك في أوائل القرن العشرين ومنتصفه, وفي الربع الأخير منه, والآن عاد الحديث مجددا علي خلفية ما وقع ضد المصريين في الجزائر والسودان. وفي نفس الوقت دار حديث مشابه في الجزائر حيث خرج هناك من يقول بأن الجزائر دولة' الأمازيغ' وليست دولة عربية, في محاولة للفكاك من أي رابطة تربطهم بمصر. ولكن في الإجمال يبدو واضحا أن الحديث عن طبيعة الهوية المصرية والتساؤل عن هذه الهوية يثور في مصر بشكل يكاد يكون دوريا, وهو حديث ينطوي في جوهره علي رغبة مكنونة في الفكاك من هذه الرابطة التي لا تعني للكثيرين أكثر من كونها رابطة ثقافية, فقطاع كبير من المصريين يري أن مصر دولة صاحبة تاريخ عريق, كانت يوما ما صاحبة حضارة متقدمة ومتطورة بمقاييس زمانها, وأن مصر الفرعونية, مكانها الطبيعي حضارة حوض البحر الأبيض المتوسط, مكانها مع دول الضفة الشمالية للبحر المتوسط, ومكنون قلب المصريين الذين تحدثواعن الانضباط المصري والسلوك الحضاري في التشجيع, كان يشير إلي فارق نوعي في التصرف, وهو ما انعكس في عقد مقارنات في صحف مصر خاصة بين تاريخ البلدين بل وبين أداء الجماعات الإسلامية المسلحة في البلدين, بين اعتذار من جماعة إسلامية مصرية للشعب عن' قتل تلميذة مصرية' عن طريق الخطأ, وبين شق البطون والتنيكل بالأجنة من جانب الجماعات الإسلامية الجزائرية المسلحة, ووجدوا الفارق يكمن في طبيعة كل شعب, فالمزاج العام للشعب المصري يتسم بالتسامح والاعتدال, مقابل الخشونة والغلظة في المزاج العام للشعب الجزائري.
إن التساؤل الدوري في مصر حول الهوية الوطنية, يكشف بوضوح عن عدم ثقة وربما عدم رغبة في الهوية العربية, وهو ما انعكس ببساطة في أحاديث بسطاء المصريين, وأعضاء الفريق القومي لكرة القدم الذين قالوا بتلقائية'كفانا عروبة'' كفانا أحاديث عن الشقيقة الكبري'... ويبدو واضحا أن تكرار الحديث بل التساؤل عن الهوية المصرية, ودورية طرح التساؤلات علي مستوي النخبة الفكرية المصرية, يكشف عن رغبة صادقة عن إعادة الاعتبار للهوية المصرية, إعادة الاعتبار لمصر باعتبارها مصرية, ومصرية فقط دون إضافات, فكلمة مصر تكفي ولسنا في حاجة إلي إسنادها لإطار أوسع من ذلك.
|