الخميس غــرة ذى الحجة 1435 هـ   25 سبتمبر 2014 السنة 24 العدد 8551
   
  فنون و ثقافة  
الموضوعات الاكثر قراءة


 
محمود الورداني يكتب‏:‏الجميع يتحدثون في قرية الكونج
 
487
 
عدد القراءات
لايهتم الكاتب السوداني حمور زيادة في روايته الكونج الصادرة أخيرا عن دار ميريت بسبب الجريمة التي ارتكبها علي صالح وذبحة شامة ام رضوة جبريل ويترك عامدا علامات استفهام ونهايات مفتوحة

 وفجوات هنا وهناك بعبارة أخري لا تهمة الحكاية والحبكة‏,‏ بل الجو والحالة وأساليب السرد المدهشة وهؤلاء البشر الذين يملأون صفحات روايته القصيدة العذبة ضجيجا وصخبا لا يتوقف‏.‏
أغلب الظن ان الكونج هي العمل الأول المنشور للكاتب السوداني حسبما كشفت احداث روايته التي تدور في احدي قري السودان المنسية‏.‏
وأغلب الظن ايضا انه كاتب شاب‏,‏ فهذا هو عمله الأول‏,‏ ومع ذلك قدم حمور زيادة عملا متماسكا مهما‏,‏ وسيطر علي القرية وناسها‏,‏ واختزل الكثير من الأحداث لصالح التكثيف والاشارات شديدة الذكاء‏,‏ ولاتنقصه خفة الدم والسخرية حتي من الموت والذبح والعنف المجاني‏.‏
ابادر إلي القول ان القاريء امام عمل يبدو واقعيا تماما من الوهلة الأولي‏,‏ فهناك جريمة ذبح يعقبها القبض علي القاتل‏,‏ وكل الأطراف يحكون الحكاية ذاتها من وجهات نظر متعددة‏,‏ وتنفرد حليمة زوجة خضر الرياني جزار القرية المصري الاصل وحدها بالقول‏:‏ لم يسألني احد لماذا قتل علي صالح‏(‏ شامة‏),‏ لكني أعرف السبب قلت لهم فلم يصدقوني لقد أخبرني به خالي بدر الدين‏.‏
الموتي لايكذبون وحتي لو كانوا يكذبون فخالي بدر الدين لايكذب‏.(‏ ص‏112).‏ إلا ان هذا السبب يظل غامضا لاتصرح به حليمة‏,‏ ولا يصرح به ايضا اي من شخوص الرواية‏,‏ ويبقي حتي النهاية مجرد تخمينات‏.‏
وهكذا‏,‏ يتخلص الكاتب منذ البداية من عنصري التشويق والترقب اللذين يلازم عادة مثل هذه الحبكة القائمة علي اكتاف جريمة ارتكبت‏,‏ يتخلص من العنصرين المذكورين بكل بساطة بل ودون ان يأسف علي ضياع مثل هذه الفرصة‏,‏ لأن امامه بدلا من ذلك كنوزا أخري تتمثل في مجموعة من الشخوص الصاخبين الذين يصيغون دراما عنيفة وساخرة وكاريكاتورية دون إسفاف‏.‏
افتتاحية الرواية صادمة‏,‏ ويكتفي الكاتب خلالها بوصف فعل الذبح‏:‏ بين سراديب الظلام سري‏,‏ تقدم نحوها في تصميم‏,‏ كانت تحلم بأضغاث وتهاويم مختلطة‏,‏ السكين نزلت علي حنجرتها‏,‏ تمهلت ثم ارتدت في عنف أصدر حلقها شخيرا وقرقر الدم‏.‏
