6784‏السنة السابعة عشر-العدد2009نوفمبر23‏6 من ذى الحجة 1430 هـالأثنين

إعادة الاعتبارللهوية المصرية
بقلم‏:‏ د‏.‏ عماد جاد


لفترة طويلة من الوقت كان الحديث عن‏'‏ الهوية المصرية‏'‏ حديثا غير مرحب به في أوساط عديدة في مصر وذلك بفعل حملة القوميين والإسلاميين علي الهوية المصرية‏,‏ فقد عملوا طوال الوقت علي إزاحة الهوية المصرية علي خلفية المشهد لحساب الهوية التي يدافعون عنها ويتبنون رؤيتها‏.‏

فأصحاب الرؤية القومية يتمسكون بفكرة القومية العربية‏,‏ ويورون في أي حديث عن‏'‏ القومية المصرية‏'‏ أو الهوية المصرية تحديا كبيرا لفكرة القومية العربية‏,‏ بل وهروبا من‏'‏ قدر مصر‏'‏ باعتبارها أكبر دولة عربية‏,‏ قدرها أن تقود الدول العربية الأخري علي طريق التوحد‏.‏ أما أصحاب الرؤية الإسلامية فبالطبع يرون في الهوية المصرية العدو الأول لمشروعهم الأممي‏,‏ ذلك المشروع الذي ينهض علي فكرة الأمة القائمة علي أساس الرابطة الدينية‏,‏ والذي يري في المشارك في العقدية مهما حمل من جنسية‏,‏ أقرب إلي المسلم المصري من شريك الوطن الذي يدين بديانة غير الإسلام‏,‏ ولذلك جاءت كلمات المرشد العام للإخوان المسلمين‏,‏ مهدي عاكف‏,‏ واضحة وقوية ولا تحتاج إلي تفسير عندما تهكم علي الهوية المصرية وأطلق كلماته الشهيرة‏'‏ طظ في مصر وأبو مصر‏'‏ مضيفا إليها الشق التالي وهو أنه يرحب بأن يرأس ماليزي أو باكستاني مصر‏,‏ فالقضية بالنسبة له أممية قائمة علي الرابطة الدينية‏.‏

وعمل التياران القومي والإسلامي علي الإساءة إلي الهوية المصرية‏,‏ وتعاونا في البحث عن غطاء ديني لهذه الإساءة فكان الحديث عن‏'‏ فرعون‏'‏ وقدموا صورة مشوهة للتاريخ الفرعوني‏,‏ اسقطوا إنجازات الحضارة المصرية في كل الميادين والمجالات‏,‏ وركزوا علي‏'‏ كفر‏'‏ الفرعون‏.‏ وهناك من جعل قضية الإيمان محور الحديث‏,‏ وحاكموا قدماء المصريين أول من روج لفكرة التوحيد‏,‏ باعتبارهم‏'‏ كفارا ووثنيين‏'‏ وذلك في وقت لم تكن فيه سوي الديانة اليهودية وهي ديانة مغلقة قائمة علي رابطة الدم‏.‏

لقد عمل التياران القومي والإسلامي علي تشويه التاريخ المصري‏,‏ وبذلوا كل جهد من أجل إشعار المصري العادي بالخجل من تاريخه وبالتحديد من أجداده إلي الدرجة التي جعلت البعض يشعر بالفخر من الانتماء إلي أصول غير مصرية‏,‏ وقد تجلي ذلك في مناهج التعليم وفي رسائل وسائل الإعلام‏,‏ وباتت الجذور المصرية التي تفخر كبري جامعات الدول المتقدمة بتخصيص‏'‏ كورس‏'‏ دراسي حولها‏,‏ سيئة السمعة في مصر‏.‏

وقد تعرض رموز مصر الذين حاولوا إعادة الاعتبار للهوية المصرية‏,‏ إلي حملات إعلامية عاتية اتهمتهم بالتغريب‏,‏ والولاء للخارج‏,‏ والبعض اتهمهم بالعداء للقومية والإسلام‏,‏ حدث ذلك مع آباء الحركة الليبرالية المصرية في أوائل القرن العشرين‏,‏ وتكرر المشهد في أواخر سبيعنيات القرن ذاته عندما ظهرت كتابات علي يد توفيق الحكيم ولويس عوض تدعو إلي‏'‏ حياد‏'‏ مصر تجاه الصراعات في المنطقة‏,‏ وما تبعها من جدل حول هوية مصر مرة أخري‏,‏ هل هي هوية فرعونية‏,‏ تنتمي للحضارة المتوسطية التي تجمعها مع اليونان وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا‏,‏ أم هي دولة عربية مكانها الطبيعي مع ليبيا والجزائر والعراق والخليج العربي ؟