ومنذ هذه اللحظة ستصحو قرية الكونج ولن يتاح لها النوم بعد ذلك تقريبا‏,‏ ويبدأ الكاتب في تقديم شخوصه علي مهل‏,‏ وربما يقتحمون هم المشهد رغما عنه رضوة جبريل بنت القتيلة شامة هي أول من نسمع صرختها في الفجر‏,‏ ويتقدم اقرب الجيران لاستكشاف سر الصرخة الملتاثة لرضوة‏,‏ وهما بالتحديد خضر الرياني جزار القرية الذي انحدر من مصر إلي السودان بحثا عن الرزق‏,‏ ونور الدايم قريب من رضوة من بعيد‏,‏ والأخير هو أول من يلمح كرة مغضنة يكسوها شعر لونته الحناء ملقاة علي الجانب الآخر من السرير وهكذا لم يكتف القاتل بذبح شامة بل فصل رأسها عن جسمها وهرب‏.‏
وهنا اود ان اشير إلي حيلة سردية بالغة التوفيق ولجأ اليها الكاتب في الفصول التالية‏,‏ وهي رواية الأحداث علي لسان الشخوص وبضمائرهم‏,‏ لكنهم يحكون عن أحداث وقعت بالفعل ومنذ زمن‏,‏ وهوالأمر الذي منح السرد حيوية مدهشة‏,‏ ولا يحكون بصيغة المضارع لحظة وقوع الفعل‏.‏
ولا يستغرق تقديم المشهد علي لسان الراوي العليم إلا سطوا قليلة‏,‏ ثم تقتحم الشخصية المشهد‏,‏ وتبدأ دون تمهيد في الحكي بضمير الآنا هكذا يفعل نور الدايم مثلا أول من اكتشف ذبح شامة‏.‏
وما يلبث عوض الكريم رقيب الشرطة والمقيم بالقرية ان يظهر‏,‏ وعلي الفور يمارس مهام مسئولياته الرسمية كممثل كاريكاتوري للقانون وجهاز الأمن‏,‏ بينما يتدلي امامه كرش أحسن تربيتها‏,‏ ورهلته حياة شرطي الريف‏,‏ يكشر عن سنة فضية تلمع جوار اسنانه النخرة وسرعان ما يلجأ الكاتب لحيلته السردية الأثيرة‏,‏ وهي أن يواصل الحكي علي لسان احدي الشخصيات‏,‏ وبدلا من ان يحكيه هنا من وجهة نظر وضمير رقيب الشرطة‏,‏ يحكيه علي لسان شخص آخرلم يكن موجودا اثناءوقوع الحدث‏!‏
وعلي الرغم من ذلك كتب حمور زيادة‏:‏ مالك زيادة سيقول حين يحكي هذا المشهد في السوق بعد فترة ان نور الدايم ارتجف حين خطا عوض الكريم نحوه‏.‏
ولأن الكاتب يمتلك حسا ساخرا وخفة دم محسوبة‏,‏ فإن مشاهد العنف يتم تخفيفها بتحويلها إلي مشاهد كاريكارتورية‏,‏ وهي حيلة سردية أخري توفر له العكوف علي مشاهد العنف وتناولها من زاوية اخري نازعا عنها الدم واللحم والخوف والرعب‏,‏ لتصبح مشاهد كاريكاتورية أشبه باللعب‏,‏ وتساعده الحيل السردية السابق الاشارة لها في الوصول إلي هدفه‏.‏
وتتوالي فصول الرواية‏,‏ ليقدم كل فصل شخصية جديدة ليستكمل القارئ ليس فقط التعرف علي شخصيات العمل‏,‏ بل أيضا استكمال الاحداث‏,‏ في ضفيرة واحدة وفي الفصل التالي يظهر بكري العربي قصاص الأثر‏,‏ وبدلا من أن يواصل رواية الوقائع‏,‏ يستغرق علي مدي أكثر من فصلين في بناء شخصية قصاص الأثر وملامحه وأصوله‏,‏ ثم يعود لرواية الوقائع حيث يتوصل إلي أن مرتكب الجريمة علي صالح العربجي وعشيق رضوة جبريل ابنة القتيلة‏.‏
أود أن أتوقف هنا عند أحد أهم انجازات الكاتب‏,‏ وتتعلق بخلو العمل من أبطال محددين أو شخصصيات رئيسية‏..‏ كلهم أبطال وكلهم شخصيات رئيسية يرسمهم الكاتب بمهارة‏,‏ سواء ملامحهم الخارجية أو الداخلية حتي تلك التي تبدو هامشية مثل الطاهر نقد عامل الابوستة القديم الأعمي‏,‏ الذي يري ما لا يبصره المبصرون‏,‏ أو الدكتور ابراهيم وهو ليس طبيبا بل يحمل درجة علمية مامن الأهر أو حتي الأبطال الذين تركوا القرية منذ زمن مثلي الست ابتسام صاحبة السيرة العطرة في العشق والغرام؟
ولذلك فإن البطل الحقيقي هو قرية الكونج التي يصفها الكاتب قائلا‏:‏ الكونج كغيرها من جاراتها من القري‏,‏ تلك التي نزحت إلي الضفاف أو التي بقيت في أسر النيل قيد جزائرها‏,‏ لا تختلف عنهن في شيء ولا ترضي لنفسها الاختلاف‏..‏ كغيرها من القري تؤمن انه من العادي أن يموت الناس‏...‏
والحال أن القرية تحكي بأصوات ناسها‏,‏ وتتشكل الحكاية علي مهل بسبب الحيلة السردية التي استخدمها الكاتب‏,‏ وهي الحكي علي لسان الناس وليس ضروريا ـ ولا حتي مهما ـ أن يكون السارد شاهدا علي ما يحكيه‏,‏ فكل يدلي بدلوه‏,‏ وكل له الحق في أن يحكي ما لم يره مؤكدا انه رآه‏!‏
قرب نهاية الرواية كتب حمور زيادة‏:‏ الحكايات تأكل نفسها حتي تذبل ويضيف في موضع آخر لكن الحكايات تخمد ككل شيء‏,‏ ويضيف ايضا‏:‏
سيقولون إن علي صالح قتل شامة لأن علاقة قامت بينهما وطلبت منه أن يكف عن ابنتها ويمضي الكاتب في استعراضه لأبناء القرية وهم يذكرون السبب الذي دفع علي صالح لارتكاب جريمته‏,‏ إلا أن احدا منهم لا يتفق مع الآخر‏,‏ رغم ان بعضهم شهود علي الحدث‏!‏ الحكايات إذن كما ذكر تشتعل ثم تخمد ككل شيء ثم‏..‏ ويتهادي الزمان‏..‏ النخيل يسل ثماره ثم تخضر ويلهبها الحر فتصفر ثم تستوي تمرا‏..‏ يتحدث النساء أن رضوة جبريل حبلي‏..‏ يتمنونها فتاة لتسميها شامة‏(‏ علي اسم القتيلة‏)..‏ يرتفع منسوب النيل مع تراجع الصيف واستواء الخريف‏..‏
تتواصل الحكايات في قرية الكونج‏..‏ حكاية أخري وقتيل آخر‏..‏ والمهم أن كاتب هذه السطور يشعر بالبهجة لأن هناك صوتا سودانيا جديدا يملك الصدق والألق والآلم ويسعي للاكتشاف‏.‏
بقي فقط ان اشير في النهاية إلي كمية الأخطاء النحوية التي لا حصر لها‏,‏ ولا أريد أن اتفيهق لان هناك أخطاء تفوت علي‏,‏ لكن سلامة اللغة جزء اساسي من سلامة المعني‏,‏ وهو ما أتمني أن يلتفت اليه الكاتب‏.‏
 


رابط دائم :


 
إضافة تعليق
 
البيانات مطلوبة
     
اسمك

 

   

 

بريد الالكترونى  
 

 

عنوان التعليق  
 

 

تعليق

 

 

 

 

 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام،و يحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الاليكترونى
massai@ahram.org.eg