إن الحديث عن الهوية المصرية ليس بجديد‏,‏ وهو حديث متكرر‏,‏ يظهر إلي السطح كلما اصطدمت مصر بمشكلة كبري في علاقاتها بالمنطقة‏,‏ حدث ذلك في أوائل القرن العشرين ومنتصفه‏,‏ وفي الربع الأخير منه‏,‏ والآن عاد الحديث مجددا علي خلفية ما وقع ضد المصريين في الجزائر والسودان‏.‏ وفي نفس الوقت دار حديث مشابه في الجزائر حيث خرج هناك من يقول بأن الجزائر دولة‏'‏ الأمازيغ‏'‏ وليست دولة عربية‏,‏ في محاولة للفكاك من أي رابطة تربطهم بمصر‏.‏ ولكن في الإجمال يبدو واضحا أن الحديث عن طبيعة الهوية المصرية والتساؤل عن هذه الهوية يثور في مصر بشكل يكاد يكون دوريا‏,‏ وهو حديث ينطوي في جوهره علي رغبة مكنونة في الفكاك من هذه الرابطة التي لا تعني للكثيرين أكثر من كونها رابطة ثقافية‏,‏ فقطاع كبير من المصريين يري أن مصر دولة صاحبة تاريخ عريق‏,‏ كانت يوما ما صاحبة حضارة متقدمة ومتطورة بمقاييس زمانها‏,‏ وأن مصر الفرعونية‏,‏ مكانها الطبيعي حضارة حوض البحر الأبيض المتوسط‏,‏ مكانها مع دول الضفة الشمالية للبحر المتوسط‏,‏ ومكنون قلب المصريين الذين تحدثواعن الانضباط المصري والسلوك الحضاري في التشجيع‏,‏ كان يشير إلي فارق نوعي في التصرف‏,‏ وهو ما انعكس في عقد مقارنات في صحف مصر خاصة بين تاريخ البلدين بل وبين أداء الجماعات الإسلامية المسلحة في البلدين‏,‏ بين اعتذار من جماعة إسلامية مصرية للشعب عن‏'‏ قتل تلميذة مصرية‏'‏ عن طريق الخطأ‏,‏ وبين شق البطون والتنيكل بالأجنة من جانب الجماعات الإسلامية الجزائرية المسلحة‏,‏ ووجدوا الفارق يكمن في طبيعة كل شعب‏,‏ فالمزاج العام للشعب المصري يتسم بالتسامح والاعتدال‏,‏ مقابل الخشونة والغلظة في المزاج العام للشعب الجزائري‏.‏

إن التساؤل الدوري في مصر حول الهوية الوطنية‏,‏ يكشف بوضوح عن عدم ثقة وربما عدم رغبة في الهوية العربية‏,‏ وهو ما انعكس ببساطة في أحاديث بسطاء المصريين‏,‏ وأعضاء الفريق القومي لكرة القدم الذين قالوا بتلقائية‏'‏كفانا عروبة‏''‏ كفانا أحاديث عن الشقيقة الكبري‏'...‏ ويبدو واضحا أن تكرار الحديث بل التساؤل عن الهوية المصرية‏,‏ ودورية طرح التساؤلات علي مستوي النخبة الفكرية المصرية‏,‏ يكشف عن رغبة صادقة عن إعادة الاعتبار للهوية المصرية‏,‏ إعادة الاعتبار لمصر باعتبارها مصرية‏,‏ ومصرية فقط دون إضافات‏,‏ فكلمة مصر تكفي ولسنا في حاجة إلي إسنادها لإطار أوسع من ذلك‏.‏

 

 


 

الصفحة الرئيسية - شئون دولية وعربية - بعيدا عن العاصمة - واحة الثقافة - تغطية إخبارية - منبر للرأي - حوادث وقضايا - رياضة - أعمدة - بريد المسائي
جميع حقوق الطبع محفوظة لمؤسسة الأهرام
massai@ahram.org.eg